سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر (الحلقة السادسة) كشف أسرار وألغاز الأشياء المقسم بها ببدايات سور الصافات والذاريات والعاديات

سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر

(الحلقة السادسة)

كشف أسرار وألغاز الأشياء المقسم بها ببدايات سور الصافات والذاريات والعاديات

هشام كمال عبد الحميد

 

قبل قراءة هذا الجزء الخامس من مقالات عالم الأمر يرجي قراءة الأربعة أجزاء السابقة لأن هذا المقال مكمل لهم وبدونهم لن تلم بالموضوع وتستوعبه، ورابط المقالات هو:

http://heshamkamal.3abber.com/post/401956

http://heshamkamal.3abber.com/post/401983

http://heshamkamal.3abber.com/post/402053

http://heshamkamal.3abber.com/post/402356

http://heshamkamal.3abber.com/post/402471

في هذا المقال والمقال القادم سنجتهد ونقدح زناد فكرنا في محاولة لكشف الغموض وإماطة اللثام وفك ألغاز وطلاسم الأشياء الموصوفة أو المقسم بها في أوائل سور الصافات والذاريات والمرسلات والنازعات والعاديات، والتي احتارت العقول من قبل في تحديد هويتها علي وجه الدقة أو فهم معانيها وتوضيح كنيتها وطبيعتها والوقوف علي صلاتها وعلاقتها بباقي الآيات التالية لها في كل سورة منهم، ولم تستطع تفسيرات المفسرين لها من سد رمق ظمأنا للوصول للحقيقة، كما لم تستطع أن تعطينا تفسير معقول ومنطقي يتناسب مع الصفات الموصوف بها هذه الأشياء وسر القسم الإلهي بها. وعموماً قد بذل السابقون محاولتهم ويشكروا عليها وهذا لا يمنع أن نجتهد أيضاً لمحاولة فهم أسرار هذه السور والآيات، وقد نصيب أو نخطئ فيها أو نصيب في البعض ونخطئ في الآخر، ونسال الله التوفيق والسداد والرشد في هذه المحاولة الاجتهادية.

في البداية لا بد أن نقف علي قاعدة هامة في كل سور وآيات القرآن وهي علاقة الآيات السابقة واللاحقة لكل آية ببعضها، فهناك علاقة ترد بصورة خفية وأخري ترد بصورة  صريحة وواضحة بين الأشياء الغامضة والمبهمة أو الملغزة في أي آية وبين ما تم الحديث عنه بالقرآن في الآيات السابقة أو اللاحقة لها بنفس السورة أو بآيات سور أخري تتعلق بنفس موضوع الآية أو الكلمة المبهمة والملغزة بها.

وقد وجدت أن أفضل طريقة لحل ألغاز هذه السور هي ترتيبها أولاً بنفس الترتيب الوارد لها بالقرآن فنبدأ بفهم الصافات أولاً (وترتيبها بالقرآن 37) ثم ندخل بعضها علي الذاريات (وترتيبها 51) لأن الصافات ستحل جزء منها، بعد ذلك نحلل ونفهم المرسلات (وترتيبها 77) ثم النازعات (وترتيبها 79) ثم العاديات (وترتيبها 100)، فكل سورة تفتح علي التي بعدها وكل منها مرتبط بما قبلها.

وتلاحظ لي وجود مجموعة من العوامل المشتركة بين كل هذه السور يمثل المفتاح والقاعدة الذهبية التي سيتم من خلالها فهم ما استعصي فهمه بهذه السور، ففي كل هذه السور يأتي بعد الأشياء المبهمة المذكورة في بدايتها الحديث عن الآتي:

السماء أو الدقة والمهارة الإلهية في صنعها، وذكر الحراسات الشديدة بها، وما تحمله السماء من آيات وخزائن بها أرزاقنا، وأدوات الوعد والوعيد التي سيتم بها هلاكنا.

ذكر بعض الآيات الإعجازية لله في خلق الإنسان والسماوات والأرض.

تكذيب الكافرين للبعث وما سيحيق بهم عند البعث.

ذكر القيامة الأولي (يوم الفصل) والحشر والحساب والقيامة الثانية (يوم الدين) وما سيقع بكل منهما، وما سيحلق بالكافرين والمكذبين لهما من هول أحداثهما.

ذكر هلاك الأمم السابقة التي كذبت الرسل والآيات التي أرسلها الله لهم كإنذار للوعيد الذي أنذرهم به المرسلون ووعيد لنا بأن ننتظر أن يصيبنا عند قيام الساعة مثل ما أصابهم وأكثر.

وسنبدأ الآن بسورة الصافات. قال تعالي:

وَالصَّافَّاتِ صَفّاً (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً (3)إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10)فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَم مَّنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لَّازِبٍ (11) بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (14) وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ(19)وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ(21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ(24)................. وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ(166) وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (167) لَوْ أَنَّ عِندَنَا ذِكْراً مِّنْ الْأَوَّلِينَ (168) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (169) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ(170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ(173) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (174) وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (175) أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ(177) وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ (178) وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ (179) (الصافات)

في بداية هذه السورة يوجد 3 صفات تصف 3 أشياء أقسم الله بهم لعظم قدرهم أو قوة تأثيرهم في السماوات والأرض وجميع المخلوقات وهي: الصافات والزاجرات والتاليات، وسنلاحظ دخول حرف الفاء وليس والواو علي الأثنين التاليين للصافات، وفي اللغة الفاء تقتضي الوصل والتعلق والتعقيب علي ما قبلها أو الترتيب من الأدنى للأعلى أو العكس،والواو تقتضي الفصل والتغاير، ومن ثم فالزاجرات زجراً والتاليات ذكراً متصلة ومتعلقة بالصافات صفاً لوجود الفاء بهما، وتالية لها في المقام الأعلى أو الوظائف التي تقوم بها.

ولفهم طبيعتهم وتحديد كنيتهم والوقوف علي حقيقتهم لا بد من فهم الآيات التالية بنفس السورة جيداً لأنها ستكون ذات علاقة وطيدة بهم بصورة مباشرة أو بكنايات وإشارات ملغزة وتكشف كثيراً من طبيعتهم ووظائفهم أو أدوارهم.

فالصافات هم بعض الملائكة وجيوش أو جنود من جنود الله الذين لا يعلمهم إلا هو التابعين لرئاسة بعض أصحاب الأمر أو السلطان، وهم يقفون في صفوف تراتبية بالسماء عند بداية حدود الملإ الأعلى لأداء العبادات والتسبيحات والتقديسات لله وتنفيذ أعمال ومهام أخري، ولكل واحد منهم مرتبة ودرجة معينة في الشرف والفضيلة أو في الذات والعلية. لذا جاء علي لسانهم بالقرآن بنهاية سورة الصافات أن لكل منهم مقام معلوم وأنهم الصافون والمسبحون، قال تعالي:

وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ(166) (الصافات)

وبين صفوفهم الزاجرات زجراً والتاليات ذكراً، والزاجرات غالباً يقفون في المقدمة وهم جيش الدفاع الأول عن منطقة الملإ الأعلى أو الطور السماوي الذي عنده عرش الرحمن بمركز مجرتنا وجنة الماوي وسدرة المنتهى والبيت المعمور وأصل أو منبت الشجرة النورانية الزيتونة المباركة علي ما شرحت بالمقال السابق، ووظيفتهم الأساسية حراسة وحماية وحفظ بوابات السماء الدنيا، وزجر الشياطين الذين يحاولون استراق السمع (التجسس) من التاليات ذكراً الموجودين بالملإ الأعلى، فيقومون بقذفهم ورجمهم بالشهب (أي يطلقون عليهم من راجمات الشهب أو مدافعهم وبنادقهم وأسلحتهم النارية قذائف أو طلقات أو سهام أو صواريخ نارية موجهة بالإشعاع الحراري تظل تتعقبهم في السماء حتي تتمكن منهم فلا تتركهم إلا صرعي)، لذا جاء بالسورة بعد ذكرهم  مباشرة الحديث عن تزيين السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظها من كل شيطان مارد (وزينة الكواكب هي المجال المغناطيسي الذي يغلف الأرض من الخارج والصادر من القطب المغناطيسي المتولد من الشجرة النورانية علي ما شرحنا سابقاً)،

وقد جاء علي لسان الجن ذكر الحراسات الشديدة التي حصنت بها السماء عند نزول القرآن بقولهم:

 وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً(9) (الجن)

والزاجرات هم أيضاً الذين سيحدثون الزجرة الواحدة عند قيام الساعة، لذا رد الله علي المنكرين للبعث في نفس السورة بقوله تعالي:

وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ (15) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (16) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (17) قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ(18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ(19) (الصافات)

والزجرة الواحدة هي في الغالب الصيحة الواحدة التي ستأخذ الكافرين فتصعقهم أو تميتهم وهم يخصمون ثم يعقبها نفخة الصور التي ستبعثهم من مراقدهم بالأجداث (العوالم البرزخية) لتحشرهم وتجمعهم ليوم الحساب، والتي جاء ذكرها في سورة النازعات أيضاً بقوله تعالي:

فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ(13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ(14) (النازعات)

والصيحة المنذر بها اهل الأرض الآن جاء ذكرها بالآيات التالية:

مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ(49) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ (50) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ (51) قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (52) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ(53) (يس)

وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ (41) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (42) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43) يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ(44) (ق)

أما التاليات ذكراً فهم الحفظة الذين يحفظون الكتب السماوية كالقرآن قبل تنزيلها علي الرسل ويحفظون أيضاً بعض الأمور الغيبية بالملإ الأعلى التي كان الشياطين يحاولون معرفة أخبارها، وهم المتحدثين بالآية التالية:

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(الحجر:9)

وهم السفرة الكرام البررة الذين بأيديهم الصحف المكرمة (الكتب السماوية) والوارد ذكرهم في قوله تعالي:

كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (11) فَمَن شَاء ذَكَرَهُ (12) فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ (13) مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ(14) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (15) كِرَامٍ بَرَرَةٍ(16) (عبس)

والآن سننتقل إلي سورة الذاريات للتعرف علي الموصوفون او المقسم بهم في بداية السورة. قال تعالي:

وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4)إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ(6) وَالسَّمَاء ذَاتِ الْحُبُكِ(7) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ (8) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (9) قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11) يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ(12) يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14)..................... وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ(22) فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ (23)هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ(24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ(28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ(32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ(34) فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (35) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (37) وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ(38) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (39) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ(40) وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) مَا تَذَرُ مِن شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ(42) وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ(43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنظُرُونَ(44) فَمَا اسْتَطَاعُوا مِن قِيَامٍ وَمَا كَانُوا مُنتَصِرِينَ (45) وَقَوْمَ نُوحٍ مِّن قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ(46) وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ(47) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (48)................. وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(58) فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ(59) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ(60) (الصافات)

وأول ما سنلاحظه في هذه الآيات وجود الفاء في الحاملات وقراً والجاريات يسراً والمقسمات أمراً، وهو ما يعني وجود صلة وتعلق بينهم وبين الذاريات ذرواً، ووجود ترتيب بينهم يبدأ بالذاريات ذرواً ثم الحاملات وقراً ثم الجاريات يسراً ثم المقسمات أمراً وهم الأعلى درجة ومنزلة في هذه المجموعة. ولفهم طبيعة ووظائف هؤلاء المقسم بهم في بداية السورة يلزمنا الوقوف علي الموضوعات والأشياء التي جاء ذكرها بالسورة بعد ذلك.

فقد جاء بعد ذكرهم مباشرة الحديث عن الوعد الصادق والوعيد الذي سيصيب الكافرين في يوم الدين، ثم ذكر السماء ذات الحبك، أي المصنوعة طرائقها وطباقها وطرقها وممراتها وأنفاقها وأفلاك مجراتها ونجومها وكواكبها بمهارة وإتقان وشدة وإحكام فلا تري فيها فطور أي عيوب أو تفاوت مصداقاً لقوله تعالي:

الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاًمَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍفَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِأً وَهُوَ حَسِيرٌ (4) (الملك)

في الآية 22 أخبرنا المولي عز وجل أن في السماء رزقنا وما نوعد، أي بها خزائن أرزاقنا مثل المطر والرياح الطيبة التي تحملها وبها أيضاً المذنبات والرياح الخبيثة التي تصيبنا بسوء وسيأتي منها أيضاً الصيحة والزجرة والدخان......الخ من آيات وعلامات الساعة التي ستحمل إنذارات لنا يتلوها عذاب من السماء.

واعتباراً من الآية 24 بدأ الخالق سبحانه وتعالي في الحديث عن الأمم السابقة التي أهلكها وبدأ بقوم لوط والحديث عن ضيف إبراهيم وهم رسل الله الذين أرسلهم له لينفذوا أمر الله بهلاك قوم لوط، فأوجس منهم خيفة وبشروه بولادة إسحاق (الغلام العليم)، وعند تنفيذ الوعيد الإلهي علي قوم لوط قلبوا أرضهم رأساً علي عقب فهدموا مبانيهم وصروحهم، ثم استدعى هؤلاء المرسلين ريحاً حاملة لحجارة من طين، وفي آيات أخري ذكر أنها من سجيل منضود، أي حجارة نارية مشعة ومنضبة (قنابل) مثل قنابل اليورانيوم المخصب مثلاً، وهي حجارة مسومة عند ربك أي معلمة ومرقمة ومكتوب عليها اسم من ستصيبه فلا تخطئه، فنزلت عليهم كالمطر، ونجي الله لوطاً والذين آمنوا معه، ومن ثم يتضح لنا دور هؤلاء المرسلين من الله والأدوات التي يستخدمونها في تدمير وإهلاك الأمم الظالمة، قال تعالي:

فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ(82)مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ(83) (هود).

والحجارة من سجيل جاء ذكرها أيضاً عند ذكر أصحاب الفيل وقد يكون هم أنفسهم والله أعلم قوم لوط أو قوم عاد، وذكر بالسورة أن هذه الحجارة كانت تحملها وتطير بها الطير الأبابيل وليس الريح.

بعد ذلك ذكر المولي عز وجل قوم فرعون وهلاكهم، وقوم عاد الذين أهلكوا بالريح العقيم (أو الريح الصرصر العاتية، أي التي لها أصوات مرعبة وقدرة صوتية تدميرية مثل القنابل الصوتية) فلم تذر هذه الريح شيئاً علي أرضهم إلا جعلته كالرميم، أي فرغته من جسمه (فجعلته كعصف مأكول) أي أذابت لحمه وعظامه، وقوم ثمود الذين أهلكوا بالصيحة أو الصاعقة، وقوم نوح الذين اهلكوا بالطوفان.

ومما سبق يمكننا القول أن هؤلاء المرسلين لهم سلطان علي الرياح وأحجار السماء النارية التي من سجيل (قد تكون المذنبات جزء منها أو يتم تطويرها بقدرة إلهية لتتفتت وتتحول لحجارة من سجيل) وهم الذين يحدثون الصيحات المختلفة ومنها الصيحات الصاعقة، والريح العقيم والطير الأبابيل جند من جنودهم وأدوات من أدوات تدميرهم للأمم.

وفي الآية 47 ذكر الخالق تبارك وتعالي بناءه للسماء بأيد وقدرته علي أن يوسعها كما يشاء.

وبالآيات من 56 إلي 58 ذكر لنا المولي جل وعلا أنه خلق الحن والإنس ليعبدوه ولا يريد منهم من رزق أو يريد أن يطعموه، لأنه هو الرزاق ذو القوة المتين.

ووفي ختام هذه السورة ذكر بالآية 59 أن للذين ظلموا منا (أي من الموجودين علي الأرض من عصر محمد وحتي قيام الساعة) ذنوباً مثل ذنوب أصحابهم السابقين الذين أهلكهم الله، والذنوب هو العذاب، وقد يكون سر تسميته بالذنوب انه سيأتي من مذنب لأن الذنوب تصغير كلمة ذنب أو مذنب. وختم الله السورة بقوله في الآية 60 "فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ".

فأهل الأرض الآن منذرين بذنوب وبصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود مصداقاً لقوله تعالي:

فَإِنْ أَعْرَضُوافَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ(فصلت:13)

والآن أعتقد أن السورة والأشياء المقسم بها في بدايتها أصبحت واضحة.

فالذاريات ذرواً هي الآيات التي يحدثنا أو يرسلها الله لنا كنذر من السماء، وبعضها يحمل لنا العذاب كالريح العقيم والمذنبات التي يتم تفتيتها وتحويلها بقدرة إلهية لحجارة من سجيل مسومة، فنتركها ولا نتعظ بها، لأن الذرو معناه الترك، فقد تركنا الآيات التي اهلك الله بها الأمم السابقة ولم نتعظ منها.

والحاملات وقراً هي الملائكة التي تجمع المذنبات المفتتة أو الحجارة من سجيل فتسومها بأمر من الله وتجمع أدوات العذاب السماوية الأخرى، ثم تحملها للريح التي ستحمل هذا الوقر أو الأشياء الثقيلة أو التي ستصك الأذن، لأن الوقر هو الحمل الثقيل وكل ما يتراكم بالآذن من تجمعات شمعية تصك آذاننا ولا تمكنا من السمع، مصداقاً لقوله تعالي:

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراًفَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (لقمان:7)

والأحمال الثقيلة التي تحملها هذه الريح الموصوفة بالحاملات وقراً هي: المذنبات المفتتة (الذنوب) والصواعق والصيحة التي تصك الآذان والدخان والطوفان أو التسونامي.......الخ.

أما الجاريات يسراً، فهي كل ما بجري بيسر وسهولة في السماء أو البحار، فهي الريح التي ستحمل الوقر من السماء أو الموج في البحار وتذهب بهما بسرعات فائقة إلي القوم الذين سيتحقق فيهم وعيد الله بالعذاب السماوى أو الطوفان، وغالباً ما يكون لهذه الريح صوت شديد يقع عند دخولها واحتكاكها بالغلاف الجوي للأرض فتقع الصيحة أو الصوت الشديد الذي يصك الآذان (أي ما يشبه القنابل الصوتية)، وينتج عنها أيضاً صواعق حارقة ومهلكة.

أما المقسمات أمراً فهم أنفسهم المدبرات أمراً المذكورون في بداية سورة النازعات، وهم أصحاب الأمر أو السلطان الإلهي أو من تجلي الله عيلهم باسم أو أكثر من أسمائه الحسنى، وعلي راسهم جبريل وميكال وإسرافيل وعزرائيل، وهم من يملكون ويتحكمون في خزائن السماوات والأرض، من رياح وأمطار وسحاب وخلافه، وهم المقسمون بإذن من الله لأرزاق المخلوقات ومعايشهم، ويعاونهم جيوش مجيشة من الملائكة وجنود الله.

وسننتقل الآن للمقسم بهم في سورة العاديات لارتباط تفسيرهم بما ذكرناه هنا.

العاديات

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً(5) إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ(9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ(10) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (11) (العاديات).

ومعني العاديات أي التي تجري وتعدو بسرعات فائقة

ومعني ضبحاً أي التي تحدث صوت أو يكون لها صياح

والموريات قدحاً أي التي تقدح الشيئ فتشعل به ناراً

والمغيرات صبحا أي التي تغير وتهجم في الصباح

فاثرن به نقعاً : أي هيجن به التراب أو أثاروا به الغبار لأن النقع الغبار والنقع أيضا الصياح

فوسطن به جمعاً أي ساروا به في وسط الجمع أو الجموع.

فالعاديات ضبحاً في الغالب هي نفسها الجاريات يسراً، أي الريح التي يحركها أو يرسلها الملائكة التابعين لأصحاب الأمر أو المدبرات أمراً، أو الطير الأبابيل التي تحمل الحجارة من سجيل، فتشتعل هذه الحجارة عند احتكاكها بالغلاف الجوى فتصبح موريات قدحاً، أي توري أو تشعل النار، ويكون لها ضبحاً أو نقعاً أي صوتاً شديداً أو صيحة، وتصل دائماً إلي القوم الذين ستهلكهم صباحاً فتصبح هي المغيرات صبحاً، وتلقي هذه الريح أو الطير الأبابيل بحجارتها وزوابعها وغبارها الذري.....الخ في وسط هؤلاء القوم.

وبالقرآن ذكر أن كل العذاب والصيحات التي وقعت بالأمم السابقة كانت تأتيهم صباحاً أو مشرقين أي عند شروق الشمس في الصباح، وكذلك العذاب أو الصيحة أو الصاعقة المنذر بها أهل الأرض الآن ستأتيهم صباحاً مصداقاً لقوله تعالي:

أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (176) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاء صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ(177) (الصافات)

وقال تعالي عن صيحة قوم ثمود (أصحاب الحجر):

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ(83) (الحجر)

وقال تعالي عن صيحة قوم لوط:

فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ(73)فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ(74) (الحجر)

وبالمقال القادم سنتحدث عن المقسم بهم في بدايات سورة المرسلات والنازعات.



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل