الفرق بين النطق والقول في القرآن (من أسرار قوله تعالي: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي)

الفرق بين النطق والقول في القرآن

من أسرار قوله تعالي: وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي


هشام كمال عبد الحميد

 

إن كل كلمة في القرآن لها مدلولها ومعناها الذي يختلف عن الكثير من الكلمات المرادفة أو المشابهة لها والتي قد يعتقد البعض أنها تحمل نفس المعني أو نستخدمها في مصطلحاتنا العامية بنفس المعني، لكن القرآن دقيق في استخدام هذه الكلمات بما يؤكد أنه ليس كلام من صنع البشر.

من أمثلة ذلك استخدام القرآن لكلمتي نطق وقول، فطبقاً للمصطلحات القرآنية فكلمة نطق لم تستخدم إلا للدلالة علي الكلام الذي يبلغ لرسول أو نبي ولا يتدخل في صياغة كلماته أو حروفه بل ينقله كما سمعه حرفيا، وكأنه جهاز تسجيل ينطق فقط المسجل علي شريط التسجيل أو الديسك الموضوع فيه بلا اي زيادة أو نقصان أو تغيير منه.

أما القول فهو الكلام الذي يصيغه قائله بنفسه ويختار بنفسه كلماته وحروفه المراد بها التعبير عما يريد قوله. وبمراجعة آيات القرآن سنتأكد من هذه الحقيقة.  

قال تعالي:

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى(3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) (النجم)

فالآيات السابقة تؤكد أن ما ينقله لنا النبي محمد صلي الله عليه وسلم من وحي ليس فيه ضلال او غواية منه، لأنه لا يتدخل في أي صياغة لما يأتيه من وحي فهو ينطقه كما يسمعه من جبريل حرفياً بلا زيادة أو نقصان أو تغيير في أي كلمة أو حرف بإعادة صياغة عباراته وفق هواه. وكأنه جهاز تسجيل ينطق ما يوحي إليه كما هو.

ولو تدخل النبي صلي الله عليه وسلم في صياغة كلمات وحروف القرآن فسيتحول كلامه إلي قول أو تقول علي الله بغير حق وليس نطق بالحق، وهنا ذكر المولي عز وجل عقوبة النبي محمد (أو أي نبي آخر بالقطع) لو فعل هذا، فسيأخذ منه باليمين (أي يعذبه بقوة ويذله ويهينه كما قال المفسرون) ويقطع منه الوتين (قالوا في التفسير أنه حبل بالظهر متصل بالقلب لو قطع يموت الإنسان) وذلك في قوله تعالي:

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ(47) وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52) (الحاقة)

وهنا سنلاحظ أن الخالق جل وعلا وصف كلام القرآن بأنه قول رسول كريم (هو جبريل) ذو قوة عند ذي العرش مكين (أي صاحب قوة وقهر وسلطان عند ذي العرش وهو أمين علي كل كلمة يبلغها من الله للرسل والأنبياء)، ولم يصفه بأنه نطق رسول كريم، وكذلك في قوله تعالي:

إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (20) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(21) وَمَا صَاحِبُكُم بِمَجْنُونٍ (22) وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ (23) وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ (24) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (25) فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ (26) إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (27) لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) (التكوير)

وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴿١٩٢﴾ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ﴿١٩٣﴾ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ ﴿١٩٤﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ ﴿١٩٥﴾ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴿١٩٦﴾ (الشعراء)

فلماذا قال الله أن القرآن قول جبريل وليس نطق جبريل؟؟؟؟؟؟ وأنه يتنزل به بأمر من رب العالمين وأنه مكتوب في زبر الأولين؟؟؟؟؟

الإجابة باختصار شديد وطبقاً لما شرحته عن صفات جبريل الواردة بالقرآن بمقالات "سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر" فجبريل أمر من أوامر الله بعالم الأمر وهو عالم أصحاب السلطان أو الكائنات التي تجلي الله فيها باسم أو أكثر من أسمائه الحسني وهم المدبرون أمراً الذين يديرون ويدبرون شئون الكون والمخلوقات بأوامر من الله، وكل كائن منهم معه جيوش مجيشة من الملائكة، فجبريل ليس من الملائكة ولم يصفه الله في أي آية بالملاك لأنه من أصحاب الأمر والسلطان، ودائما ما كان يأتي ذكره بصفة روح الله أو الروح ويتم التمييز بينه وبين الملائكة، ولا مجال لشرح هذه التفاصيل فقد سبق شرحها بالمقالات السابق ذكرها.

فجبريل هو روح الله لأن الله تجلي عليه بصفة واسم الروح (الروح الأمين والروح القدس) كما تجلي عليه باسم الجبار صاحب القوة والقهر والسلطان (ومن هذه الصفة جاء اسمه جبريل أي من الجبر والقوة المشتقين من اسم الجبار) وتجلي عليه أيضاً بصفة النور والباعث (لأن معه الروح) ومعه أمر الساعة وهلاك جميع الأمم يتم بمعرفته هو والمجموعات المعاونة له وعلي رأسهم مجموعة الصافات صفاً، ويحمل جبريل صفات أخري من الأسماء الحسني لا مجال لذكرها وذكر آياتها هنا.

وجبريل هو المتحدث الإعلامي باسم الله مع جميع المخلوقات والرسل والأنبياء والبشر وكل الكتب السماوية تنزل عن طريقه، وهو الذي يصيغ كلمات وحروف كل الكتب السماوية المنزلة من الله وفق الأوامر المبلغة له من الله بما يتفق مع ما هو مسجل بزبر الأولين، ثم يقوم بصياغتها وترتيبها هو ومجموعة الصافون المسبحون التابعون له وفق البرامج الإعجازية الإحصائية والعددية واللغوية الخاصة بكل لغات العالم القديمة والحديثة والبرامج الموسيقية والعلمية......الخ التي وضعها الله في عقله وعقول بعض الملائكة المساعدين له.

ومن ثم فالقرآن هو قول جبريل وليس نطق جبريل، لأنه هو الذي يصيغ كلماته وحروفه ويرتب آياته وسوره وفق برامج إلهية مثبته بعقله، وهذا سر الآيات التي نعتقد أن الله يحدثنا فيها عن نفسه ثم نجد الحديث عن الله تستخدم فيه ضمائر الغائب وليس ضمير المتكلم مثل (هو الله) وليس (أنا الله) لأن المتحدث هنا جبريل وليس الله بذاته فالآيات التي يحدثنا الله عن نفسه بذاته في القرآن قليلة جدا كما شرحت بالمقال سابق الذكر.

وتتضح معاني كلمة النطق أكثر من قوله تعالي:

وَلَا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنطِقُ بِالْحَقِّوَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (المؤمنون:62)

فالآية السابقة تشير إلي أن النطق في اغلب الأحيان لا يكون إلا بالحق، وأن الخالق لديه كتاب ينطق بالحق، فهو كتاب مسجل فيه نسخة من أعمالنا في الدنيا بالصوت والصورة (فيديو) وبما كان يدور في خلدنا وليس بما كنا نتفوه به أمام الناس نفاقا أو رياءً أو بما يخالف ما نضمره في نفوسنا من كفر أو حقد وحسد وكراهية.....الخ، وهذا مصداقاً لقوله تعالي:

هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(الجاثية:29)

وهذه النسخة من كتاب أعمالنا (الفيديو) مأخوذة من النسخة المسجلة بخلايانا العصبية الموجودة بجلودنا والتي سينطقها الله في الآخرة لتشهد وتنطق علينا جلودنا بما كنا نعمل بالحق، قال تعالي:

وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍوَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (فصلت:21)

فهذا الكتاب الناطق بالحق الموجود في جلودنا هو كتاب جيني (موجود بجينات الكروموسومات) مسجل عليه أعمالنا وموجود نسخة منه بكل الخلايا الحية العصبية الموجودة بجلودنا، وتسلم نسخة يومية منه للخالق عن طريق الطائر الموجود بأعناقنا، والذي يفارقنا أثناء النوم ليذهب لتقديم تقريره اليومي للخالق والملائكة المسئولين عن تسجيل أعمالنا بكتاب الزبر كما شرحت بمقال سابق.

وقال تعالي:

قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ (62) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ(63) فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ (64) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ(65) (الأنبياء)

فلماذا قال إبراهيم عن أصنام قومه التي حطمها أسألوهم إن كانوا ينطقون ولم يقل إن كانوا يتكلمون؟؟؟؟؟

وقال تعالي:

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً(النبأ:38)

يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً(طه :108)

فلماذا قال الله أن يوم القيامة سيقوم الروح والملائكة صفاً لا يتكلمون إلا بإذن من الرحمن ولن تسمع إلا همساً؟؟؟؟؟

الإجابة ببساطة أن النطق لا يكون إلا بالحق ولا يصدر إلا من الكائنات الحية وليس من أصنام الحجارة، والكلام في الآخرة سواء من الملائكة أو الرسل والأنبياء أو سائر المخلوقات لا يكون إلا بإذن من الرحمن.

وقال تعالي:

وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِم بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنطِقُونَ(النمل:85)

هَذَا يَوْمُ لَا يَنطِقُونَ(المرسلات:35)

فعندما يقع قول الله ووعده ووعيده الحق علي الكافرين والذي كانوا به يكذبون في الدنيا ستخرس ألسنتهم ولا يستطيعون النطق بالحق أو بكلمة واحدة بعد أن شهدت عليهم جلودهم.

ياسادة القرآن كتاب رهيب واستخدام الألفاظ والكلمات فيه تتم بأسلوب بلاغي معجز وإحصاء عددي لكل حروفه وكلماته من لدن خبير عليم وفق برامج ونظم موضوعة من الخالق سبحانه وتعالي، وتم وضع هذه البرامج والنظم في عقل جبريل والملائكة المعاونين له المسئولين عن تنزيل وصياغة الكتب السماوية التي تنزل علي الأنبياء أو الرسالات التي تبلغ للرسل. علي ما شرحت بمقالات عالم الأمر وأصحاب السلطان السابقة.

فلا تجعلوا القرآن مهجوراً وتعرضوا عن تدبر آياته المعجزة للإنس والجن.

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل