سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر (الحلقة السابعة) كشف أسرار وألغاز الأشياء المقسم بها ببدايات سورتي المرسلات والنازعات

سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر

(الحلقة السابعة)

كشف أسرار وألغاز الأشياء المقسم بها ببدايات سورتي  المرسلات والنازعات

هشام كمال عبد الحميد


 

قبل قراءة هذا الجزء الخامس من مقالات عالم الأمر يرجي قراءة الأربعة أجزاء السابقة لأن هذا المقال مكمل لهم وبدونهم لن تلم بالموضوع وتستوعبه، ورابط المقالات هو:

http://heshamkamal.3abber.com/post/401956

http://heshamkamal.3abber.com/post/401983

http://heshamkamal.3abber.com/post/402053

http://heshamkamal.3abber.com/post/402356

http://heshamkamal.3abber.com/post/402471

http://heshamkamal.3abber.com/post/402575

كشفنا بالمقال السابق جزءاً كبيراً من بعض أسرار وألغاز الأشياء المقسم بها أو الموصوفة ببدايات سور الصافات والذاريات والعاديات، وفي هذا المقال سنستكمل معكم باقي السور المشابهة فنوضح لكم بعض أسرار الأشياء المقسم بها ببدايات سورتي المرسلات والنازعات.

قال تعالي:

وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (5) عُذْراً أَوْ نُذْراً (6)إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ(7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (17) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ(14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15)أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (17) كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (18) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (19).......... (المرسلات)

وباقي السورة تتحدث عن خلقنا من ماء مهين وجعل الأرض كفاتاً ثم مصير المكذبين والمتقين في يوم الفصل.

وسنلاحظ في المقسم بهم أو الموصوفون في بداية السورة دخول الفاء في بعض ما وقع به القسم والواو في البعض الآخر، وفي اللغة الفاء تقتضي الوصل والتعلق،والواو تقتضي الفصل والتغاير، ومن ثم فالعاصفات عصفاً متصلة ومتعلقة بالمرسلات عرفاً لوجود الفاء بالعاصفات، والناشرات نشراً مختلفة ومستقلة وغير متعلقة بالمرسلات لدخول حرف الواو علي الناشرات وليس حرف الفاء، والفارقات فرقاً متصلة ومتعلقة بالناشرات نشراً لدخول حرف الفاء علي كلاً منهما. أما الملقيات ذكراً عذراً أو نذراً فهي متصلة ومتعلقة بكل ما سبقها.

وسنجد بعد الأشياء الخمسة المذكورة ببداية السورة جاء ذكر تأكيد الخالق جل وعلا علي حتمية وقوع الوعد الذي وعدنا به وهو قيام الساعة وعذاب أو نعيم الآخرة، وذلك في يوم الفصل (يوم القيامة الأولي) عندما تطمس النجوم وتفرج السماء وتنسف الجبال، فيأتي الموعد الذي أقتت (أي أجلت) له الرسل، والرسل هنا ليسوا الأنبياء وإنما رسل العذاب وتحقيق وعيد الله يوم الفصل، أي الملائكة المعاونين لبعض أصحاب الأمر أو السلطان الذين سيحدثون أشياء بالسماء تطمس النجوم وتفرج السماء وتنسف الجبال.

وطمس النجوم يعني أيضاً انكدارها أي ذهابها واختفاؤها عن الأعين وعدم القدرة علي رؤيتها فهي لن تنفجر كما يفهم الكثيرون ولكنها ستكون موجودة لكن لن نستطيع رؤيتها، وستكور الشمس وذلك عندما تُفرج وتكشط السماء (أي سماء أرضنا فقط أو سماء مجموعتنا الشمسية أو مجرتنا، والمقصود في الغالب كشط وذهاب الغلاف الجوي للأرض ومن ثم لن نستطيع رؤية شيء بالسماء علي ما شرحت تفصيلياً بكتاب "قراءة عصرية جديدة لأشراط الساعة وأهوال القيامة")، ثم ستنشر لنا الصحف وتسعر الجحيم وتنزل جنة المأوى من السماء (منطقة الطور السماوي بمركز مجرتنا علي ما شرحت بالمقالات السابقة) وهذه الأحداث جاء ذكرها بألفاظ مختلفة تؤدي نفس المعني في الآيات التالية:

إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ(3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (5) وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6) وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) وَإِذَا الْمَوْؤُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ (9) وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ (10) وَإِذَا السَّمَاء كُشِطَتْ(11) وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (12) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ(13) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ (14) (التكوير)

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (6) (الواقعة)

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16)وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17) يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ(18) (الحاقة)

وتأسيساً علي ما سبق يمكننا القول بأن المقسم بهم أو الموصوفون في بداية سورة المرسلات هم مجموعة من المجموعات المؤجل عملها ليوم الفصل وهم بعضاً ممن سيسيرون الأحداث السابقة واللاحقة لهذا اليوم، وهم الرسل المؤقتين لميقات يوم معلوم أي المؤجل عملها ليوم الفصل والمذكورين ببداية هذه السورة.

ومن ثم فـ "المرسلات عُرفاً" هم الذين يرسلون لنا الآيات السماوية أو الأرضية المتتابعة (كالأعاصير والرياح الصرصر العاتية والخسوفات والزلازل والسيول.....الخ) لتكون إعذاراً أي لا عذر للناس بعدها وإنذاراً لهم.

فالعُرف بضم العين هو التتابع، وهي الأشياء التي يتبع بعضها بعضاً، والعَرف بفتح العين في اللغة الريح سواء أكانت طيبة أو خبيثة. وأَعراف الرِّياح والسحاب: أَوائلها وأَعاليها، واحدها عُرْفٌ. والأعراف في القرآن هي الحجب ومفردها عُرف أي حجاب، مصداقاً لقوله تعالي:

وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْوَنَادَوْاْ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَن سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) (الأعراف)

وبالتالي فالمقصود بالمرسلات عُرفاً أيضاً من سيرسلون الريح أو الحجب من خزائن الريح فتكشط السماء وتكور الشمس وتجعل النجوم تنكدر فلا نستطيع رؤيتها.

أما "العاصفات عصفاً" فهم البائدات المهلكات، وهم بعض ملائكة العذاب الذين سيرسلون الرياح العاصفة عند قيام الساعة قبل يوم الفصل، فتعصف بالكفار وأكثر أهل الأرض الظالمين لأنفسهم، وبين صفوفهم أيضاً الطير الأبابيل الذين يحملون الحجارة من سجيل فيلقونها علي الكافرين فتجعلهم كعصف مأكول مثلما حدث مع أصحاب الفيل. والعصف هو القشرة ويطلق علي قشر الحبوب المأكولة.

وقد جاء وصف الريح بالعاصف ووصف من يقذف بالحجارة من سجيل من الطير الأبابيل بالعصف المأكول في قوله تعالي:

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌوَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَـذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (يونس:22)

وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْكَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ(5) (الفيل)

أما "الناشرات نشراً فالفارقات فرقاً" فهم الملائكة التابعين لبعض أصحاب الأمر أو السلطان الذين بأيديهم صحف أعمالنا فينشرونها لنا يوم الحساب فيفرقون بها بين الحق والباطل والكافر والمؤمن والفاسد والمصلح والصالح والطالح والطيب والخبيث، وهم أيضاً من سيقومون بإعادة بعثنا وتنشأتنا في النشأة الثانية بإذن من الله ونشرنا وإخراجنا من الأجداث بعالم البرزخ، لأن النشر معناه الإذاعة لشيء كنشر الصحف والكتب ومعناه أيضاً الأحياء والبعث من الموت مصداقاً لقوله تعالي:

وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ(10) (التكوير)

بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُؤْتَى صُحُفاً مُّنَشَّرَةً(المدّثر:52)

وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً(13) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (14) (الإسراء)

وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍفَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ(الزخرف:11)

إِنَّ هَؤُلَاء لَيَقُولُونَ (34) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ(35) (الدخان)

ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ (21) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ(22) (عبس)

أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ(الأنبياء:21)

و "الملقيات ذكراً" هم رؤساء المرسلات والعاصفات والناشرات والفارقات، فهم من يلقون بالذكر إلي الأنبياء، ويلقون التذكرة إلي الناس أي يرسلون الآيات والنذر، وهم أصحاب الذكر أو التذكرة، وهم السفرة الكرام البررة الذين بأيدهم الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة وهم من سنفذ عملية البعث (النشر) بعد الإماتة في القبور، مصداقاً لقوله تعالي:

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ(14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ(16) قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19) ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ (20) ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ(21) ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ(22) (عبس)

أما قوله: (عذرا أو نذرا)عذرا: اسم مصدر بمعنى الإعذار، ومعناه قطع العذر. ومنه المثل: من أعذر فقد أنذر، وذلك حتي لا يكون للناس معذرة عند ربهم يوم الحساب، ونذرا جمع نذير بمعنى الإنذار لهم.

وسننتقل الآن لسورة النازعات. قال تعالي:

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (5)يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ(7) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (8) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (9) يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ(10) أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ(14) هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(16) اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (25) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى (26) أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (28) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (29)وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (30) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءهَا وَمَرْعَاهَا (31) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (32) مَتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ(33) فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى(34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى (36) فَأَمَّا مَن طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا(42) فِيمَ أَنتَ مِن ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنتَهَاهَا (44) إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا (45) كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا(46) (النازعات)

ولتحديد الخمسة المقسم بهم أو الموصوفون في بداية السورة لا بد أن نعرف موضوع سورة النازعات، فالموضوع الأساسي للسورة هو يوم الساعة أو الطامة الكبري، وتكذيب المكذبين للبعث بعد أن يكونوا عظاماً نخرة وتدخل نفوسهم لعالم البرزخ، فيبعثوا ويردوا في الحافرة، عندما تقع الزجرة الواحدة أو النفخ في الصور نفخة واحدة هي نفخة البعث فيكونوا بالساهرة.

وبالتالي فـ "النازعات غرقاً" هي أنفس الكافرين أو أصحاب المشأمة أو أصحاب الشمال الذين يتلقون كتابهم بشمالهم، وهي الأنفس التي تنزعها ملائكة الموت عند الوفاة بشدة وقوة لأن النزع هو الجذب بشدة وقوة، ثم تذهب بها إلي عالم برزخ الكفار فتغرقها في حفر ومستنقعات قذرة تناسب طبيعتهم (أي بالوعات مجاري بعالم البرزخ)، ثم تقوم بعد النفخ في الصور بانتزاعها مرة أخري من هذه المستنقعات وتردها في كرة أخري خاسرة إلي حفر نارية جديدة في جهنم بعد الحشر، وهذا معني مردودون في الحافرة التي قالها الكفار بقولهم: "يَقُولُونَ أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (10) أَئِذَا كُنَّا عِظَاماً نَّخِرَةً (11) قَالُوا تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (12)".

أما "الساهرة" فهي أرض الحشر التي سيحشر فيها الجميع بعد نفخة البعث والجمع، وستنزل أو تزلف بها جنة المأوى من السماء ("وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (الشعراء:90)")، وعندها ستبرز الجحيم للغاوين من باطن الأرض ("وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (الشعراء:91)"، والساهرة هي أرض الوادي المقدس طوى بمكة، لذا جاء بعد ذكر الساهرة مباشرة قوله تعالي: "هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (15) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى(16)" ليلفت المولي عز وجل نظرنا إلي أن الساهرة هي الوادي المقدس طوى.

وقد سميت بالساهرة لأنها المدينة التي لاتنام فزوار بيت الله الحرام يأتون إليها في كل ساعة ودقيقة من الليل والنهار، وأيضاً لوجود الساهرون بها وهم عباد وجند الله الذين لا نراهم من حراس البيت الحرام الساهرون لا ينامون لأنهم يسبحون الله بالغدو والآصال ولا يلهيهم بيع أو تجارة عن ذكر الله وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وهم من جاء ذكرهم بعد آية الشجرة النورانية الزيتونة المباركة المذكورة بسورة النور، والتي تسقط كما شرحت بكتبي ومقالات سابقة بالوادي المقدس طوى بمكة، قال تعالي:

 فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُيُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (36) رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِيَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (37) (النور)

وقد شرحت بكتاب "قراءة عصرية جديدة لأشراط الساعة وأهوال القيامة" أن وادى طوى  الواقع عند بيت الله المقدس أو الحرام سمي بذلك لأنه من عنده ستطوى السماء والأرض علي ما جاء ببعض نصوص سفر أخنوخ علي لسان النبي إدريس (أخنوخ). فهذا الوادي كان أول بقعة نشأة علي الأرض من اليابسة ومن عنده ستبدأ أحداث طي السماء كطي السجل للكتب ليعيد الله أول خلق كما بدأه أول مرة في يوم الساعة والحشر مصداقاً لقوله تعالي:

يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ(104) (الأنبياء)

أما الناشطات نشطاً فهي انفس أصحاب الميمنة أو أصحاب اليمين الذين يتلقون كتابهم بيمينهم، وتنزع الملائكة أرواحهم برفق ولين لأن النشط هو الجذب بلين ورفق، ومن معاني الناشط في اللغة: طيب النفس والعمل وكثير النشاط. وهؤلاء تكون أنفسهم نشطة متحركة بحرية في أراضي جنان عالم البرزخ ولكنها لا تسبح أو تطير في سماء هذه الجنان.

أما "السابحات سبحاً فالسابقات سبقاً" فهي أنفس السابقون المقربون من الله وهم عباد الله المخلصين، وهؤلاء تسبح أنفسهم في سماء عالم البرزخ فهم السابحات سبحاً، وعند قيام الساعة وبعد البعث تأخذهم الملائكة ويدخلونهم الجنة قبل غيرهم وبهذا تكون أنفسهم السابقات للجميع في دخول الجنة. والملائكة الذين يرعونهم في عالم البرزخ وجنات الآخرة يسمون أيضاً السابقات سبقاً، أي الذين لا يسبقهم أحد أي لا يعجزهم أحد في فعل شيئ ولا يفوز عليهم أحد.

وقد جاء ذكر أصحاب هذه الأنفس الثلاثة في سورة الواقعة والحاقة في قوله تعالي:

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2) خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ (3) إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً (4) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً (5) فَكَانَتْ هَبَاء مُّنبَثّاً (6) وَكُنتُمْ أَزْوَاجاً ثَلَاثَةً(7) فَأَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (8) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (13) وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ (14) وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ(27) فِي سِدْرٍ مَّخْضُودٍ (28) وَطَلْحٍ مَّنضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاء مَّسْكُوبٍ (31) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَّا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء (35) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً (36) عُرُباً أَتْرَاباً (37) لِّأَصْحَابِ الْيَمِينِ (38) ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ (39) وَثُلَّةٌ مِّنَ الْآخِرِينَ(40) وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ(41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ (43) لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46) وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (47) أَوَ آبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (48) قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (49) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ(50) (الواقعة)

فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ (18) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ(19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ(25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ (29) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِؤُونَ (37) (الحاقة)

وأما "المدبرات أمراً" فهم أصحاب الأمر أو السلطان الإلهي الذين سيسيرون جميع أحداث الساعة والبعث والحشر والحساب ويخضع السابقات سبقاً من الملائكة لرئاستهم، قال مقاتل في المدبرات أمراً: هم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل عليهم السلام يدبرون أمر الله تعالى في أهل الأرض، وهم المقسمات أمرا، أما جبريل فوكل بالرياح والجنود، وأما ميكائيل فوكل بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو ينزل بالأمر عليهم، وقوم منهم موكلون بحفظ بني آدم، وقوم آخرون بكتابة أعمالهم، وقوم آخرون بالخسف والمسخ والرياح والسحاب والأمطار.

والمدبرات أمراً هم أيضاً الموكل إليهم بأمر وإذن من الله عمليات الخلق أو الإنشاء والتكوين والإحياء والبعث لجميع المخلوقات، والذين يرأسهم جبريل وهو روح الله الذي ينفخ نفخة الحياة في جميع المخلوقات علي ما شرحنا بالمقالات السابقة، وهؤلاء ما هم بعاجزين (أي ما هم بمسبوقين) عن عمليات الخلق الأول لأبداننا (النشأة الأولي) أو إعادة إنشاء أبدان جديدة لنا (تحل وتسكن فيها أنفسنا) في كل مرحلة من مراحل الخلق والبعث أو الحياة والموت بالحياة الدنيا وحياة البرزخ أو الحيوات الأخرى السابقة أو اللاحقة لهذه الحياة الدنيا.

وعندما يحدثنا الله عن عملية خلقنا وبعثنا يستخدم صيغة الجمع ليشير إلي هؤلاء المدبرون للأمور وشئون الخلق بأمره وإذنه، ويتضح ذلك من قوله نعالي:

نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ(57) أَفَرَأَيْتُم مَّا تُمْنُونَ (58) أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(60) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (61) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذكَّرُونَ (62)(الواقعة)

قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَإِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (العنكبوت:20)

وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا (44) وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى (45) مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى(46) وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى(47) (النجم)

فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40) عَلَى أَن نُّبَدِّلَ خَيْراً مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(41) فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42) يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ(43) (المعارج)

 

 

 

 

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل