موسي وعيسى لم يكونا رسلاً منذرين لبني إسرائيل والنبي محمد هو الرسول النذير لهم وللعالمين

موسي وعيسى لم يكونا رسلاً منذرين لبني إسرائيل والنبي محمد هو الرسول النذير لهم وللعالمين

 

هشام كمال عبد الحميد

 

من الأشياء المهمة التفرقة بين النبي والرسول والرسول النذير، فالنبي هو من يأتي لقوم وينبأهم ببعض الأمور الغيبية أو الأحداث المستقبلية المتعلقة بهم، والرسول يكون صاحب رسالة ومرسل لهم من الله بكتاب سماوي، وقد ينبأهم ببعض الأمور الغيبية أيضاً فيكون رسول ونبي، أما الرسول النذير فيأتي في نهاية قرن أو حقبة زمنية مقدرة من الله أو في نهاية فترة أمة عندما يحين موعد هلاك الله لهذه الأمة أو كل الأمم الموجودة في هذا القرن. ويأتي هلاك هذه الأمة في فترة وعصر هذا الرسول النذير، وهنا لا يكون هذا الرسول باي حال من الأحوال صاحب رسالة وكتاب سماوي، وقد يكون الرسول النذير نبي وصاحب رسالة إذا كانت هذه الأمة أو الأمم المرسل لهم ما زال هناك بقية وفترة زمنية متبقية من عمرهم المقدر لهم من الله والذي سيأتي عنده نهايتهم أو هلاكهم أو العذاب الواقع عليهم لكفرهم بالله وبهذا الرسول.

فلكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون، مصداقاً لقوله تعالي:

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(الأعراف : 34 )

قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(يونس : 49 )

مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ(المؤمنون : 43 )

وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْلاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ (النحل : 61 )

وقد شرحت تفصيليا بكتاب "كشف طلاسم وألغاز بني إسرائيل والقرون الأولي....." معني كلمة قرن والقرون الأولي والقرن الآخرين.....الخ في القرآن.

فالدارج عند الناس أن القرن مدة زمنية مقدارها مائة سنة، فهذا هو تعريف القرن في مصطلحاتنا الحالية، لكن ليس هذا التعريف هو المعني بكلمة قرن في القرآن.

فكلمة قرن في القرآن يقصد بها فترة زمنية تربطها وحدة واحدة من الظروف المناخية والبيئية والفلكية والزمنية والجغرافية والتاريخية والعلمية والخَلقٌية المتعلقة بشكل أجسام البشر وطولها ومقدار أعمارهم وقوتهم الجسدية ونوع العذاب الذي اهلكهم الله به. وكل فترة منهم تنتهي بإرسال نبي ورسول منذر يأتي عذاب وهلاك الله لأصحاب هذا القرن في زمنه أو بعده بقليل. فكل قرن ينتهي بهلاك وبرسول نذير ينذر قومه من اقتراب موعد هلاك الله لهم.

وقد يكون طول الفترة الزمنية لهذا القرن عشرات أو مئات أو آلاف السنين، فليس شرطاً أن يكون طول القرن في هذا الزمن مائة سنة حسب الشائع في مصطلحاتنا اليوم.

وقد أرسل الله في جميع الأمم رسل منذرين وتم هلاكهم في عصر هؤلاء الرسل، قال تعالي:

وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ (الزخرف : 23 )

وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍإِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ (سبأ : 34 )

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ(فاطر : 24 )

تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ(8) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) (الملك)

فنوح كان نذير لقومه فأتي الطوفان في عصره وأهلك الله قوم نوح، ولكن لطول فترة رسالة نوح في قومه والتي امتدت لـ 950 سنة فلا بد أن يكون نذير وصاحب كتاب سماوي، قال تعالي:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(هود : 25 )

وهود كان نذير قوم عاد، وصالح نذير قوم ثمود، ولوط نذير قوم لوط، وشعيب نذير قوم مدين (المؤتفكات)......الخ.

وقد استخدم القرآن لفظ القرون الأولي للدلالة علي كل القرون التي كانت تسبق عصر موسى وفرعون موسى، ابتداء من عصر آدم وعصور ما قبل الطوفان إلي آخر أمة أهلكت قبل أن يأتي الله موسى الكتاب، وقد أتي الله موسى كتابه بعد غرق فرعون وجنوده، ومن ثم فقوم فرعون سيدخلون في القرون الأولي التي أهلكها الله.

يتضح ذلك من قوله تعالي:

وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِن بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُوناً فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) (القصص)

والفترة من عصر موسى حتي الآن وإلي قيام الساعة هي قرن واحد، له نفس الصفات والمميزات والخصائص البيئية والمناخية والفلكية والجسمية والعمرية للبشر والزمنية لطول السنة وعدد ساعات اليوم، ولم يأذن الله بعد بهلاك أصحاب هذا القرن وسيكون هلاكهم عند قيام الساعة.

ومحمد صلي الله عليه وسلم هو النبي الخاتم والرسول النذير لبني إسرائيل وأصحاب هذا القرن (كل الأمم التي كانت موجودة من بعد هلاك فرعون إلي يوم الوقت المعلوم قبل قيام الساعة، فموسى كان رسولاً لبني إسرائيل، ولكنه لم يكن نذير لهم لأن موعد هلاكهم لم يحين بعد، وسيقع قبل قيام الساعة ، وإنما كان نذيراً لفرعون وقومه، فتحقق هلاكهم في عصر موسى.

قال تعالي في هلاك فرعون وجنوده بعد إرسال موسى لهم لأنه كان رسول نذير لهم:

وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (40)

وعيسى لم يكن نذير لبني إسرائيل أيضا بل نبي ورسول صاحب كتاب سماوي من الله إليهم وبشير بمحمد، أما محمد فهو بشير ونذير لبني إسرائيل (والعرب من أسباطهم علي ما شرحت بمقالات سابقة) وأهل الكتاب (كل من اتخذ التوراة والإنجيل أو أحدهما كتاباً مقدساً له) والعالمين (عالمي الإنس والجن) ، ولم يأت في بني إسرائيل أو هذا القرن الأخير من عصر موسى إلي عصر محمد رسول نذير من قبله.

قال تعالي:

قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ(سبأ : 46)

والآية السابقة توضح أن الرسول النذير يأتي بين يدي عذاب شديد، أي يأتي العذاب في عصره أو بعده بزمن ليس بطويل.

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ(فاطر : 24

وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (القصص : 46 )

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (السجدة : 3 )

وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ(سبأ : 44 )

يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍفَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ وَنَذِيرٌوَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (المائدة : 19 )

قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(الحج : 49 )

أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(الأعراف : 184 )

اعتقد أنه قد اتضح الآن معني أن الرسول صلي الله عليه وسلم أرسل في قوم (بني إسرائيل) لم يرسل فيهم نذير من قبله. وقال تعالي:


هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (الجمعة : 2 )


فوصف الله تعالي للقوم الذين أرسل فيهم محمد بأنهم أميين، ليس مقصوداً منه أنهم لا يقرأون ولا يكتبون كما ظن كثير من المفسرين وأهل السلف، ولكن المقصود بالأميين أنهم من أم القرى وهي مكة التي وصفها الله بأم القرى، لأنها أم القرى التي بارك الله فيها للعالمين وهي القرى التي حولها. قال تعالي في وصف مكة بأم القرى:


وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (الشورى : 7 )


وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُّصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ (الأنعام : 92 )

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل