سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر (الحلقة الأولي) عالم الأمر والسلطان الإلهي وعالم الخلق المادي الدنيوي

سلطان أصحاب التجليات الإلهية في الأسماء الحسني بعالم الأمر

(الحلقة الأولي)

عالم الأمر والسلطان الإلهي وعالم الخلق المادي الدنيوي

 

هشام كمال عبد الحميد

 

الأسماء الحسنى التي يتجلى فيها الخالق سبحانه وتعالي لغز من الألغاز الهامة والمحورية الموجودة بالقرآن وأمر من الأمور التي احتارت العقول فيها في الماضي، فجميعنا يعرف أن لله أسماء حسنى، وجميعنا كنا نعتقد أن هذه الأسماء الحسنى هي أسماء تعريفية لله تعبر عن صفات أعماله، وكنا نعتقد أن التجلي الإلهي في الأسماء الحسنى يعني تجلي الله علي البشر  أو المخلوقات ببعض هذه الصفات كما كان يردد لنا رجال الدين من أهل السلف أو المعاصرين، لكن ما لم يكن يتخيله كثير منا هو أن تكون هذه الأسماء التي يتجلى الله فيها كائنات أو قوى عاقلة ومدبرة وفاعلة ينشئها الله أو يوجدها بالأمر كن فيكون في عالم الأمر والشهادة والغيب الذي يمثل عالم الخالق سبحانه وتعالي وعالم أصحاب هذه الأسماء الحسنى الذين لا يعدوا كيانات مستقلة وذوات منفصلة عن الذات الإلهية بل كيانات وقوى متصلة ومتفاعلة مع الحق سبحانه وتعالي بطريقة ما وبروابط لا نعلم كنهها أو طبيعتها، وهي لا تتصرف بذاتها أو من تلقاء نفسها بل لا تفعل إلا بإرادته ولا تأتمر إلا بأمره ولا تسجد أو تسبح إلا له.


وقد حدثنا المولي عز وجل عن العالين وعن الذين عنده وعن الشهود المقربين وعن الأسماء أصحاب السلطان (القوة القهرية الجبرية علي جميع المخلوقات)، كما حدثنا عن أصحاب الملإ الأعلى والأفق المبين وعن جبريل الروح الأمين أو الروح القدس وعن ميكال وعن المدبرات أمراً والمقسمات أمراً والصافات صفاً والنازعات غرقاً والذاريات ذرواً......الخ، وحدثتنا بعض الروايات والأحاديث عن عزرائيل وإسرافيل.....الخ، وكنا نعتقد أن هؤلاء جميعاً من الملائكة كما كانت تأكد لنا الروايات والأحاديث الإسلامية والتي يندرج كثير منها في أبواب الأحاديث الموضوعة أو الضعيفة أو أحاديث الآحاد المشكوك في صحتها وصحة نسبها للنبي صلي الله عليه وسلم، علماً بأن أكثر الأحاديث الموجودة بكتب الصحاح والتفسير هي من أحاديث الآحاد الغير متواترة فالمتواتر بكتب الصحاح يعد علي أصابع اليد كما قال علماء الحديث والجرح والتعديل علي ما شرحت بكتبي ومقالات سابقة.


وعند مراجعة الآيات القرآنية وتدبرها جيداً سنجد أن الله لم يضع جبريل وميكال في مصاف الملائكة ولم يسمهم بالملائكة بل كان دائماً يفرق بين الملائكة وجبريل الذي يمثل روحه الأمين فهو روح الله كما سنوضح بعد قليل لنهدم كل الخرافات والأباطيل المناقضة للقرآن التي عششت بأدمغتنا ووضعت غشاوة بيننا وبين فهم آيات القرآن ومقاصد المولي عز وجل.


فجبريل ينتمي لعالم الأمر، فهناك عالم الأمر والغيب والشهادة وهناك عالم الخلق علي ما سنوضح بعد قليل من خلال آيات القرآن، وعالم الأمر هو عالم المولي عز وجل وتجلياته في أسمائه الحسنى أو عالم أصحاب السلطان وهم العالين والشهود المقربين الذين عند الله.


وحتي لا نطيل عليكم في هذه المقدمة تعالوا لنتعرف علي هذه العوالم وهذه الكيانات أو القوى الفاعلة التي تمثل تجليات الخالق في أسمائه الحسنى من خلال آيات القرآن.


قسم كثير من علماء السلف والصوفية والعرفانيين العوالم إلي عالمين هما عالم الخلق وعالم الأمر، وخاضوا في الحديث فيهما وذهبوا مذاهب شتي وآراء مختلفة وكل منهم كان يضع مراتب للوجود من وجهة نظره أو حسب تخيلاته، ولن نخوض في عرض آرائهم فيمكنكم الرجوع إليها من كتبهم المنشورة علي شبكة الإنترنت، وما نود عرضه هو اتفاقهم علي تقسيم الوجود إلي عالمين هما عالم الخلق وعالم الأمر بناء علي قوله تعالي:


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (لأعراف:54)


وأجمع أكثرهم علي أن عالم الأمر هو عالم الأرواح والمجردات والعلم الذي لا يدرك بالحواس الخمسة كعالم الروح والقرآن والنفس والملائكة وهو عالم غير محكوم بالزمان أو المكان، وعالم الخلق هو عالمنا المادي الدنيوي الذي يدرك بهذه الحواس وهو عالم محكوم بالزمان والمكان. واعتبروا أجسامنا من عالم الخلق وروحنا ونفسنا من عالم الأمر.

وبعيداً عما قالوه في هذا الشأن والذي قد نتفق معهم في بعضه ونختلف في آخر، تعالوا لنتعرف في هذا المقال علي جزء من طبيعة الأمر الإلهي وعالم الأمر من خلال كلمة أمر الواردة في هذا الشأن بالقرآن ونؤجل الحديث عن باقي معاني هذه الكلمة للمقال القادم عند الحديث عن جبريل كأمر من الله وروحه الأمين.


فكلمة أمر لها معاني ودلالات كثيرة منها الأمر بمعني الحث علي القيام بفعل معين والأمر والأمور بمعني الأحداث والأفعال، وجاءت كلمة الأمر في القرآن أيضاً بمعني الحكم والقضاء والقدر المقدور والوعد والوعيد بالعذاب والشيء النافذ والقطعي حدوثه ولا يسمح لنا المجال هنا أن نذكر كل الآيات التي جاءت بهذا المعني حتي لا نطيل في الشرح، وما يهمنا في هذا المقال هو كلمة الأمر المتعلقة بعالم الأمر أو الروح.


عالم الخلق المادي الدنيوي وعالم الأمر والسلطان الإلهي


قال تعالي:

مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍإِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (يوسف:40)


إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍإِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى (النجم:23)


في الآيات السابقة استنكر الله علي المشركين والكافرين عبادتهم لأسماء سموها هم وآبائهم الأولين وهذه الأسماء ما أنزل الله بها من سلطان.


وهنا نجد أنفسنا أمام تساؤل هام:

هل هناك أسماء أو كائنات أو قوي فاعلة أو ملائكة أو......الخ من أصحاب السلطان والقوة القهرية الجبرية علي جميع المخلوقات أنزل الله بهم سلطان فذكرهم في كتبه السماوية؟؟؟؟؟


والإجابة نعم فأصحاب هذا السلطان هم أصحاب عالم الأمر الذي تشكل من تجليات الله في أسمائه الحسنى وأصبح هذا العالم يمثل المملكة السلطانية الإلهية.


فعالم الأمر هو عالم الذات الإلهية والغيب والشهادة والأوامر الإلهية الممثلة في أصحاب السلطان الإلهي أو أصحاب الأسماء الحسنى الذين يجسدون أو يمثلون تجليات الله في أسمائه الحسنى، وهو عالم سيظل غيباً علينا إلي يوم القيامة ولن نستطيع فهمه علي حقيقته ولكن يمكننا الوصول إلي بعض المعلومات عنه من خلال آيات القرآن التي حدثنا الله فيها عن بعض أمور هذا العالم.


وهذا العالم يختلف عن عالم الخلق والموجودات أو عالمنا الدنيوي المحسوس، وموجودات هذا العالم لا يطلق عليها مخلوقات أو ملائكة لصلتهم المباشرة بالخالق جل وعلا وإنما يمكن أن نسميهم أسماء حسنى لله أو أوامر الله أو كائنات أو كيانات أو موجودات أو قوى فاعلة ومتنفذة.........الخ تعبر عن إرادة الله وأفعاله وأمره وصفاته وتجلياته في جميع المخلوقات بلا استثناء.


وقد أوجد الله كيانات أو كائنات هذا العالم بكلمة كن فيكون بدون المرور بأي مراحل خلق أو تطور كما في حالة آدم وسائر المخلوقات، فآدم لم يخلق بأمر مباشر من الله بالكن فيكون وإنما مرت عملية خلقه بعدة مراحل وتطور للتراب (ولن نعد التراب مرحلة لأنه أصل المادة التي خلق منها آدم وكل مخلوقات الأرض المرئية أو المحسوسة) وكانت كلمة كن فيكون أخر مرحلة وهذه المراحل هي:


مرحلة الطين (التراب + الماء الأزلي أو العضوي الموجود به جميع الأحماض الأمينية اللازمة لتكوين نواة أي خلية حية، وهذه المرحلة هي أول وبداية مراحل خلق آدم) ثم مرحلة استلال وجعل نسل آدم من سلالة من هذا الطين أو الماء المهين (وفي هذه المرحلة خلق الله أنفسنا بعد أن استلها من الماء المهين أو الحمض النووي لكل خلية من خلايانا المأخوذة من  ظهور وأصلاب آدم وذريته في عالم الذر أو عالم تكوين الأنفس، وأخذ علينا جميعاً بما فينا آدم وحواء قبل اكتمال عملية خلقهما عهده وميثاقه وأشهدنا علي أنفسنا بأنه إلهنا وربنا الوحيد الذي لا شريك له فشهدنا وقررنا له بذلك، ثم ردنا مرة أخري في الخلية الأولي لآدم وسجل جميع بياناتنا ومواعيد خلقنا وصورنا في جينات كروموسومات هذه الخلية)، ثم مرحلة الصلصال من حمأ مسنون ثم مرحلة التسوية ثم مرحلة نفخ الروح فيه ثم مرحلة الكن فيكون وهي آخر مراحل خلق آدم، وذلك مصداقاً لقوله تعالي:


وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (الروم : 20 )


الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ(7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ(8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِوَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ (9) (السجدة)


والآيات السابقة تؤكد أنه بعد مرحلة الطين جاءت مرحلة أخذ سلالة وذرية آدم من الماء المهين قبل تسويته ونفخ الروح فيه.


وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ(الحجر:26)


وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَفَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ (الأعراف:11)


والآية السابقة تؤكد أن مرحلة خلقنا وتصويرنا كانت قبل مرحلة أمر الملائكة بالسجود لآدم، أي تم ذلك في مرحلة تحول الطين لصلصال من حمأ مسنون وتكون مرحلة الماء المهين كما أوضحت آيات سورة السجدة السابقة.


إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ(آل عمران:59)


وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْقَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ(الأعراف:172)


والآية السابقة توضح أخذ العهد والميثاق علينا وعلي آدم ونحن في مرحلة الطين من حمأ مسنون أو الماء المهين الذي استل الله منه ذرية آدم من ظهر آدم فبدأ بأولاده ثم استل من من ظهور أولاده ذريتهم ومن ظهر كل ذرية يستل أنفس ذرياتهم وهكذا إلي نهاية كل ذرية آدم قبل قيام الساعة، وتم ذلك كله قبل اكتمال عملية خلق آدم.


أما سائر خلق آدم فمر بعدة مراحل وتطورات أخري داخل أرحام الأمهات هي مرحلة تفعيل سلالة الطين أو تزاوج الماء المهين لتكوين النطفة الأولي للجنين (مرحلة تزاوج الحيوان المنوي للرجل مع بويضة الأنثى) ثم مرحلة العلقة ثم مرحلة المضغة ثم مرحلة تكوين العظام والعمود الفقري ثم مرحلة تكوين اللحم (كسو العظام لحماً) ثم مرحلة إنشاء الطفل كخلق آخر بعد اكتمال عملية خلقه.


وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ(12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماًثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(14) (المؤمنون)


وهنا لا بد من التنويه إلي أننا لا ينفخ فينا روح داخل الأرحام فلا يوجد أي آية بالقرآن تنص علي نفخ روح فينا داخل الأرحام فهذا كله لم يرد إلا في الأحاديث التي يندرج كثير منها في الموضوع والمكذوب والضعيف، وحتي حواء لم ينفخ الله فيها روح عند خلقها فحواء وسائر نسل آدم فيهما روح من الروح التي نفخها الله في آدم، وهذه الروح تنتقل إلينا عبر الحيوان المنوي (الذي يحمل 23 كروموسوم بهم الجينات التي تمثل نصف الأوامر الإلهية لخلقنا) والبويضة (التي تحمل 23 كروموسوم يمثل النصف الآخر من الجينات أو باقي الأوامر الإلهية لخلقنا)، أما حواء فخلقت من ضلع أو ثدي أو....الخ آدم أي خلقت من خلية حية من خلايا آدم النشطة المأخوذة من ضلع آدم أو ثديه أو صلبه أو عجب ذنبه أو.....الخ والموجود بها الـ 46 كروموسوم كاملة وكل الجينات، وتمت العملية بالاستنساخ لآدم من هذه الخلية الحية مع إجراء تعديل جيني في جينات كروموسومات الجهاز التناسلى وبعض الأعضاء الأخرى، كالشعر وملامح الوجه والجلد ليصبح أرق وأنعم من جلد آدم وهكذا، فخرجت حواء منه امرأة أو زوج مشابه له مع وجود بعض التعديلات في ملامحها الجسدية وجهازها التناسلي عنه.


وقد شرحت هذه المراحل الخاصة بخلقنا وخلق حواء وكذلك خلق عيسي تفصيلياً بكتابي "الهندسة الوراثية في القرآن وأسرار الخلق والروح والبعث" الذي انتهيت من كتابته عام 1999م ونشرت طبعته الأولي عام 2002م عن مركز الحضارة العربية، وهو متاح للتحميل بهذه المدونة.


هذا هو ما يتم في عالم الخلق، فالخلق فيه يتم وفق مراحل وتطورات زمنية للخلق من مادة أصلية أو أولي هي التراب في كثير من مخلوقات الأرض، وكل ما يقال عن الخلق من العدم هو كلام فارغ مناقض لما جاء بالقرآن فلا يوجد مخلوق ذكر بالقرآن أنه خلق من عدم، فآدم خلق من التراب والجن خلق من النار، والملائكة وجنود الله الذين لا يعلمهم إلا هو خلقوا من النور والماء والريح والنار....الخ، ولم يرد بالقرآن أي آية تشير لخلق الملائكة جميعا من النور كما هو مشاع عند الناس، فالملائكة يخلقوا من العنصر أو المادة الموكلين بتملك أمرها وتسير أمورها تحت توجيه وتعليمات أحد الأوامر الإلهية (قوي أو كائنات عالم الأمر).


أما عالم الأمر فالخلق أو الإيجاد والإنشاء فيه لا يتم من عدم بل يتم بأمر الله سبحانه وتعالي للشيء كن فيكون فلا بد أن يكون هناك شيئ ليقول الله له كن فيكون شيئاً آخر وكائن أو مخلوق جديد. لذا تسمي موجودات أو كائنات هذا العالم بالأمر فكلاً منها أمر نشأ بأمر من أوامر الله وينفذ ما يأمره الله به، وهذه الكائنات أكثرها وجد من الذات الإلهية وليس من العدم كما يروج من لا يفقهون في القرآن شيئاً، فهي ليست خلق جديد ولكنها إنشاء وتجسيد أو تخصيص وفصل وتمييز أو تجلية لصفة أو أسم من أسماء الله الحسنى في هذا الكيان المنشأ بصورة جديدة وهي جزء غير مستقل عن الذات الإلهية.


أما كيفية الإنشاء والتجلي الإلهي في هذا الكيان أو الموجود ونوعية الصلة التي يظل من خلالها مرتبطاً بالله وتابعاً له ولا يستطيع أن يتمرد عليه أو يعصي له أمراً أو يتصرف من ذاته وتلقاء نفسه فلا نعلم عنها شيئاً، ولكل منكم أن يتخيلها كما يشاء، وقد تخيلتها وتصورتها بأن الخالق عز سلطانه يقوم بفصل جزء من بعض صفاته (أسمائه الحسنى) عن ذاته أو يقوم بعمل نسخة منه ويجسدها في كائن ويربطه به بطريقة ورابط ما، وهذا الإنشاء أو الفصل أو الاستنساخ سمه ما شئت يتم بأمر المولي عز وجل لهذه الأسماء أو الصفات أن تستنسخ من نفسها نسخة أو تنفصل جزئياً وليس كلياً عن ذاته وتتجسد في الكائن الذي أمرها بتكوينه فتنشأه في الحال واللحظة بأمره تعالي كن فيكون، ثم يجعل الله لهذا الكائن أو الكيان أو الموجود سلطان من سلطانه ثم يجيش له ما يشاء من جنود ومعاونين من الملائكة وغيرهم فيصبح قوة فاعلة وقاهرة وجبرية ونافذ أمرها في جميع مخلوقات الله، وتصدر ما تشاء من أوامر للملائكة والمخلوقات المعاونين لها لتنفيذه في سائر المخلوقات بأذن منه سبحانه وتعالي والله أعلم.


وأصحاب هذا العالم ذكروا في القرآن باسم الأمر والعالين والشهود المقربين والذين عند الله وأصحاب السلطان الإلهي الناشئ من تجليات الله في أسمائه الحسنى.

ومن مخلوقات هذا العالم وأدواته التي يستخدمها الأوامر أو أصحاب السلطان أو جنوده الذين حدثنا الله عنهم في القرآن أو كناهم ولم يذكر اسمهم صراحة وورد ذكرهم في روايات وأحاديث مختلفة الآتي:

جبريل – ميكائيل أو ميكال– عزرائيل – إسرافيل – ن والقلم – حملة العرش الثمانية - المدبرات أمراً - المقسمات أمراً - الصافات صفاً - الزاجرات زجراً - التاليات ذكراً - المرسلات عرفاً - العاصفات عصفاً -  الناشرات نشراً - الفارقات فرقاً - الملقيات ذكراً - العاديات ضبحا - الموريات قدحاً - المغيرات صبحاً - الذاريات ذرواً - الحاملات وقراً - الجاريات يسراً - النازعات غرقاً - الناشطات نشطاً - السابحات سبحا - السابقات سبقاً - اللوح المحفوظ – الإمام  المبين – الزبر – الكتاب المسطور – الكتاب المرقوم......الخ.


وهؤلاء لهم وظائف متعددة منها: أنهم يساهمون بطريقة ما في عمليات الخلق بإذن من الله ونفخ الروح وتدبير وتنظيم شئون المخلوقات والكون والنجوم والكواكب والأفلاك، وتسجيل أوامر الخالق وأعمال المخلوقات في كتب وسجلات وملفات مختلفة، وهم القوي الفاعلة في تنفيذ أوامر الله بالهلاك والفناء والإماتة والبعث والإحياء والحساب والقضاء يوم القيامة والعذاب في جهنم أو النعيم في الجنة......الخ. فهم المدبرون والمقسمون والمنفذون لكل شيء في الكون بإذن ربهم الأعلى وكان المشركون يطلقون عليهم اسم الآلهة الأرباب. فهم يشكلون ما نطلق عليه النواميس أو القوانين الكونية الإلهية ومن مادتهم خلقت جميع المخلوقات في الكون الإلهي.


وإن كان بعض هذه الكائنات يساهم في عمليات الخلق فإنه لا يمكننا أن نعتبرهم خالقين مستقلين عن الله، فهم لا يخلقون إلا بأمر الله ووفق الكتالوج أو برنامج الخلق والتشغيل الداتا المصممة والمقدرة من الله لخلق أي مخلوق والذي يتسلمون نسخة منها لتنفيذ ما جاء بها (كبرنامج الكروموسومات والجينات المودع في نواة الحمض النووي لنا كبشر). لذا قال الله أنه أحسن الخالقين، فهناك خالقين وهو أحسنهم، قال تعالي:


ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ(المؤمنون:14)


أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ(الصافات:125)


وهؤلاء الكائنات أو القوى الفاعلة أساء كثير من القدماء فهم طبيعة وجوهر وكنه إنشائها ووظائف عملها فاعتبروهم ذوات مستقلة عن الذات الإلهية، وآلهة خالقين وشركاء مع الله في الملك والحكم والخلق، وأن عبادتهم أو التقرب إليهم أو لله من خلالهم أمر لا مفر منه، فاشركوا بهم مع الله واعتبروا أن هناك آلهة متعددة وليس إله واحد ومن ثم نشأ إلحادهم في أسماء الله الحسنى، لهذا استنكروا دعوة جميع الأنبياء الذين دعوهم لعبادة الله وحده وعدم الشرك به واعتبروا ما يقولوه شيئاً عجباً ونوع من الجنون والصبأ. قال تعالي:


وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِسَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (الأعراف:180)


وَعَجِبُوا أَن جَاءهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4) أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5) وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ(7) (ص)


ومع مرور الزمن وانتشار الشرك وعبادة الآلهة المتعددة كان الشياطين بأمر من إبليس يتجسدون ويظهرون للمشركين في صور نورانية هولوجرامية لرجال أو إناث ويدعون لهم أنهم من الفضائيين (الملائكة وأصحاب الأسماء) وأنهم الآلهة الخالقون لهم وشركاء الله في الملك والحكم والخلق، وهم القوى الفاعلة والأمرة والناهية في الكون والناس، وأن أرواحهم تسكن في النجوم والكواكب والأجرام السماوية، ويأمروهم بعبادتهم وإقامة الهياكل لهم وتقديم القرابين البشرية والحيوانات المحرم أكلها في هذه الهياكل في أوقات فلكية محددة مرتبطة بحركات الشمس والنجوم والكواكب والأفلاك، فعبدوا هؤلاء الجن والشياطين من دون الله وسموهم بأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ومن هنا نشأت عبادة الكواكب والنجوم خاصة عند الصابئة القدماء بمختلف طوائفهم وتياراتهم باستثناء الحنفاء منهم، وكان كثير من الفراعنة وقوم ثمود والسومريين (قوم عاد) علي راس من عبد الكواكب والنجوم وروحانياتها، حيث ادعي السومريون بكتبهم المقدسة والكتب التي تحكي تاريخهم كألواح سومر مثلا أن الآلهة الخالقين نزلوا إلي أرضهم وظهروا لهم وخالطوهم، وقصوا عليهم أنهم دمجوا بين جينات القردة الأوائل وبين جيناتهم وخلقوا منها خلق جديد هو البشر علي ما شرحت بكتاب "كشف طلاسم وألغاز بني إسرائيل والدجال" ومقالات سابقة.


والآن بدأ حزب الشيطان في إعادة كرة الشرك بالله التي سبق ترويجها بحضارة سومر (قوم عاد) من خلال الفضائيين أصحاب الأطباق الطائرة الذين يزعم كثير من الكتاب من حزب الشيطان أنهم آتين من الفضاء السحيق وأنهم ملائكة أو الآلهة الخالقين لنا (ويتبعهم في هذه الدعاوى  الغاوين وأتباع كل ناعق أو المسطحين فكرياً أو الزائغ قلوبهم من شباب الفيس ومواقع الإنترنت المكني عنهم بالذباب الإلكتروني). قال تعالي:


مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍإِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ (يوسف:40)

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاء إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ(41) (سبأ)

وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (17) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً(18) (الفرقان)


 وسنتحدث في المقالات القادمة بشيء من التفصيل عن كل كيان من كائنات عالم الأمر ممن ورد ذكرهم بالقرآن وسنبدأ في المقال القادم بالحديث عن جبريل لأنه من أكثر كائنات هذا العالم الذين جاء لهم ذكر بالقرآن والذي سنفهم من خلاله حقيقة عالم الأمر ومعني الأمر الإلهي.

 



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل