من أسرار وألغاز قصة أصحاب الكهف (الجزء الأول)

 

من أسرار وألغاز قصة أصحاب الكهف (الجزء الأول)

هشام كمال عبد الحميد

سورة الكهف من السور المليئة بالأسرار والألغاز والعجائب، وقد روي عن رسول الله أنها من السور التي تحصن أو تقي من فتن الدجال، وهو ما يشير أو يؤكد أن السورة والقصص المروية بها لها علاقة مباشرة أو غير مباشرة بالدجال أو فتنه أو القوي المعينة أو المناوئة له بالأرض والعوالم البعديه، وقد شرحت بكتاب "أسرار سورة الكهف" أن مجموع حروف اسم الدجال أو علامته علي ما جاء بالعدد (الآية) 18 من الإصحاح 13 بسفر الرؤيا الإنجيلي هو 666 وهذا بحساب الجمل الكبير، وهذا العدد بحساب الجمل الصغير يساوى 18 (6+6+6)، وهو نفس رقم الآية الوارد بها هذا الرقم بالإصحاح 13، وهو أيضاً نفس ترتيب سورة الكهف بالقرآن، فترتيبها بالمصحف رقم 18، وهو ما يشير لوجود علاقة بين هذه السورة وبين الدجال وفتنه علي ما جاء بالأحاديث المروية عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.

وقد اشتملت هذه السورة علي أربع قصص رئيسية هي:

1- قصة أصحاب الكهف والرقيم.

2- قصة صاحب الجنتين الأكثر مالاً وولداً، اللتين صنعهما علي ضفاف نهر صناعي في الغالب، وأنفق فيهما أموالاً باهظة وحصنهما بتحصينات شديدة، وهو يظن أنهما لن يزولا أو يبادوا أبداً، أي صنعهما ليكونا جنتين خالدتين أو جنات خلد يضاهي بهما جنات خلد الله، وكان يتفاخر علي صاحبه بهاتين الجنتين اللتين أثمر الله كل ما بهما من زروع ونخيل وأعناب رغم كفره وشركه بالله وبقيام الساعة وظنه أنه لو قامت الساعة فسيرد إلي جنة أفضل من هذه الجنة، فأحاط الله بثمر هذه الجنة وأرسل عليها حصباناً من السماء فجعلها صعيداً زلقاً وماؤها غوراً فأصبحت خاوية علي عروشها، فأخذ يقلب كفيه علي ما أنفق فيها من أموال باهظة.

فهل كانت هذه الجنة هي القرية التي مر عليها عُزير الدجال المزيف وهي خاوية علي عروشها وقال أني يحي الله هذه بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه وبعث حماره أمام عينيه وجعله آية للناس تثبت أن الله هو الذي يحي ويميت الأرض والناس وسائر المخلوقات ويجعل ما يشاء منهم خالداً لا يباد وليس هذا الدجال علي ما شرحت بكتاب "كشف طلاسم وألغاز بني إسرائيل والدجال....."؟؟؟؟؟

وهل الجنة التي سيأتي بها الدجال في نهاية الزمان هي أعادة كرة لمثل هذه القرية أو الجنة التي افشل الله له مخططها من قبل؟؟؟؟؟.

3- قصة لقاء موسى بالعبد الصالح عند أحد برازخ مجامع البحرين (العالم البعدي الذي سيأتي منه هذا العبد الصالح –وقيل أنه الخضر- المتصرف في المقادير الإلهية الغيبية المستقبلية بالأرض عبر بوابة بعديه عند مجمع هاذين البحرين)، وما جري بينهما من العجائب، وإفشال مخططات القرصان الذي كان يأخذ كل سفينة غصباً (يختطف السفن ثم الطائرات بعد ذلك عند مثلث برمودا الموجود به عرش إبليس علي الأرض ومقر مراكز أبحاث الدجال علي ما شرحت بكتاب "أسرار سورة الكهف ومشروع ناسا للشعاع الأزرق") وقد روي أن الخضر سيظهر ويكون له عودة هو وإلياس أو إدريس في زمن الدجال، وهما الشاهدان اللذان سيصنعان العجائب والمذكور ظهورهما في عصر الدجال بسفر الرؤيا الإنجيلي علي ما شرحت بكتبي السابقة.

4- قصة ذو القرنين والعوالم البعديه التي غزاها وقيامه بردم البوابة البعديه التي كان يغير منها يأجوج ومأجوج علي القوم الضعفاء الذين استنجدوا به لصد غاراتهم عليهم، ونبوءته لهم بدك هذا الردم وخروجهم منه قبل يوم الوعد الحق بنهاية الزمان وهو اليوم المنظر له إبليس والدجال.

وقد روي ببعض الروايات أن أصحاب الكهف لهم بعث وعودة قبل خروج الدجال وسيصبحوا من جنود المهدي ويكونوا من وزراءه، ولو سلمنا بصحة هذه الروايات وهي غير مستبعدة (لأنه قبل المعركة الأخيرة الفاصلة بين حزب الشيطان وحزب الله من المؤمنين سيبعث الله من كل أمة فوج من أكابر مجرميها لينضموا لحزب إبليس، ويبعث المقاتلون الربيون الذين قتلوا في سبيل الله في حروبهم مع الأنبياء ليشهدوا نصر الله لهم علي حزب الشيطان ويرثوا حكم الأرض بعد هزيمة إبليس وقتل الدجال وإظهار الله لدينه علي الأديان كلها في المعركة المعروفة باسم معركة هرمجدون أو الملحمة الكبرى علي ما شرحت بكتاب "الحرب العالمية الثالثة" وكتاب "قراءة عصرية لأحداث الساعة...."). فلا بد أن نسلم بأن أصحاب الكهف ماتوا أو دخلوا في حالة نوم أشبه بالموت ثم بعثهم الله في أحد العصور الماضية، ثم دخلوا الكهف مرة أخري وناموا وسيبعثهم الله عند ظهور المهدى مع من سيبعث من أكابر المؤمنين والمجرمين قبل خروج الدجال. ومن ثم فلا بد أن يكون بقصتهم بالقرآن إشارات لهذين البعثين والغرض منهما.

فتعالوا لنتعرف علي أسرار أخري من أسرار قصة أصحاب الكهف كإضافة جديدة ما شرحته بكتاب "أسرار سورة الكهف".

قال تعالي:

أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِكَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً(9) إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً (11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(12) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13) وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً (14) هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً (15) وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحمته ويُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقاً(16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً (17) وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً(18) وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْقَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَاماً فَلْيَأْتِكُم بِرِزْقٍ مِّنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (19) إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً (21) سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً (22) وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً (23) إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً (24) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً(25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) (الكهف)

إن أول ما يلفت انتباهنا في قصة أصحاب الكهف هو كلمة "البعث" التي تكررت بالسورة أكثر من مرة، وفي كل مرة كان الغرض من البعث مختلف عن الغرض المذكور في الآيات الأخرى، فمواضع كلمة البعث بالقصة جاءت في قوله تعالي:

فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً(11) ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً(12) (الكهف).

إذن الغرض من البعث في هذه الآية كان موجهاً للحزبين اللذين اختلفا في إحصاء أمد مدة لبثهم بالكهف، وهنا لا بد أن نلفت النظر إلي أن كلمة أمد لم تأتي بالقرآن إلا للإشارة لأجل محدد ومؤجل في المستقبل، ويتضح ذلك من قوله تعالي:

قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (الجن:25).

أي يجعل الله له موعد بعيد قادم في المستقبل. وقال تعالي:

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَهُ وَاللّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (آل عمران:30).

أي تود كل نفس لو كان بينها وبين ما عملت من سوء أجل مؤجل في المستقبل البعيد.

أما الكلمة الثانية للبعث بالقصة فجاءت في قوله تعالي:

وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ.....(19) (الكهف).

وسنلاحظ أن الهدف من بعثهم هنا كان مختصاً بهم وحدهم، وغرضه أن يعلموا هم أن الله ألبثهم في الكهف وهم نيام سنين طويلة. وهذا البعث لم يعلم به أحد غيرهم. فقد ذهب أحدهم للسوق وعلم أن الدراهم التي معه تعود لحقبة زمنية سابقة وأنهم ناموا مئات السنين بالكهف، فأخفي أمره علي الناس عندما دهشوا من وجود هذه الدراهم معهم، ولم يخبرهم بقصتهم وترك لهم الدراهم وهرب منهم وعاد للكهف وأخبر أصحابه بالخبر، فظلوا في كهفهم وناموا مرة ثانية فحدث معهم نفس ما حدث لهم بالمرة الأولي، ومن ثم لم يعرف الناس في هذا الزمان قصتهم ولا مكان الكهف، أو تناثرت بعض الأخبار عنهم بعد ذلك وشك الناس أن يكونوا هم أصحاب الكهف، حيث كان لديهم علم من قصصهم المتواترة من آبائهم الأولين ومن نبوءات بعض أنبيائهم علي ما جاء بقصتهم في الكتب التاريخية المختلفة الذين أنبأوهم بوجود فتيه نيام بكهف وسيقومون أو يبعثون في المستقبل. ومن ثم أنقسم الناس في أمرهم لفريقين:

فريق يقول ببعثتهم ثم غيابهم وأنهم ماتوا وانتهت حقيبتهم، وفريق يقول بل بعثوا وذهبوا للكهف مرة أخري وناموا وسيبعثوا قبل قيام الساعة لوجود نبوءات أنبياء أخبروهم بذلك ومنهم نبوءة لعيسى.

الآية الثالثة المرتبطة ببعثهم هي قوله تعالي:

وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَاناً رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِداً(21) (الكهف).

وهنا سنلاحظ أن المولي عز وجل لم يذكر بعثهم ولكن ذكر العثور عليهم، وهو ما يعني بالضرورة بعثهم للمرة الثانية وعثور الناس عليهم وعلي كهفهم في هذه المرة، وأن هذا البعث سيتم قبل قيام الساعة ليكونوا آية من آيات الله وعلامة من علامات الساعة الكبرى التي تؤكد أن وعد الله حق وأن الساعة آتية وموعدها قريب بلا شك أو ريب، وأن الله هو الذي يحي ويميت وليس الدجال الذي سيأتيهم قريباً ويدعي ذلك. وبعدها سيدخلوا الكهف مرة أخري ويموتوا فيه موتتهم الطبيعية، ويتأكد الناس من أجسامهم أنهم أموات وليسوا أحياء أو نيام وأنهم لن يبعثوا مرة أخري إلا يوم البعث العام في يوم القيامة.

وهنا سنلاحظ أن الذين اختلفوا فيهم وفي مدة لبثهم بالكهف قبل بعثهم بالمرة الأولي أو عند بعثهم بالمرة الثانية قبل يوم الوعد الحق، نصح بعضهم ببناء بنيان عليهم، والذين غلبوا علي أمرهم (أي ظنوا أنهم أولياء أو بشر غير عاديين أو ملائكة أو كائنات فضائية.....الخ) نصحوا ببناء مسجد عليهم، وكلمة مسجد لم تأتي في القرآن إلا للإشارة لدور العبادة التي يذكر فيها اسم الله بعد مجيئ الإسلام، أما قبله فكانت تسمى صوامع وبيع وصلوات، ومن ثم فذكر المسجد هنا يؤكد العثور عليهم بعد ظهور الإسلام وبالتحديد قبل قيام الساعة ويوم الوعد الحق، قال تعالي:

الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (الحج:40).

أما اختلاف الناس في عددهم فهذا قول من شاهدوا شخص منهم في الماضي، ولم يعثروا علي المجموعة كاملة أو علي كهفهم، قال تعالي:

سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاء ظَاهِراً وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِم مِّنْهُمْ أَحَداً (22) (الكهف).

والإشكالية الأخرى في مدة لبثهم تقع في قوله تعالي:

وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً(25) قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26) (الكهف).

فلو اعتبرنا عبارة "وازدادوا تسعاً" عائدة علي كلمة سنين، فسنقول أن المدة 309 سنة، ومن المعلوم أن الثلاثمائة سنة شمسية تساوى علي وجه التقريب 309 سنة قمرية، كما يتضح من المعادلة التالية:

300 سنة شمسية× 365 يوم = 109500 يوم

309 سنة قمرية× 354 يوم = 109386 يوم

والفارق بينهما ليس كبير فالفارق هو 114 يوم. أي بالتقريب الثلاثمائة سنة شمسية تساوى 309 سنة قمرية.

أما لو اعتبرنا عبارة "وازدادوا تسعاً" عائدة علي كلمة مائة فستصبح تسعمائة (9×100)، ليصبح المجموع الكلي لمدة لبثهم بالمرة الأولي والثانية 1200 سنة ( في المرة الأولي300+900 في المرة الثانية) أو تصبح 1500 سنة إذا اعتبرنا أن مدة لبثهم الأولي 300 ثم زادهم الله علي هذه المدة في المرة الثانية مدة مماثلة للأولي بالإضافة إلي 900 أي 1500 سنة ( 300 في المرة الأولي+300 في المرة الثانية +900 زيادة علي الأولي بالمرة الثانية أيضاً =1500).

وفي الروايات السريانية والمسيحية للقصة فقد دخلوا الكهف للمرة الأولي في عصر الإمبراطور داقيوس حوالي سنة 250م، الذي اضطهد المسيحين (الموحدين بالقطع وليس المثلثين) وأمرهم بالذبح للأصنام وليس لله، وخرجوا في عصر ثيودوسيوس الصغير حوالي سنة450م. واختلفوا في مدة لبثهم بالكهف فقال بعض مؤرخيهم 190 سنة وآخر 120سنة وثالث قال بل 370 سنة....الخ. والإختلاف راجع في الغالب لسنة تحديد عصر داقيوس وسنة دخولهم الكهف وسنة بعثهم أو خروجهم. وسنشرح ما جاء بهذه القصة عندهم بعد قليل.

فلو افترضنا أنهم بعثوا سنة 450م وأضفنا لهذا الرقم 1200 سنة فسنصل لسنة 1650م، وبما أنهم لم يظهروا للمرة الثانية في هذا التاريخ، أذن فالأصح أن نضيف الـ 1500 سنة لنصل لسنة 1950م (450+1500)، كل هذا مع افتراض صحة القصة السريانية والتواريخ المذكورة بها وعصر الإمبراطور الذي اضهدهم وهو داقيوس، وأن الذين دخلوا الكهف في عصر داقيوس هم المذكورين بسورة الكهف وليس أصحاب كهف قمران بالبحر الميت مثلاً، فهناك قصص كثيرة لأشخاص دخلوا كهوف هربا من حكامهم، وقد أكد لنا المولي عز وجل ألا نتبعهم في حساباتهم فالله أعلم بعددهم وبما لبثوا في كهفهم في المرة الأولي والثانية.

وبما أن الماسون وبعض المتصوفة كابن عربي وبعض المتنبئين التابعين لحزب الشيطان قد حددوا في كثير من نبوءاتهم وخرائطهم الصهيونية لأحداث السبع سنوات التي ستسبق مجيئ الدجال، أن ظهوره سيكون في منتصف سنة 2022م أو منتصف 2023م علي ما شرحت بكتبي ومقالاتي السابقة التي عرضت فيها هذه النبوءات والخرائط الصهيونية.

أذن لا بد أن نتوقع أن يكون ظهور وبعث أصحاب الكهف للمرة الثانية وظهور الدجال والأشرط الكبرى للساعة ويوم الوعد الحق قد اقترب جداً جداً، ونحن علي مشارف هذه الأحداث التي بدأت بوادرها في الظهور، بالبراكين والزلازل والخسوفات والثلوج والأمطار الغزيرة والبرد القارس في الشتاء والحر الشديد في الصيف.....الخ من نذر وعلامات وتغيرات بيئية تنذر باقتراب موعد الساعة.

ففي التراث المسيحي السرياني، أن سبعة من المؤمنين في إفسوس التي تقع قريبا من مدينة إزمير التركية، لجأوا إلى كهف قريب من المدينة هربا من الحاكم الوثني. ثم بعثهم الله بعد سنوات طويلة. ويرى البعض أنهم كانوا في طرسوس، المدينة السورية الواقعة اليوم في تركيا (لواء الاسكندرونة الذي ضم إلى تركيا العام 1939). وأعلن في العام 1953 أنهم كانوا في الرجيب جنوب عمان، حيث يوجد كهف وقواعد بناءين، لعلهما مسجدان أو كنيستان، وتعتبره اليوم وزارة الأوقاف كهف أهل الكهف، حيت أقامت هناك مسجدا ومزارا.

وصلت إلينا هذه القصة بلغة سريانية أصيلة، نثراً ونظماً. أما النثر فقد كتبه لنا زكريا الفصيح (536م) ويوحنا الأفسسي (587م) وكلاهما من المؤرخين الثقات عند السريان والمسيحيين، وهما قريبا العهد من زمن الحادثة.

أما النص الشعري السرياني لقصة أهل الكهف، فهو للشاعر السرياني مار يعقوب السروجي (521م) الذي نظم قصيدة عصماء على الوزن الاثني عشري، تقع في أربعة وسبعين بيتاً، ذكر فيها قصة أصحاب الكهف.

وقد أختلف المؤرخون السريان والمسيحيون في مدة نوم أو رقاد أهل الكهف، فقد أجمع المؤرخون السريان على أن رقاد أهل الكهف كان على عهد الملك داقيوس (249 ـ 251 م) أما استيقاظهم فكان على عهد الملك ثيودوسيوس الصغير بعد 38 سنة من خكمه أي حوالي سنة 446 أو 450م.

وحيث أن ثيودوسيوس ملك سنة 408 م ، يضاف إليها 38 سنة فيكون المجموع 446 سنة يطرح منها 250 سنة وهي سنة اضطهاد داقيوس المسيحيين وهروب الفتية إلى الكهف ورقادهم، فيبقى 196 سنة وهي المدة التقريبية لرقاد الفتية في الكهف حتى بعثهم.

وزكريا الفصيح نفسه يحدد مدة الرقاد بعددين متباعدين، فمرّة يقول: «ما يقارب (190) سنة» ومرّة أخرى يقول (120) سنة.

ويقول ابن العبري (1286م) «وبعد مئة وثمانٍ وثمانين سنة من رقاد الفتية، في السنة الثامنة والثلاثين لملك الملك ثيودوسيوس الصغير في أيامه اشتدّت المجادلة بموضوع قيامة الموتى وشكوك الملك… نفح اللّـه بالراقدين حياة، فاستيقظوا وكأنهم يستيقظون من نومهم».

أما الرهاوي المجهول (1234م) فيقول في تاريخه: «إنّ مدة رقاد الفتية كان 370 سنة». وتحدد بعض النصوص السريانية مدة الرقاد بـ (372).

أما مار يعقوب السروجي (521م) فيقول في قصيدته: «كان لأحد الفتية قطع قليلة من العملة، لتكون برهاناً على إثبات الأعجوبة. فبعد مرور الزمن تبقى العملة ثابتة ومنها يعرف التاريخ الذي سكّت فيه هذه العملة» ويقول في الأبيات الختامية للقصيدة: «منذ البدء وحتى الآن لأي إنسان جرى ما جرى لكم (أيها الفتية) فقد بعثتم (أحياء) بعد ثلاثمائة وسبعين سنة (370 سنة) من زمن رقادكم».

نستنتج من هذا كله أن النصوص السريانية والمسيحية اختلفت ولم تتفق فيما بينها على تحديد المدة التى رقد فيها أهل الكهف. وذكر ببعضها أن عددهم سبعة وبأخري ثمانية.

في خاتمة القصة السريانية نقرأ ما يلي: «وأقرَّ مجمع من الأساقفة عيداً عظيماً لهؤلاء المعترفين» لعلَّ هذا المجمع كان خاصاً محلياً لا عاماً، ولكننا نرى الكنائس الشرقية على اختلاف مذاهبها تحتفل بعيدهم.

فقد ورد عيدهم في الكلندار السرياني القديم في 24 تشرين الاول. ولدى الكلدان في 4 تشرين الأول عيد الفتيان الثمانية الذين من أفسس. كما ورد تذكارهم لدى الروم الأرثوذكس في 4 آب وفي 22 تشرين الأول تذكار الفتيان القديسين السبعة الذين كانوا في أفسس. ولدى الموارنة في 7 آذار عيد الفتية السبعة من أفسس.

وبعد ظهور مخطوطات قمران قيل أن أصحاب الكهف هم مجموعة يهودية وليست مسيحية لجأت إلى كهوف قمران بجوار البحر الميت في القرن الثاني قبل الميلاد علي عهد أنطيوخس أبيفانوس (176-164 ق.م). وأن أحد هذه الكهوف (الرابع) تنطبق عليه أوصاف ومجريات القصة كما وردت في القرآن. واستدلوا بكون القصة من التراث اليهودي، فلم يكن اليهود ليحفلوا بها لو كانت قصة مجموعة من المسيحيين بسبب عداء اليهود للمسيحيين. ثم تبعت هؤلاء أعداد كبيرة من اليهود ولجأوا إلى الكهوف نفسها، وأقاموا هناك مجتمعا مثاليا متقشفا، وهم يسمون اليوم “الأسينيون”.

ومن الملفت ألا يعرف شيء عن هذه الطائفة “الأسينية” التي لجأت إلى الكهوف في القرن الثاني قبل الميلادي، وظلت لمئات السنين تعيش هناك في مجتمع خاص معزول؛ حتى العام 1947 عندما اكتشفت مكتبة هائلة لهذه الطائفة “مخطوطات قمران أو البحر الميت” سميت بالرقموت التي قد يكون لها علاقة بالرقيم.

ويقال أنه يوجدُ بمخطوطات قمران نصٌّ يقول: "إن هناك مجموعةً من الشباب نائمة وستستيقظُ مرةً أخرى لتجدَ أنَّ يومَ القيامة قريبٌ وأنَّ ما وعد الله به الرسلَ حقٌّ".

وهنا يجب أن نعلم أن كهوف قمران تم اكتشافها ولم يعثر بداخلها علي أصحاب الكهف، ولا يستطيع أحد أن يجزم أنهم أصحاب الكهف المذكورين بسورة الكهف، فهؤلاء سيتم العثور عليهم وعلي كهفهم قبل يوم الوعد الحق في نهاية الزمان، وسيعلم الجميع قصتهم وتاريخ دخولهم الكهف وتاريخ بعثهم الأول وتاريخ نومتهم الثانية وبعثهم الثاني.

وقصة أصحاب كهف أفسس لم يعثر فيها الناس في زمانهم علي كهف أصحاب الكهف ولا عليهم لذا اختلفوا في عددهم وفي مدة لبثهم بالكهف، وهم في هذا العصر عثروا علي أحدهم وحصلوا علي بعض الدراهم منه ثم ولي منهم هارباً وترك لهم الدراهم التي حددوا من خلالها أنها تخص عصر داقيوس، ويقال أن كهف اصحاب الكهف هو كهف الرجيب بالأردن، وقيل نه في مسجد الرقود السبعة بمدينة شنشي التونسية....الخ.

وفي الحلقة القادمة سنجيب علي باقي الأسئلة ونكشف المزيد من الأسرار حول قصة أصحاب الكهف ونحاول تحديد معني الرقيم الذي كان آية من آيات الله بالكهف بدقة، ونحدد المقصود بالكلب، ولماذا كان الله يقلبهم ذات اليمين وذات الشمال، وما المقصود بفجوة الكهف ، وهل انتقلوا لعالم آخر برزخي ورقدوا فيه مدة لبثهم، ولماذا كان سيصاب بالفزع والهلع كل من يطلع عليهم وهم نيام...........الخ.

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل