الربا في القرآن هو تسعير المنتجات والخدمات والعقارات وفوائد القروض بأضعاف مضاعفة تفوق التكلفة نتيجة الاحتكار والاستغلال وجشع التجار

 الربا في القرآن هو تسعير المنتجات والخدمات والعقارات وفوائد القروض بأضعاف مضاعفة تفوق التكلفة نتيجة الاحتكار والاستغلال وجشع التجار

هشام كمال عبد الحميد

عرف فقهاء السلف الربا بأنه الفائدة التي يحصل عليها الدائن (المقرض) من المدين (المقترض) نظير إقراضه مبلغ من المال لأجل مسمي بينهما، ومن ثم قصروا مفهوم الربا في فوائد القروض، وسار الناس علي ضرب هؤلاء الفقهاء كالعميان قرون عديدة، ولم يفكر أحدهم أن يتدبر آيات الربا بنظرة مخالفة لأهل السلف ليصل للحقيقة.

فهل كان مفهوم فقهاء السلف عن الربا صحيحاً ؟؟؟؟؟

هل آيات القرآن تثبت أم تنفي وتنسف ما قالوه ؟؟؟؟؟

وفي البداية يلزمنا تعريف كلمة الربا لغوياً ورأس المال تجارياً أو اقتصادياً، ثم نتطرق لتعريف القرآن للربا، فالقرآن له مصطلحاته الخاصة التي يتم الوصول لفك شفراتها والوقوف علي حقيقتها من خلال آيات القرآن نفسه الوارد بها هذه الكلمة ومشتقاتها.

فلغوياً الربا هو الزيادة والنماء في شيء ما سواء أكان مالاً أو زراعة أو حيوان أو معادن أو ماء.......الخ ، وربا الشيءُ ربا رَبْوًا، ورُبُوًّا: نما وزاد، وفي التنزيل العزيز: (الحج آية 5) "وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهتَزَّتْ ورَبَتْ" أي : زادت وانتفخت لما يتداخلها من الماء والنَّبات. وربا المالُ: زاد، وشَارَكَ فِي الحَفْلَةِ مَا يَرْبُو عَلَى الخَمْسِينَ مِنَ الْمَدْعُوِّينَ : أي مَا يَزِيدُ عَلَى الخمسين، وربا الفَرسُ: انتفخ من عَدْوٍ أو فَزَعٍ......الخ.

وفي الإسلام أو الشرع قصر الفقهاء تعريف الربا بأنه: الزيادة المشروطة التي يتقاضاها المقرض للمال من المقترض نتيجة إقراضه المال لأجل مسمي بينهما (فائدة القرض لمدة محددة تحسب بنسبة مئوية سنوية في الغالب من أصل القرض).

أما رأس المال فهو بالنسبة للمشاريع قيمة ما يودعه التاجر في مشروعه من أموال يتم من خلالها شراء الأصول وتشغيل المشروع وإنتاج المنتجات أو الخدمات، وهذا الرأسمال يزيد (يربو) سنوياً بمقدار ما يحققه التاجر من أرباح خلال سنة، فرأس المال في السنة القادمة أو الجديدة سيمثل رأس المال الأصلي مضافاً إليه صافي الربح خلال السنة المالية السابقة بعد خصم ما تم سحبه من أرباح أو من أصل رأس المال خلال السنة الماضية (صافي راس المال).

أما نسبة الربح وهي الأهم في الموضوع وهي مربط الفرس في تحديد وتعريف الربا علي ما سنوضح في نهاية المقال، فهي النسبة التي يضعها التاجر أو المنتج أو مقدم الخدمة كهامش لربحه علي التكلفة الإجمالية لإنتاج السلعة أو الخدمة المقدمة للجمهور ليحدد بها السعر النهائي للسلعة أو الخدمة، بما فيها المصاريف المباشرة والغير مباشرة سواء الثابتة أو المتغيرة بالإضافة لنصيب المنتج أو السلعة من نسب الإهلاك السنوية للأصول ونصيبها من التكاليف المدفوعة في براءات الاختراع للمخترعين وأبحاث التطوير والرسوم والضرائب المقررة قانوناً........الخ.

ونسب الربح أو هامشها يتراوح في معظم المنتجات بنحو 30-35% من تكلفة المنتج، وهناك عوامل أخري تتدخل في تحديد هامش الربح كمعدل دوران رأس المال في كل دورة إنتاجية أو بيعيه والتي تختلف من سلعة لأخري، فالسلع الاستهلاكية معدل دورانها سريع ومتوسط ربحها من 30-35% من التكلفة، أما السلع المعمرة بطيئة الحركة أو التي يحتاج إنتاجها لفترات تخزين لأن إنتاجها يتطلب ذلك، تزداد فيها هوامش الربح إلي من 50-100% من التكلفة أو أكثر حسب الأحوال، أي قد تصل لضعف أو ضعفين. وعلي هذا الأساس يتم تحديد سعر السلعة أو المنتج أو الخدمة.

وهناك عوامل أخري تدخلت حديثاً في تسعير المنتجات، منها عامل الندرة وسياسة العرض والطلب والسياسات الاحتكارية للشركات الكبرى العالمية، وهي السياسات التي خربت كل اقتصاديات الدول وأنشئت الربا القائم عليه الاقتصاد الآن علي ما سنوضح في حينه.

والآن تعالوا لنري ماذا قال القرآن في شأن الربا:

قال تعالي:

وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (الروم : 39)

إذن الربا زيادة تزيد في أموال الناس المخزنة عند المرابين، فهي عبارة عن استيلاء علي أموال الناس بدون وجه حق، فلو كان الربا فوائد القروض فلماذا لم يقل الله "ليربو في أموال المقترضين بدلا من ليربو في أموال الناس؟؟؟؟؟

السبب أن الربا معاملة تجارية خاصة بكل الناس وضرره يعود علي كل الناس وليس المقترض فقط علي ما سنشرح بعد قليل.

وقال تعالي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) (آل عمران)

إذن التعريف الأوضح للربا جاء في هذه الآية وهو: أكل الربا (الزيادة) بأضعاف مضاعفة. والحرمة هو في أكله بأضعاف مضاعفة وليس ضعف أو ضعفين أو حتي ثلاثة.

والسؤال الآن علي ضوء هذه الآية:

ما المقصود بالزيادة (الربا) في هذه الآية؟؟؟؟ هل الزيادة راجعة علي أصل المال الذي سيتم قرضه للمدين أم إلي نسبة الفائدة التي ستضاف علي القرض أم إلي شيء آخر مختلف تماما بسبب سوء فهم آيات الربا (الزيادة أو هامش الربح)؟؟؟؟؟

لو كان الربا هو الفوائد علي القروض فقد وصف الله الربا بأنه أكل أضعاف مضاعفة واستثني الضعف والضعفين، فهل معني ذلك أن الضعف والضعفين من الربا (فوائد القروض) محلل أما الأضعاف المضاعفة منه فهي المحرمة؟؟؟؟؟

هل شاهدتم أو سمعتم يوماً أن مقترض اقترض من بنك أو مرابي قرض بأضعاف مضاعفة ، أو قام بنك أو مقترض بتحديد الفائدة علي الودائع المودعة من العملاء لديه بأضعاف مضاعفة لأصل المبلغ المودع؟؟؟؟؟

من المفترض أن الأموال التي يحصل عليها المقترض من البنوك (وهي تمثل أموال المودعين به) أو شخص ما يتم استثمارها من المقترض في مشاريع إنتاجية وتجارية واقتصادية ومشاريع بني تحتية تعود بالنفع علي الدولة والمواطنين وتشغل الأيدي العاملة وتفتح أبواب رزق بأموال صغار المودعين الذين لا يستطيعون فتح مشاريع بأنفسهم ، والبنك يحقق أرباح كبيرة ويعطي للمودعين نسب وإن كانت ضئيلة جداً وتعد فتات من أرباحه إلا أنها تعود بالنفع علي المودع أيضاً، فالطرفين مستفيدين والدولة والاقتصاد المحلي مستفيد .

فلماذا يحرم رجال الدين هذه المعاملة، وهل المطلوب من المودعين أن يودعوا أموالهم بالبنوك ليربح منها البنك ويمتنعوا هم عن أخذ نصيبهم من الربح لأنه حرام كما يؤكد الكثير من مشايخهم؟؟؟؟؟؟

لا شك أن كل ما قيل من أهل السلف ورجال الدين المعاصرون في تعريف الربا كلام خاطئ مائة بالمائة وبعيد تماماً عن المعني الذي يقصده القرآن من الربا. وذلك بسبب هجرهم للقرآن، وأعتمادهم علي الأحاديث المصنف أكثرها ضمن الضعيف والموضوع، وجميعها أحاديث آحاد غير متواترة، فهي ظنية غير يقينية شكك علماء الحديث في صحة نسبها للنبي أو الصحابة، وحذروا من الأعتماد عليها في وضع الأحكام والعقائد علي ما شرحنا بمقالات سابقة.

والآيات التي جاء بها الحديث عن الربا وردت في سورة البقرة وآل عمران والروم والنساء.

وأهمها وأوضحها ما جاء بسورة البقرة، قال تعالي:

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (277) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (278) فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ (279) وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280) وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ (281) (البقرة)

والأسئلة المثارة حول هذه الآيات هي :

لماذا كان آكلو الربا يصفون عمليات الربا بأنها عملية تجارية مثل أي عملية بيع ولم يصفوها بعملية إقراض أو تسليف؟؟؟؟؟

إذا كان الربا هو فوائد القروض كما زعم أهل السلف فلماذا لم يعترض الله علي قول المرابين بأنه مثل البيع وينفي صلته بالبيع، وأكد أنه أحل البيع (التجارة أو عمليات البيع بهوامش ربح معقولة ومبررة) وحرم الربا؟؟؟؟؟

لماذا وصف الله قول أكلي الربا بأنه مثل البيع بحال من يتخبطه الشيطان من المس؟؟؟؟؟ فما العلاقة بينهما؟؟؟؟؟

لماذا كان شرط التوبة من الربا الاحتفاظ برأس المال فقط (أصل راس المال زائد هوامش الأرباح الغير مغالى فيها)؟؟؟؟؟

لماذا أحل الله في شرط التوبة من الربا الاحتفاظ بما سلف فيما تم أكله منها وأرجأ أمره إلي الله ، ولم يشترط ردها للمدين أو المقترض طالما أنه معلوم لآكل الربا؟؟؟؟؟ وفي المعاملات القادمة اشترط الله لتجنب الربا الاحتفاظ برأس المال وترك أي زيادات ربوية، وجعل التصدق بمقدار الربا فيما سلف خير سيجزون عليه جزاء عظيم في الآخرة؟؟؟؟؟

وإن كان آكل الربا ذو عسرة ولا يجد لديه مال كافي لرد ما جناه من ربا كصدقات فنظرة إلي حين تيسير أموره لأن تصدقه بهذه الأموال وردها للمجتمع خير له.

فهل جاء بآيات الربا أي ذكر لفوائد قروض أو مقرضين أو مقترضين أو دائنين أو مدينين؟؟؟؟؟؟؟
فمن اين جاء الفقهاء بهذه المفتريات في تعريف الربا سوي من أحاديث الآحاد الضعيفة والموضوع أكثرها!!!!!!

وتأسيساً علي ما سبق، فالربا في القرآن: هو كل هامش ربح مغالى فيه يتم جنيه بأضعاف مضاعفة من تكلفة إنتاج السلعة أو تقديم الخدمة عند بيع السلع والمنتجات أو تقديم الخدمات بالأسواق، نتيجة الجشع والاستغلال من التجار والمنتجين أو مقدمي الخدمات أو حتي من المقرضين للمقترضين سواء أكانوا بنوكاً أو أشخاص طبيعيين. مما يؤدي إلي الاستيلاء علي أموال الناس بدون وجه حق وأكل أموالهم بالباطل

فتاجر الجملة أو التجزئة وصاحب المصنع وأصحاب المهن الحرة والفنية (كالطبيب والمهندس والمحامي والمدرس والسباك والنجار والحداد والميكانيكي.....الخ) أو حتي البنوك التي تقدم قروض، وأصحاب الأرضي والشقق السكنية والمحلات، الذين يسعرون منتجاتهم أو خدماتهم المقدمة للجمهور أو شققهم وأراضيهم ومحلاتهم عند بيعها لهم بهوامش ربح أو أسعار باهظة تفوق تكلفة أنتاج هذه السلعة أو الخدمات بأضعاف مضاعفة، أو يتعمدون إحداث شح ونقص لهذه المنتجات بالأسواق ليرفعوا أسعارها لأثمان باهظة، هم من المرابين وأكلي أموال الناس بالباطل والمفسدون في الأرض، الذين توعدهم الله بمحق ما جنوه من ربا، وحذرهم بترقب حرب منه ومن رسوله (في زمن المهدي في الغالب)، وأعد لهم عذاباً أليماً في جهنم وبئس المصير لهم.

وقد وصف الله قولهم بأن البيع مثل ربا بأنه قول باطل وفيه هذيان وخداع لأنفسهم وللناس مثل أقوال الممسوس من الشياطين الذي يهذي ولا يعقل أو يدرك حقيقة ما يقوله لأنه مغيب عقليا ومخدوع.

هذا قولي واجتهادي الذي لم يسبق أن تعرض أحد له قبلي علي مدار الـ 1400 سنة من عمر الإسلام، مثل كثير من الموضوعات التي أتعرض لها وتحدث ضجة كبيرة خاصة في العالم الإسلامي وتنتشر انتشار النار في الهشيم، وألقي بسببها هجوماً من أكثر الذين لا يعلمون ومن ران الله علي قلوبهم أو الذين نصبوا أنفسهم سدنة للدفاع عن كل أقوال أهل السلف سواء أكانت حق أم باطل ، وسواء أكانت متفقة أو معارضة للقرآن، فحالهم معنا إنا وجدنا آباءنا علي أمة وأنا علي آثارهم مهتدون. لكن حان الوقت الذي أذن الله فيه أن يكشف ما حرفه أهل السلف في هذا الدين عن عمد أو عن جهل علي أيدي عباده المخلصين قبل أن يظهر هذا الدين علي الأديان كلها في الأيام القادمة، وليلعن آخر هذه الأمة أولها كما روي عن رسول الله صلي الله عليه وسلم، ولك أن تتفق مع رأيي أو ترفضه أو تخرج باجتهاد جديد فهذا شأنك، والله الهادي لسواء السبيل.



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل