سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر (الحلقة الثالثة) الصيغ القرآنية المختلفة هل المتحدث في القرآن هو الله فقط أم أن أكثر آياته مصاغة علي لسان جبريل وأصحاب الأمر والملائكة وآخرين؟؟؟؟؟

سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر

(الحلقة الثالثة)

الصيغ القرآنية المختلفة

هل المتحدث في القرآن هو الله فقط أم أن أكثر آياته مصاغة علي لسان جبريل وأصحاب الأمر والملائكة وآخرين؟؟؟؟؟

هشام كمال عبد الحميد 

قبل قراءة هذا الجزء الثالث من مقالات عالم الأمر يرجي قراءة الجزئيين السابقين لأن هذا المقال مكمل لهما وبدونهما لن تلم بالموضوع وتستوعبه ورابط المقالين هو:

http://heshamkamal.3abber.com/post/401956

http://heshamkamal.3abber.com/post/401983

استكمالا لما شرحناه بالمقال السابق حول جبريل نستأنف اليوم شرح باقي الآيات المتعلقة به، وكنت أنوي الحديث في هذه الحلقة كما نوهت بالمقال السابق عن سورة النجم وما جاء بها حول جبريل لكن رأيت أن كثيراً من الأصدقاء يريدون معرفة حقيقة لغة الخطاب في القرآن والصيغ اللغوية المختلفة به، لذا سنبدأ في هذه الحلقة بهذا الجزء.

سبق وأن شرحنا بالمقالات السابقة أن جبريل هو المسئول عن الوحي وتنزيل جميع الكتب السماوية وأنه هو المتحدث الإعلامي باسم الله في جميع هذه الكتب، ولعل جميعنا كان يستغرب من كثير من الآيات التي يتحدث الله فيها عن نفسه بصيغة الغائب فيستخدم ضمائر الغائب وليس المتكلم الحاضر مثل ضمير الإشارة للغائب "هو" فيقول "هو الله" وليس "أنا الله"، أو يستخدم ضمير الملكية للغائب مثل "له" وليس ضمير الملكية للمتكلم الحاضر مثل "لي" كما في قوله تعالي: "لهما في السماوات والأرض" وليس ليما في السماوات والأرض، أو يستخدم كلمة "الله ربكم" وليس "أنا ربكم" كما في قوله تعالي:

ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَعَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (الأنعام:102)

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ(الأنبياء:92)

ففي آية سورة الأنبياء تحدث الله عن نفسه بصيغة المخاطب الحاضر فقال: وأنا ربكم فاعبدون، أما في آية سورة الأنعام فتحدث عن نفسه بصيغة المخاطب الغائب واستخدم ضمير الإشارة للغائب "هو" و "وهو" فقال: الله ربكم....فاعبدوه.

فكيف يتحدث الله عن نفسه بضمير الغائب "هو" وليس "أنا"؟؟؟؟

كما نجد ببعض الآيات يصف نفسه وأفعاله وصفاته بهاء النسب التي تستخدم للإشارة للغائب وليس ياء النسب التي يستخدمها المتكلم للإشارة إلي نفسه وممتلكاته وأفعاله وصفاته مثل: وسع كرسيه وليس وسع كرسيي، ملائكته وليس ملائكتي، وكتبه وليس كتبي كما في آيات أخري.

والسر في ذلك يكمن في أن هناك الكثير من الآيات القرآنية مصاغة علي لسان جبريل وليس الله وبما يأمره الله أن يبلغه للرسل أو الناس، وعلي الجانب الآخر سنجد آيات مصاغة علي لسان الله بذاته ويكلمنا فيها بضمير المتكلم الحاضر مثل "أنا الله"، وهناك آيات مصاغة علي لسان مجموعة من الأوامر الإلهية أو أصحاب الأسماء الحسني والملائكة مثل "إنا نحن"، وبالقرآن أيضاً صيغ مصاغة علي لسان النبي محمد أو الرسل المنزل عليهم الكتب السماوية أو لسان أقوام وشخصيات من الأمم الهالكة أو علي لسان المؤمنين أو الكافرين......الخ. فاهم أنواع الضمائر في اللغة الآتي:

ضمائر المتكلم: أنا – نحن

ضمائر الغائب: هو – هي – هما – هم – هن

ضمائر المخاطب: أنت – أنتِ – أنتما – أنتم - أنتن

ولا يستغرب أحد من كثرة هذه الصيغ اللغوية المتعددة بالقرآن ويظن أنها تنفي وجود إعجاز عددي ولغوي به، فبعد اكتمال نزول الكتاب السماوي علي أحد الأنبياء بصيغه اللغوية المختلفة يأمر الله جبريل والملائكة المعاونين له بإعادة جمع وترتيب سور وآيات القرآن وفق المنظومات العددية والصيغ البلاغية واللغوية والإعجاز العلمي والفهرسة والبرمجة التي يجمع ويرتب بها الله كل كتبه السماوية ليضع بصمته عليها مثلما يضع بصمته علي كل خلايا وجينات المخلوقات الحية ليشهد كل جزء وكلمة وحرف وخلية وجين بما فيه من معجزات لا حصر لها أنه مصنوع ومختوم ومبرج وتم إحصاءه بيد الله.

وهذا ما عُرف بالعارضة التي عارض جبريل فيها محمد صلي الله عليه وسلم بعد أن اكتمل نزول القرآن وراجع معه ترتيب سوره وآياته وإعادة فهرسته علي النمط والنسق والبرمجة التي ينظمها الله عز وجل. فترتيب القرآن علي ما أجمع عليه معظم علماء السلف كان توقيفي علي الله عز وجل، وليس توفيقي أي ليس عمل قام به النبي أو الصحابة كما هو مشاع في بعض الروايات المكذوبة والموضوعة المعارضة لما جاء بالقرآن علي ما شرحت تفصيلياً بكتاب "الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن بعد العصر النبوي"، وهذا مصداق لقوله تعالي:

الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (هود:1)

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ(17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) (القيامة)

أي الله هو الذي أحكم وفصل آيات القرآن، وهو الذي جمع ورتب آياته وسوره بعد اكتمال تنزيله وليس أي مخلوق غيره سواء أكان جبريل أو النبي أو الصحابة. وليس هناك ما يمنع أن يتم ذلك كله بيد جبريل والملائكة المعاونين له لكن وفق ما سيمليه الله عليهم سواء منذ البداية عند نزول الوحي أول مرة أو بعد اكتمال نزول القرآن واكتمال سوره وآياته.

ونذكر من هذه الآيات المحتوية علي صيغ مختلفة بالقرآن علي سبيل المثال لا الحصر الآتي:

 

الآيات التي يتحدث فيها الله عن نفسه بالقرآن بصورة مباشرة فيستخدم ضمير المتكلم "أنا" أو ضمائر الملكية عند الحديث عن أعماله وصفاته وملكوته:

قال تعالي:

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ(75) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (76) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (77) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (78)...... (ص)

فالمتحدث بالآيات السابقة هو الله بذاته وخطابه موجه للنبي محمد ولنا جميعاً ويقص علينا فيه ما دار بينه وبين إبليس عندما رفض السجود لآدم. فاستخدم الخالق جل وعلا ضمائر المتكلم  وضمائر تفيد أنه المتحدث عن نفسه أو أفعاله مثل الكلمات التي وضعنا تحتها خط أحمر.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إَلاَّ إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً(الإسراء:61)

قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (البقرة:38)

والآية السابقة المتحدث فيها هو الله بدليل الكلمات: مني – هداى، فهي كلمات منسوبة لله مباشرة ومنتهية بياء النسب للمتكلم أو الخاطب الحاضر.

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي(طه:14)

والمتحدث بالآية السابقة هو الله لأنه استخدم كلمات وضمائر تدل علي أنه هو المتكلم مثل: إنني – أنا – فاعبدني.

وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ(الأنبياء:25)

فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(القصص:30)

يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(النمل:9)

إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (طه:12)

أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي(طه:39)

نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(49) وأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ (50) (الحجر)

مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ(قـ:29)

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(البقرة:186)

سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَا لَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ (الأعراف:146)

وَمَا نُرْسِلُالْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُواً (الكهف:56)

ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُواً (الكهف:106)

خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (الأنبياء:37)

وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (السجدة:13)

يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ (النحل:2)

والآية السابقة توضح أن الله ينزل الملائكة بالروح (الوحي) علي من يشاء من عباده (من غير الرسل كما شرحنا بالمقال السابق) أو الروح نفسه (جبريل) علي أحد الرسل أو الأنبياء ومعهم أمر أن ينذروا الناس بانه لا إله إلا الله فليتقوه.

وعندما ينزل جبريل أو الملائكة بمثل هذا الأمر إلي محمد أو أحد عباد الله المخلصين يصيغه في القرآن أو للناس بالقول: هو الله لا إله إلا هو فاتقوه، وقد يصيغ النبي أو أحد الرسل هذا الإنذار علي لسانه هو فيقول كما قال نوح لقومه:

قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ(2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ(3) (نوح)

 

الآيات التي يتحدث فيها جبريل عن الله بالقرآن فيشير إليه يضمير الغائب "هو" ويستخدم هاء النسب عند الحديث عن أعمال وصفات الله:

قال تعالي:

اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُا لسَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (البقرة:255)

ولو كانت هذه الآية مصاغة علي لسان الله مثل الآيات السابق عرضها لقال تعالي: أنا الله لا إله إلا أنا لا تأخذني سنة ولا نوم لي ما في السماوات.... من ذا الذي يشفع عندي إلا بإذني أعلم......ولا يحيطون بشيئ من علمي إلا بما أشاء وسع كرسيي..... ولا يؤدني حفظهما وأنا العلي العظيم.

أما الصياغة هنا فهي علي لسان جبريل لذا كان يتكلم عن الله بضمائر الغائب مثل هو وله أو إلحاق هاء النسب لله بنهاية كل كلمة يشار فيها إليه أو إلي عمل من أعماله مثل: تأخذه - عنده – بإذنه – يعلم – شاء ........الخ.

هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (آل عمران:6)

وهذه الآية تصاغ علي لسان الله كالتالي: أنا الذي أصوركم في الأرحام كيف أشاء لا إله إلا أنا العزيز الحكيم، ولكن الكلام هنا علي لسان جبريل وهو يتحدث عن الله.

وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (البقرة:163)

فلو كان المتحدث في هذه الآية هو الله بذاته لقال: لا إله إلا أنا الرحمن الرحيم. كما في الأمثلة التي ذكرناها سابقاً والمتحدث فيها الله بذاته.

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (البقرة:21)

ولو كان الله هو المتحدث لقال: .....أعبدوني فأنا الذي خلقتكم والذين......

 

الآيات المصاغة علي لسان بعض أصحاب عالم الأمر أو الملائكة الموكلين بالأرزاق أو عمليات الإماتة والإحياء والبعث....الخ بالقرآن فيستخدمون فيها ضمير الإشارة "نحن":

قال تعالي:

وَالصَّافَّاتِ صَفّاً(1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً (3) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (4) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (5)..............وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ(164) وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ(165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ(166) (الصافات)

فهذه الآيات مصاغة علي لسان الصافات صفاً المذكورين بأوائل سورة الصافات وهم من عالم الأمر. والسورة مصاغة علي لسانهم، وسنتحدث عنهم بالتفصيل لنتعرف علي وظائفهم من خلال هذه السورة في مقال آخر.

أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف:32)

لو كان المتحدث في الآية السابقة الله بذاته لقال تعالي: أهم يقسمون رحمتي أنا قسمت بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعت بعضهم فوق بعض درجات..... ورحمتي....، لكن المتحدث هنا مجموعة من الأوامر الإلهية أو الأسماء الحسني أو أصحاب السلطان المتجلي عليهم من الله بأسمائه الرزاق والوهاب والعاطي والحنان والمنان......الخ والموكل إليهم من الله تقسيم الأرزاق بين الناس.

قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلاَدَكُم مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الأنعام:151)

ولو كان الله هو المتكلم بنفسه في هذه الآيات لقال تعالي: قل تعالوا أتل ما حرمت عليكمألا تشركوا بيشيئاً وبالوادين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق انا أرزقكم وإياهم.........ولا تقتلوا النفس التي حرمتها إلا بالحق ذلكم ما أوصيكم به لعلكم تعقلون.

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (قـ:43)

إِنَّا نَحْنُ نُحْيِيالْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (يس:12)

فهل الله بنفسه هو الذي يتولى عمليات الإحياء والإماتة وكتابة أعمالنا أم تلك من وظائف وأعمال أصحاب السلطان وعالم الأمر والملائكة المعاونين لهم وهم المتحدثون عن أنفسهم في هذه الآية؟؟؟؟؟ وذلك مصداقاً لقوله تعالي: قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ(السجدة:11)

وقال تعالي:

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(الحجر:9)

إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً(الإنسان:23)

فهل الله هو الذي نزل وبلغ القرآن بنفسه لمحمد صلي الله عليه وسلم أم جبريل والملائكة المعاونين له؟؟؟؟؟ ومن ثم فهذه الآيات مصاغة علي لسانه وهو يتحدث نيابة عن نفسه وعن ملائكته باسم الله وبما يبلغه الله له أن يبلغ به محمد أو ينزله عليه من قرآن، لذا استخدم جبريل ضمائر الجمع للمتكلم الحاضر وهي: نحن و إنا.

الآيات المصاغة علي لسان الملائكة أو الأنبياء أو الكافرين أو المؤمنين أو إبليس أو الشياطين  أو غيرهم في الدنيا أو الآخرة:

قال تعالي:

وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (إبراهيم:22)

فالكلام هنا مصاغ كله علي لسان إبليس وبنص ما سيقوله في الآخرة والذي يعلمه الله ولا يعلمه إبليس نفسه من قبل نزول هذه الآيات.

وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحاً لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (القصص:38)

والكلام هنا مصاغ علي لسان فرعون وبما قاله حرفياً أو بمعناه وفحواه.

وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَسَنُقَتِّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (الأعراف:127)

والكلام في الآية السابقة مصاغ علي لسان ملأ فرعون وفرعون.

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة:54)

والكلام في الآية السابقة مصاغ علي لسان موسى.

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَوَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (البقرة:126)

والكلام هنا مصاغ علي لسان إبراهيم ثم علي لسان الله في رده علي أمنية ودعوة إبراهيم التي دعا الله بها.

وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ(23) أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (24) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُّرِيبٍ (25) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ(26) قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِن كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ(27) قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُم بِالْوَعِيدِ (28) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ (29) يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ(30) (ق)

والكلام هنا مصاغ في بدايته علي لسان القرين الشيطاني في الآخرة الذي ستبرأ من قيامه بإضلال وطغيان الكافر لأنه كان أصلا في ضلال بعيد (الكلام المظلل باللون الأحمر)، ثم علي لسان ملائكة العذاب الذين سيطالبون بإلقاء المشرك وقرينه في العذاب الشديد لأنهما أشركا بالله وجعلوا معه إله آخر  أو آلهة أخري (الكلام المظلل عليه باللون الأخضر) ثم علي لسان القرين مرة أخري، ثم علي لسان الله بذاته (الكلام المظلل باللون الأزرق)

وسنكتفي بهذا القدر لأن الأمثلة كثيرة جداً ولا تعد ولا تحصي.

وللحديث بقية، وبالمقال القادم سنلقي المزيد من الضوء علي حقيقة جبريل من خلال ما جاء عنه بسورة النجم التي أفاضت في الحديث عنه ورؤية النبي له في بداية الوحي، كما سنلقي الضوء علي النجم الذي هوي بهذه السورة وعلاقته بنزول الوحي وليلة القدر وهل هذا النجم هو نجم الشعرى اليمانية المذكور بنهاية هذه السورة ولماذا عبدت معظم الأمم السابقة هذا النجم واللات والعزي ومناة الثالثة الأخرى.

 وللتعليق علي الموضوع والتواصل معنا علي الفيس بوك أضغط علي الرابط التالي:

https://www.facebook.com/profile.php?id=100001177479036


 

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل