الملائكة الأرباب للملأ الأعلى الموكلين من الله بعمليات الخلق والإحياء والإماتة والبعث والعذاب والحساب (الحلقة الأولي)

الملائكة الأرباب للملأ الأعلى الموكلين من الله بعمليات الخلق والإحياء والإماتة والبعث والعذاب والحساب

(الحلقة الأولي)

 

هشام كمال عبد الحميد


من المعلوم أن الله هو رب كل شيء أي رب العالمين، مصداقاً لقوله تعالي:

قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ (164) (الأنعام)

الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (الفاتحة: 2)

فلماذا أكد الله لنا في كتابه الكريم أنه رب العالمين؟؟؟؟ هل هناك أرباب لنا أو لغيرنا غير الله؟؟؟؟

نعم هناك أرباب غير الله، مصداقاً لقوله تعالي علي لسان يوسف:

يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) (يوسف)

فكلمة رب في القرآن أطلقت علي كل من يتولى أمرنا في شيء معين أو يكون له أمر الحكم والتصرف في مقاديرنا وأرزاقنا، مثل الملوك المتولين أمرنا والحكم علينا مصداقاً لقوله تعالي علي لسان يوسف:

وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) (يوسف)

فيوسف هنا وصف الملك المتولي أمر وشأن ساقي الملك الذي كان مسجونا معه وسينجو من سجنه بلفظ ربه، أي ولي أمره والمتحكم في مصيره.

ملائكة الملأ الأعلى (الملائكة العالين) ودورهم في عمليات الخلق والإماتة والبعث والحساب والعذاب وتسيير أحداث القيامتين

الملائكة هم أرباب، لأن رؤساء الملاكة ومعاونيهم هم من وكلوا من الله بتملك أمر في الأرض أو السماء أو الكون، فرب الشيء هو المتحكم في أمره والمتصرف في شئونه وهذه وظيفة الملائكة. فالملائكة ليسوا مخلوقين من نور حسب ما هو مشاع عند الناس فلم يرد بالقرآن أي شيء عن طبيعة خلق الملائكة، لأن الملائكة مخلوقة من نفس المادة أو الشيء المتملكة أمره، فملائكة النار مخلوقين من النار، وملائكة الريح مخلوقين من الريح، وملائكة الماء مخلوقين من الماء، وملائكة الجبال وتربة الأرض والصخر مخلوقين من التراب أو الرماد، وملائكة الهواء أو الأثير أو الطاقة مخلوقين من الطاقة أو نفس المادة وهكذا.

وأهم الملائكة الذين خلقهم الله هم ملائكة الملأ الأعلى الذين يعدون الرؤساء لجميع الملائكة، هؤلاء الملائكة أطلق عليهم القرآن لفظ العالين، وهم لا يسجدون لأحد أو يأتمرون بأمر أحد سوي الله، لذا عندما رفض إبليس السجود لآدم (الدخول تحت رئاسته كخليفة بالأرض والائتمار بأوامره) استنكر الله فعله وقال له "استكبرت أم كنت من العالين"، قال تعالي:

قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (ص: 75)

فهؤلاء الملائكة العالين هم أنفسهم أصحاب الملأ الأعلى الذين خلقهم الله وجعل مقادير التصرف في جميع مخلوقاته بأيديهم حسب ما يأذن لهم به من أمور، فعمليات الخلق بالأرض تتم عن طريقهم وبالأخص من يعرف بالملاك الروح أو الروح القدس أو الروح الأمين الذي قيل أنه جبريل، فهو روح الله الموكل إليه نفخ الروح في جميع المخلوقات، فعندما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه من قام بالنفخ هو الملاك الروح، وعندما خلق الله عيسي ارسل لمريم هذا الملاك فتمثل لها بشراً سوياً وتولي عملية نفخ الروح فيها، وسنفصل هذا الموضوع في آخر المقال.

ومن أصحاب الملأ الأعلى ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وغيرهم ممن لم نعرف أسمائهم وقد سموا بأسماء مختلفة في الحضارات السابقة، وجميعهم رؤساء لمجموعات من الملائكة تعمل تحت أمرتهم، ويختصون بتسيير كل أمور وشئون الخلق والسماء والأرض وعالم الشهادة والغيب، لذا كان الشياطين قبل نزول القرآن  يحاولون الصعود لحدود الملأ الأعلى للتجسس علي هؤلاء الملائكة ومعرفة أخبار الغيب والمقادير المقدرة من الله للعباد مما يتناقل بين رؤسائهم ومرؤوسيهم من أخبار، وقد يكون عمليات التجسس هذه كانت تتم بأجهزة سمع وتنصت إلكترونية تم تركيبها في الكواكب أو الفضاء بالقرب من حدود الملأ الأعلى أو بوسائل وأدوات أخري لا نعلم عنها شيئاً، وعند نزول القرآن حصن الله السماء بحراسات شديدة من الملائكة وشهب تتعقب كالصاروخ الموجه وتحرق كل من يحاول استراق السمع من الجن أو الشياطين من الملأ الأعلى وينقل أخبار الغيب للكهنة والسحرة الذين كانوا يستعينون بهم في معرفة هذه الأخبار، وقد أخبرنا الله بهذه الحقائق في قوله  تعالي:

وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَّصَداً (9) (الجن)

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (7) لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ (8) دُحُوراً وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (9) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (10) (الصافات)

وهؤلاء الملائكة العالين أصحاب الملأ الأعلى بأيديهم الكتب المرقومة (الكتب المرقمة أي الديجيتال) للفجار الذين سيكونوا في سجين وللأبرار الذين سيكونوا في عليين، قال تعالي:

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11)................ كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَّرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) (المطففين)

وبعض من ملائكة الملأ الأعلى المساعدين هم الذين اختصموا عند خلق الله لآدم وطلبه منهم السجود له فقالوا لله "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" لكنهم في النهاية وبعد تعليم الله لأدم الأسماء كلها (أسمائه وصفاته الحسني وتجلياته التي يتجلي بها من خلال هذه الأسماء التي لم يعلموا شيئاً عن كنهها وطرق الله في التجلي بها) سجدوا لآدم، قال تعالي:

مَا كَانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69) إِن يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (70) إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِن طِينٍ (71) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (72) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (73) إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ (74) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ (75) (ص)

ومن مهام ووظائف الملائكة العالين أيضا تدبير وتسيير أحداث الساعة وأيام القيامتين (قيامة يوم الفصل ويوم الدين علي ما سبق وأن شرحت بكتاب "قراءة عصرية لأحداث الساعة وأهوال القيامة") فهؤلاء الملائكة عددهم عشرون مجموعة وهم الموصوفون في القرآن بالأوصاف الأتية:

الصافات صفاً والزاجرات زجراً والتاليات ذكراً والمرسلات عرفاً والعاصفات عصفاً والناشرات نشراً والفارقات فرقاً والملقيات ذكراً والعاديات ضبحا والموريات قدحاً والمغيرات صبحاً والذاريات ذرواً والحاملات وقراً والجاريات يسراً والمقسمات أمراً والنازعات غرقاً والناشطات نشطاً والسابحات سبحا والسابقات سبقاً والمدبرات أمراً.

فقد جاء بأوائل سورة الصافات ذكر الملأ الأعلى وتجسس الشياطين عليهم لمحاولة استراق أخبار الغيب منهم، ثم تلي ذلك الحديث عن الزجرة الواحدة عن قيام الساعة وحشر الظالمين لجهنم، وجاء بالآية 165 و 166 ما يدل علي أن الصافات صفاً والزاجرات زجراً والتاليات ذكراً ملائكة، حيث تحدثوا عن أنفسهم في هذه الآية ذاكرين أنهم هم الصافون وهم المسبحون، وفي هذا دلالة علي أنهم ملائكة، فالصافات هم الصافون الذين سيأتون صفاً صفاً مع الله يوم القيامة، والزاجرات هم الذين سيحدثون الزجرة الواحدة والتاليات ذكراً هم المسبحون، قال تعالي:

وَالصَّافَّاتِ صَفّاً (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً (3)......... فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ (19) وَقَالُوا يَا وَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (20) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (21) احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (22) مِن دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (23) وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (24)................ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (165) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبّحُِونَ (166) (الصافات)

ودائماً ما كان يرد بالقرآن عقب ذكر هؤلاء الملائكة حديث عن الساعة وأيام القيامتين والبعث من القبور، مما يدل علي أن هؤلاء الملائكة هم المسيرون لأحداث الساعة وأهوال أيام القيامتين من الصيحة والنفخ في الصور، وطمس وانكدار النجوم واندثار الكواكب وتكوير الشمس وكشط وطي السماء كطي السجل للكتب، وتسيير ونسف الجبال ورج وزلزلة الأرض بالزلزال العظيم وإثارة الرعود والبروق والخسوفات الأرضية والرياح الصرصر العاتية، وإلقاء الشهب والمذنبات علي الأرض وتسيير الدخان الآتي من السماء، وهم المتولين لعمليات البعث والحشر والحساب والعذاب والمجيئ بجهنم وتسعيرها ونشر الكتب.........الخ، وسنلاحظ ذلك من الآيات التالية، قال تعالي:

وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفاً (1) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفاً (2) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْراً (3) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقاً (4) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْراً (5) عُذْراً أَوْ نُذْراً(6) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (7) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (8) وَإِذَا السَّمَاء فُرِجَتْ (9) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (10) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (11) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (17) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ (15) (المرسلات)

وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً (1) فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً (2) فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً (3) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً (4) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (5) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (6) (الذاريات)

وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً (5)يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (7)................ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (13) فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ (14) ........ فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (34) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى (35) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى (36) (النازعات)

وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحاً (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحاً (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحاً (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعاً (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعاً (5) إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ (11) (العاديات)

ولا شك أن العشرين مجموعة من الملائكة السابقين يدخل فيهم الملاك الروح (جبريل) ومعاونيه لأن الملاك الروح ومساعديه سيكون لهم دور كبير في عملية البعث، لكن المشركين كانوا دائماً علي عداوة وكراهية لجبريل كما أخبرنا المولي عز وجل في قوله تعالي:

قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (98) (البقرة)

لذا فإن المشركين في الغالب كانوا يستبعدون جبريل ومجموعته من مجموعات الملائكة العالين المقربين ويقصروا هذه المجموعات علي 19 مجموعة، وهم في الغالب المذكورين في سورة المدثر بأصحاب النار وعدتهم تسعة عشر (ملائكة العذاب والهلاك والدمار)، قال تعالي:

سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (27) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28) لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ (29) عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا.........(31) (المدثر)

ويجب ألا ننسي من بين هؤلاء الملائكة العالين الملاك القلم (تحوت عند الفراعنة ونون في القرآن) الذي يسجل كل الأحداث والمقادير والكلام والأوامر الصادرة من الله علي اللوح المحفوظ، وهذا الملاك هو المذكور في قوله تعالي:

ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) (القلم)

ونون هو المداد الذي يكتب به هذا الملاك، وهو مداد من نور في الغالب لذا رمز له بـ (ن) لأن قلمه نور ومداده نور ولوحه المحفوظ من نور أي من الألياف الضوئية فيما يشبه  الأجهزة الإلكترونية كاللاب توب والكمبيوتر والمحمول مع الفرق بين صنع الله وصنع البشر..........الخ.

وقد صور الفراعنة تحوت في نقوشهم وبكتاب الموتى (كتاب عالم الآخرة ويوم الحساب) وهو يسجل علي اللوح المحفوظ بقلمه، وأيضاً وهو يسجل أعمال الناس عند حسابهم في حضرة أوزيريس بعد أن يتم وزن عمل كل شخص بمعرفة الملائكة الموكلين بالميزان والحساب لمقارنتها بالمسجل عنده في اللوح المحفوظ (أوزيريس اسم استخدمه الفراعنة للدلالة علي الذي يحكم عالم الموتى والآخرة والحساب وقد يكون مقصود به أحد الملائكة العظام كجبريل أو أحد تجليات الله بأسمائه الحسني كأسمه الحسيب أي المحاسب للناس أو أسمه الرقيب....الخ، ثم أطلق هذا الأسم بعد ذلك علي أشخاص كثر منهم أوزيريس بن جب وهو هابيل بن آدم علي ما شرحت بكتاب "كشف طلاسم وألغاز بني إسرائيل والدجال").

ويظهر بهذه الصور فوق الميزان طائر، وهو الطائر الموجود بعنق كل إنسان والذي يحمل أو مسجل عليه كتاب أعمالنا وهو كتاب ديجيتال أو مرقم أو مرقوم مسجل فيه كل أعمالنا أثناء الحياة بالصوت والصورة وبما نضمره في نفوسنا وما يدور بخلدنا (شريط فيديو كاشف لكل سرارنا)، وسيخرجه الله لنا يوم القيامة، وهذا مصداقاً لقوله تعالي:

وَكُلَّ إِنسانٍ أَلزَمناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخرِجُ لَهُ يَومَ القِيامَةِ كِتابًا يَلقاهُ مَنشورًا ﴿١٣﴾ اقرَأ كِتابَكَ كَفى بِنَفسِكَ اليَومَ عَلَيكَ حَسيبًا ﴿١٤﴾ (الإسراء)

ويتم وزن عمل الشخص بوضع قلبه أو عمله في أحدي كفتي الميزان وفي الكفة الأخرى ريشة ماعت التي ترمز عند الفراعنة للحق والعدل (وهذه الموازين هي الموازين القسط التي ذكر الله أنه سيضعها يوم القيامة لحساب الناس) وبعد ذلك يظهر في نقوش كتاب الموتى المشاهد التي يساق فيها الشخص المتوفي إلي الجنة أو النار.

وهذه بعض الصور المتعلقة بتحوت أو الملاك القلم ومشهد وزن أعمال الشخص في حضرة أوزيريس:

تحوت أو الملاك القلم وهو يسجل كل شيء علي اللوح المحفوظ

 

مشهد وزن الملائكة لأعمال الشخص في حضرة أوزيريس الجالس علي الكرسي ويظهر بالمشهد تحوت أمام الميزان وهو يسجل نتيجة أعمال الشخص الذي يتم حسابه والملائكة تسوقه من مشهد لآخر

مشهد آخر لوزن أعمال الشخص ويظهر أعلي الميزان من الجهة اليسرى صورة الطائر الذي يمثل كتابه الذي كان في عنقه والمسجل عليه أعماله أثناء حياته بالصوت والصورة

وهناك احتمال أن يكون حملة العرش الثمانية داخلين في هذه المجموعات العشرين السابق ذكرها لأنهم مرتبطين بأحداث الساعة وسيأتون مع الله يحملون عرشه مثل الملائكة الصافات الذين سيأتون صفاً صفاً والله أعلم.

دور الملائكة العالين في خلق عيسي ويحي وإسماعيل وإسحاق ورفع عيسي وإدريس للسماء والحضور مع الله عند تجليه لموسي

طبقاً لما جاء بسورة مريم فقد كان للملائكة العالين دور كبير في خلق أبناء الأنبياء الذين أنعم الله عليهم فوهبهم أبناء بطرق معجزة.

فسورة مريم بدأت في الآية 1 بأحرف مقطعة هي كهيعص، بعدها بدأ الحديث عن مجموعة من الأنبياء وأبنائهم الذين ولدوا ببشريات من الله أو بطرق معجزة في ولادتهم، هؤلاء الأنبياء هم زكريا الذي وهبه الله يحي وأتاه الحكم وهو صبياً وكان زكريا كبيراً في السن وكانت أمرأته عاقراً، ومريم التي وهبها الله عيسي وهي بنت بكر غير متزوجة بدون أن يجامعها أي رجل، وإبراهيم الذي وهبه الله إسماعيل وهو شيخاً كبيراً، ثم وهبه إسحاق ومن وراء إسحاق أبنه يعقوب وكانت أمرأت إبراهيم سارة عقيمة، ثم ذكر الله بعد ذلك موسي عندما ناداه الله من جانب الطور وقربه نجياً ثم وهبه أخاه هارون نبياً، وأخيراً ذكر الله إسماعيل وإدريس عندما رفعه الله مكاناً علياً بالسماء.

وفجأة وفي الآية 64 من السورة وجدنا سياق السورة ينقلنا لكلام علي لسان ملائكة يؤكدون فيه أنهم لا يتنزلون إلا بأمر الله رب السماوات والأرض وما بينهما الذي له ما بين أيديهم وما خلفهم وما بين ذلك، ثم حث من هؤلاء الملائكة لنا بعبادة الله وحده والصبر علي هذه العبادة لأننا لن نجد له سمياً (نظيراً أو شبيها أو مثيلاً). دون أن يكون هناك أي ذكر بالسورة قبل هذه الآية لهؤلاء الملائكة سوي الملاك الروح الذي أرسله الله لمريم، وكأن الأحرف المقطعة ببداية السورة (كهيعص) كانت تشير لخمس أسماء من كبار هؤلاء الملائكة، أو تشير لوظائفهم أو وظائف خمس مجموعات منهم، وباقي الآيات بأوائل سورة مريم كانت تتحدث بطريقة مبطنة عن أدوار هؤلاء الملائكة في خلق أبناء هؤلاء النبيين بأذن من الله وبطرق إعجازية، ودورهم في رفع عيسي وإدريس وحضورهم مشهد مناداة الله لموسي. وهذه هي الحقيقة التي تحملها وتشير لها هذه الآيات والتي سنوضحها الآن.

فعندما خلق الله آدم ونفخ فيه من روحه من قام بالنفخ هو الملاك الروح، وعندما خلق الله عيسي ارسل لمريم هذا الملاك فتمثل لها بشراً سوياً وتولي عملية نفخ الروح فيها، لذا أحياناً كان الله في بعض الآيات ينسب نفخ الروح لنفسه وفي آيات أخري ينسب نفخ الروح للملاك الروح أو الروح القدس، ويتضح ذلك من قوله تعالي:

وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ (الأنبياء: 91)

ففي الآية السابقة نسب الله نفخ الروح في مريم لنفسه.

وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً (16) فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً (17) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً (18) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً (19) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً (20) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً (21) (مريم) 

وفي الآيات السابقة أوضح لنا الخالق جل وعلا أنه أرسل روحه (ملاكه الروح) إلي مريم فتمثل لها بشراً سوياً، وهو من تولي عملية خلق عيسي في رحم مريم.

وقال تعالي للملائكة عند خلقه لآدم:

فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر: 29)

فالنفخ في آدم من روح الله يعني نفخ الملاك الروح فيه لأنه روح الله كما اتضح ذلك من آيات خلق عيسي.

وهذا الملاك الروح هو الروح القدس الذي أيد الله به عيسي طوال حياته فكان يلازمه ولا يفارقه، وهو في الغالب من كان يمكن عيسي من خلق الطير من الطين وأحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بأذن الله، لأن جميع هذه الأعمال من وظائف هذا الملاك، قال تعالي:

إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي......(المائدة: 110)

هؤلاء الملائكة أيضاً هم من بشروا إبراهيم بولادة إسحاق ويعقوب وكان لهم بالتأكيد دور في خلقهم وخلق إسماعيل بطرق إعجازية دون أن يشعر إبراهيم أو زوجته بتدخلهم، حيث كان إبراهيم طاعن في السن عند ولادتهم وكانت أمرأته سارة عجوز عقيم يستحيل أن تلد، وقد حضر اثنين منهما لإبراهيم وبشروه بولادة إسحاق ويعقوب، ثم أخبروه بأنهم جاءوا أيضاً لإهلاك قوم لوط، وهو ما يدل علي أنهم مختصين أيضاً بالعذاب والهلاك أو ينتمون لمجموعة أو مجموعات ملائكية مختصة بالخلق والعذاب والإهلاك والحساب، ويتضح ذلك من الآيات الآتية:

هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29) قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ(30) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33) مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34) (الذاريات)

وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) (الصافات)

وسنلاحظ مواضع أعجاز أخري في خلق أبناء هؤلاء الأنبياء، فجميع هؤلاء الأبناء تم وصفهم عند تبشير آبائهم بهم بكلمة غلاماًَ وليس طفلاً، ومعلوم أن الغلام يكون في مراحل عمرية أكبر من الطفل.

ومن المعلوم أن الله وصفنا جميعاً عند مرحلة ولادتنا بالطفل ولم يصفنا بالغلمان، قال تعالي:

وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاء إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ........(الحج: 5)

فلماذا وصف الله هؤلاء الأبناء عند ولادتهم بالغلمان؟؟؟؟؟ هل لم يمر هؤلاء الأبناء بمراحل الطفولة وولدوا غلامانا؟؟؟؟ أو كانت فترة طفولتهم قصيرة جداً وشبوا وأصبحوا غلماناً في بضعة شهور أو سنين معدودة؟؟؟؟؟

أيضا هؤلاء الملائكة كانوا حاضرين في مشهد تجلي الله لموسي عندما ناداه من وراء حجاب من النور الناري الإلهي، ويتضح ذلك من قول الله لموسي انه بورك من في النار (أي الله) ومن حولها (وهم الملائكة الذين كانوا حاضرين معه)، قال تعالي:

 إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَاراً سَآتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُم بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَّعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (7) فَلَمَّا جَاءهَا نُودِيَ أَن بُورِكَ مَن فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (8) يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) (النمل)

وللحديث بقية



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل