الأشهر الأربعة الحرم أشهر متتابعة تبدأ بشهر رمضان وبه الحج الأصغر (العمرة) وتنتهي بذي الحجة وبه الحج الأكبر وهي أشهر متغيرة سنوياً ولا يصح تثبيتها بالنسئ لأنها تحدد بالأهلة القمرية

الأشهر الأربعة الحرم أشهر متتابعة تبدأ بشهر رمضان وبه الحج الأصغر (العمرة) وتنتهي بذي الحجة وبه الحج الأكبر وهي أشهر متغيرة سنوياً ولا يصح تثبيتها بالنسئ لأنها تحدد بالأهلة القمرية

 

هشام كمال عبد الحميد

 

 

كلما حل شهر رمضان أو شهر ذي الحجة أثير بمواقع الإنترنت والتواصل الاجتماعي جدل كبير حول مدي صحة شهر رمضان الحالي وهل هو شهر مرتبط بالشهور القمرية المتغيرة من عام لآخر أم شهر ثابت لا يتغير لارتباطه بأحد الفصول المناخية للسنة الشمسية، ويتبع ذلك إثارة أسئلة حول ماهية الأشهر الحرم وحقيقة النسيء وأشهر الحج، فالحج أشهر معلومات وليس شهر واحد، وهل الحج أيضاً يؤدي في شهر فصلي ثابت من فصول السنة الشمسية أم هو مرتبط بالسنة القمرية المتغيرة، وعلاقة ذلك بتحريم صيد البر أثناء الحج لأنه موسم تزاوج الحيوانات والطيور.

وكثير ممن يثيرون هذا الجدل يرون أن هذه الأشهر تم التلاعب بها في عصر الدولة الأموية، لإفساد شعائر الحج والعمرة والصيام، فاسم شهر رمضان من الرمض أي شدة الحر ومن ثم فرمضان شهر ثابت من أحد فصول الصيف والبعض يقول أن الرمض هو المطر الشديد الذي يبدأ في فصول الخريف ومن ثم فرمضان هو أحد فصول الخريف، وأن الحج ثابت في فصول الربيع لأنها موسم تزاوج الحيوانات والطيور وهذا سر تحريم صيد البر في موسم الحج والعمرة. ومن ثم فلا بد أن يتم تعديل الأشهر القمرية لتتفق مع الأشهر الشمسية حتى يتم تأدية هذه العبادات بصورة صحيحة تتفق مع ما جاء بالقرآن.

ويستندون في التدليل علي صحة أقوالهم ببعض آيات القرآن وكل منهم يحملها تأويل يتفق مع وجهة نظره التي تبناها مسبقاً مما سمعه أو قرآه من غيره بمواقع التواصل الاجتماعي.

فما حقيقة هذه الأطروحات وهل كلها صحيحة أم في بعضها شيء من الصحة أم كلها خاطئة؟؟؟؟؟

لحسم هذه المسألة تعالوا لنراجع آيات القرآن المتعلقة بهذه الأمور:

في البداية ننوه أن هذا المقال مكمل لما شرحناه بكتاب "لباس التقوى وأسرار الحج والأنعام والهالة النورانية" ولمقالنا السابق تحت عنوان "سورة براءة تصحح لنا شهرين من الأشهر الأربعة الحُرم تم تحريفهم بكتب الصحاح والتفسير" وذلك علي الرابط التالي:

http://heshamkamal.3abber.com/post/365515

قال تعالي:

إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) (التوبة)

أذن عدة الشهور في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض 12 شهراً منها أربعة أشهر حرم، ومن ثم فلا يجوز جعل هذه الشهور 13 شهراً بالنسيئ كما كان يفعل العرب قبل الإسلام لمساواة السنة الشمسية بالقمرية وجعل هذه الأشهر أشهر ثابتة كل عام تأتي في فصول محددة من السنة كما كان اليهود والنصاري يفعلون أيضاً.

فالسنة القمرية 354 يوم وربع تقريباً والسنة الشمسية 365 يوم وربع تقريباً والفارق بينهما 11 يوم، والسنة الشمسية ترتبط بفصول العام المناخية (الصيف والخريف والشتاء والربيع) وبمواسم الزراعة والحصاد، والسنة القمرية ترتبط بمنازل القمر وظهور الأهلة كل شهر والتي يتم علي أساسها تحديد مواقيت الحج والصيام لأن هذه العبادات مرتبطة بالسنة القمرية وليس السنة الشمسية، مصداقاً لقوله تعالي:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ....... (البقرة: 189)

ومن ثم فكل حوالي 3 سنوات يصبح هناك فرق 33 يوم (شهر و3 أيام) بين السنة القمرية والشمسية ولا يتلاشي هذا الفرق إلا بعد 33 سنة، فلو جاء رمضان في شهر مارس مثلا وهو أول الربيع فأنه بعد 3 سنوات سيأتي في شهر فبراير وبعد 6 سنوات سيأتي في يناير وهكذا، ولن يعود الزمان ويستدير لدورته إلا بعد مرور 33 سنة فيأتي رمضان مرة أخري في مارس.

وقد سار العرب قبل الإسلام علي سنن اليهود والنصارى والجاهلية الأولي فكانوا جميعهم ينسئون الشهور ليواطؤوا عدة الأشهر الحرم الأربعة مع السنة الشمسية ويجعلوا الحج والصيام يأتيان كل عام في فصول مناخية ثابتة من السنة اختلفوا في تحديد مواعيدها الموسمية بين أديان الجاهلية واليهود والنصارى كل حسب مصالحه السياسية أو الدينية أو سياسات السلم والحرب والإغارة علي الآخرين.

وكان العرب ينسئون المحرم بتأخيره شهراً ليقاتلوا فيه، وكانوا يعلنون ذلك في شهر ذي الحجة إذا اجتمعت العرب لموسم الحج  ليكون في ذلك بلاغ لكل العرب، ومن هذا النسيئ جعل السنة 13 شهر. فكانوا يحلون صفرا عاما ويحرمون المحرم عاما ويحرمون صفر عاما ويحلون المحرم عاما فذلك هو النسيء حسب ما جاء بكتب التفسير.

جاء في عون المعبود شرح سنن أبي داود عند شرح هذا الحديث: (إن الزمان قد استدار كهيئته).. أي دار على الترتيب الذي اختاره الله تعالى ووضعه يوم خلق السماوات والأرض وهو أن يكون كل عام اثني عشر شهراً وكل شهر ما بين تسعة وعشرين إلى ثلاثين يوماً، وكانت العرب في جاهليتهم غيروا ذلك فجعلوا عاماً اثني عشر شهراً وعاماً ثلاثة عشر فإنهم كانوا ينسئون الحج في كل عامين من شهر إلى شهر آخر بعده ويجعلون الشهر الذي أنسؤوه ملغى فتصير تلك السنة ثلاثة عشر وتتبدل أشهرها فيحلون الأشهر الحرم ويحرمون غيره، فأبطل الله تعالى ذلك وقرره على مداره الأصلي، فالسنة التي حج فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع هي السنة التي وصل ذو الحجة إلى موضعه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الزمان قد استدار يعني أمر الله تعالى أن يكون ذو الحجة في هذا الوقت فاحفظوه واجعلوا الحج في هذا الوقت ولا تبدلوا شهراً بشهر كعادة أهل الجاهلية. انتهى.

وجاء في السيرة الحلبية أنّ أهل الجاهلية كانوا يؤخّرون الحجّ في كلّعام أحد عشر يوماً حتّى يدور الزمان إلى ثلاثة وثلاثين سنة، فيعود إلىوقته. وقيل أنهم كانوا يضيفون كلّأربعة وعشرين سنة قمرية أثنى عشر شهراً قمرياً كبيسة، ولهذا العمل انتخبوارجلا من بني كنانة وسمّوه قلماً أو قلمس، وأولاده من بعده قلامسة، وكذلك نسأة،وآخرهم أبو ثمامة جنادة بن عوف بن اُميّة ابن قلع بن عباد بن قلع بن حذيفة، فكانوا سبعة خلال مائتي عام، وكان قلمّس يخطب بالناس يوم عرفة ويغيّرالشهور وبنسيء شهر محرّم ويعدّ صفر من أوّل شهور السنة، فيكون محرّمآخر الشهور بعدما كان أوّلاليحلوا فيه القتال والأغارة.

لذا كانت بعض أسماء الشهور القمرية عندهم والتي ما زالت مستخدمة حتي الآن مرتبطة بفصول العام المناخية أي منشبة للسنة الشمسية علي النحو التالي:

محرم كان مثبت في يناير غالباً بالسنين التي سبقت حجة الوداع لأنه أول شهور السنة – صفر كان مثبت في فبراير - ربيع أول (كان مثبت في شهر مارس الذي به أول الربيع) – ربيع ثان (كان مثبت في شهر ابريل وهو ثاني أشهر الربيع) – جماد أول كان مثبت في مايو – جماد ثان ويقابل يونيو – رجب وكان مثبت في شهر يوليو – شعبان وكان مثبت في أغسطس - رمضان وكان مثبت عندهم في شهر سبتمبر لأن الرمض شدة الحر وأيضا يطلق علي السحاب والمطر الذي يكون في آخر شدة الحر وأول الخريف الذي يأتي في سبتمبر – شوال ويقابل أكتوبر – ذي القعدة ويقابل نوفمبر – ذي الحجة ويقابل ديسمبر وهو آخر شهر في الشهور القمرية والسنة الشمسية.

لذا ذم الله هذا التنسيئ للشهور القمرية بتحويلها لشهور شمسية من أجل تغيير الأشهر الحرم من عام لآخر أو تثبيتها بكل الأعوام في أحد فصول السنة. ومن ثم فلا يجوز لأحد أن ينادي بعودة النسيئ وتثبيت شهور الصيام والحج في مواسم ثابتة من السنة لأن في ذلك زيادة بالكفر كما قال الله جل وعلا.

والحكمة من أن تكون عبادة الصوم والحج مرتبطة بالشهور القمرية وتتغير من عام لعام بحيث تمر علي كل شهور وفصول العام المناخية نستنتجها من قوله تعالي:

وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (القصص: 57)

فالله جعل الحرم آمناً ويجبي إليه زكاة الثمار من ثمرات كل شيء، فلو جعلنا الحج ثابت في شهر معين من فصول السنة الشمسية فلن يجبي إليه من جميع ثمرات الأرض التي تثمر في كل مواسم العام، وسيقتصر الثمرات التي تجبي إليه علي أنواع محددة من الثمار لا تختلف من عام لآخر وهي ثمار الموسم الذي تم تحديده كموسم للحج.

أيضا رحلة الشتاء والصيف الخاصة بقريش كانت تشير إلي مواسم الحج في الأشهر الحرم.

قال تعالي:

لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (1) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ (2) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) (قريش)

ومعني لإيلاف قريش أي ما كانوا يألفونه ويتلهفوا علي مجيئه من رحلة الشتاء والصيف، التي أمرهم من أجلها ان يعبدوا رب هذا البيت، أذن هاتين الرحلتين كانتا تخص البيت الحرام، وهاتين الرحلتين كانتا تأمنهم من الخوف والجوع، لأن الحج يجلب إليهم من كل ثمرات الأرض ويمنع العرب من الإغارة عليهم في هذه الأشهر الحرم الأربعة للحج والعمرة.

اذن الرحللتين مرتبطتين بالحج والعمرة ولا علاقة لهما برحلات قريش للشام أو اليمن كما جاء بكتب التفسير، ومن ثم فاشهر الحج والعمرة كانت تأتي أحياناً في الصيف وفي أحيان أخري في الشتاء، والصيف نجمع عليه الخريف لأنه آخر فصول الحر، والشتاء يدخل فيه الربيع لأنه آخر فصول البرد، ومن ثم فكل ما قيل عن رحلات قريش للشام واليمن كانت أكاذيب للتغطية علي حقيقة الأشهر الحرم وأشهر الحج والعمرة.

أما الحج فهو أشهر معلومات كما ذكر الله تعالي وليس شهر واحد أو 10 أيام من ذي الحجة  كما زعم المفسرون والفقهاء ومن وضعوا الأحاديث المكذوبة المنسبة للنبي كذبا وزوراً والتي تتعارض مع النصوص الصريحة بالقرآن، قال تعالي:

الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (البقرة: 197)

فالحج أشهر وليس شهر، وأشهر الحج والعمرة هي نفسها الأشهر الحرم.

والآن يلزمنا تحديد ما هي الأشهر الحرم، وهل هي متتابعة أم متفرقة؟؟؟؟؟.

هناك أجماع بين علماء السلف من السنة والشيعة وسائر الفرق والمذاهب الإسلامية علي أن الأشهر الحرم أربعة أشهر، منها ثلاث أشهر متتابعات هم ذو القعدة وذو الحجة ومحرم. وشهر متفرق هو رجب.

واستندوا في ذلك علي ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن خطبة الوداع واستدارة الزمان بقوله صلي الله عليه وسلم في هذه الخطبة: إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان. (أخرجه البخاري في بدء الخلق ومسلم في القسامة من حديث أبي بكرة).

فلماذا أتي شهر رجب الذي سموه رجب مضر متفرقاً ؟؟؟؟ وما هو المعني برجب مضر وهل كان هناك رجب آخر؟؟؟؟

وهناك معلومة هامة ذكرها الدكتور جواد علي بكتابه " المفصل في تاريخ العرب ج3 –الفصل الثاني والثلاثون بعد المئة – فصل الأشهر الحرم" تعقيباً علي ما ذكره النبي بالرواية المنسوبة إليه الخاصة بحجة الوداع من أن المقصود بشهر رجب هو رجب مضر، فقد حدد راوي هذه الرواية أنه رجب مضر لوجود شهر آخر كان يسمي عند بعض قبائل العرب باسم رجب وهي قبيلة ربيعة وكان هذا الشهر هو شهر رمضان عندنا وهو معروف عندهم باسم رجب ربيعة. فقال:

"وقد نسب أهل الأخبار شهر رجب إلى مضر، فقالوا رجب مضر، وقد أشير إلى ذلك في الحديث أيضا، مما يدل على أن هذا الشهر هو شهر مضر خاصة. وقد ذكر العلماء أنه إنما عرف بذلك لأنهم كانوا لشد تعظيماً له من غيرهم، وكأنهم اختصوا به. وذكروا أيضاً أنهم كانوا يرجبون فيه، فيقدمون الرجبية، وتعرف عندهم بالعتيرة، وهي ذبيحة تنحر في هذا الشهر. ويقال عن أيامه هذه أيام ترجيب وتعتير. ويذكر علماء الأخبار أن تأكيد الرسول على "رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان" في خطبة حجة الوداع، هو أن ربيعة كانت تحرم في رمضان وتسميه رجباً، فعرف من ثم ب "رجب ربيعة"، فوصفه يكونه بين جمادى وشعبان تأكيد على أنه غير رجب ربيعة المذكور. الذي هو بين شعبان وشوّال. وهو رمضان اليوم. فرجب إذا عند الجاهليين رجبان: رجب مضر ورجب ربيعة، وبين الطائفتين اختلاف في مسائل أخرى كذلك."

مما سبق نستنتج أن شهر رجب الحالي (رجب مضر) تم تحريمه لأن قبيلة مضر كانت تعظم هذا الشهر وتحرمه.

فهل قال النبي أن من الأشهر الحرم رجب مضر أم رجب ربيعة أم رمضان؟؟؟؟؟ وحرفه لنا المنافقون وبني أمية والوضاعين وأضافوا لهذه الأشهر شهر محرم ليحرفوا لنا الأشهر الحرم كما حرفها من سبقهم من الأمم.

وهل يعقل أن يكون شهر محرم وشهر رجب اللذين لم يأت بالقرآن فرض أي عبادات أو شعائر بهما من الأشهر الحًرم، ولا يكون شهر رمضان من الأشهر الحُرم وهو الشهر الذي نؤدي فيه عبادة الصيام وشعائر عمرة رمضان ويعتكف فيه بعض المسلمين بالمسجد الحرام وغيره من المساجد في العشر الأواخر منه، وهو أيضاً الشهر العظيم المبارك الذي أنزل الله فيه القرآن بلية القدر التي يفرق الله فيها كل أمر حكيم، وتم فيه في ليلة نزول القرآن تغيير تركيبة الغلاف الجوي وملْ سماء أرضنا بحرساً شديداً وشهباً لمنع استراق الجن وأعمال السحر والكهانة كما شرحت بكتبي ومقالات سابقة، وهو أيضاً الشهر الذي كان جبريل ينزل فيه كل عام ليراجع مع النبي ما نزل من القرآن ويعيد ترتيبه وجمعه له وفق الخطة الإلهية الموضوعة من الله في هذا الشأن؟؟؟؟؟؟.

وقد حاول أهل السلف تعليل سبب حُرمة شهر رجب وشهر محرم بإدعاء وجود عمرة في رجب ومحرم لأنه الشهر الذي سيعود فيه الحجيج من مكة لأوطانهم فلا بد من تأمينهم بتحريم القتال والإغارة في هذا الشهر؟؟؟؟؟؟

وهو قول مردود لأنه لو كانت هذه هي العلة من تحريمهما لكان من باب أولي تحريم شهر شعبان وشوال أيضاً لأنهما الشهرين اللذين سيشهدان سفر الحجيج ذهاباً وإياباً لمكة لأداء شعيرة عمرة رجب ورمضان والاعتكاف في بيت الله الحرام. كما أن الإغارة علي الحجيج كانت تتم وهم ذاهبون لبيت الله الحرام لأنهم كانوا يحملون معهم الهدي (الأنعام) والقلائد المهداة لله أما وهم عائدون فلم يكن معهم شيء لينهبه منهم المغيرون عليهم.

لكن العلة من تحريم شوال وذو القعدة هي أن المسافرين لبيت الله الحرام في رمضان قد يوأدوا العمرة والاعتكاف ثم يتحللوا ويتمتعوا ويمكثوا بمكة حتى شهر ذي الحجة لأن المسافة بين بلادهم ومكة قد تستغرق شهرين، كما أن هناك حجيج كانوا ينتقلون من بلادهم في هذين الشهرين ليصلوا لمكة، وهذين الشهرين هما من أشهر العبادة والاعتكاف وأداء شعائر العمرة بمكة مصداقاً لقوله تعالي:

وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (البقرة:125)

وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (البقرة : 196 )

فقوله تعالي "فمن تمتع بالعمرة إلي الحج" يفيد وجود فترة زمنية طويلة بينهما تجبر المعتمر علي الإحلال والتمتع انتظاراً لموعد الحج، فالعمرة المذكورة هنا هي عمرة رمضان، والعاكفين في الآية 125 من سورة البقرة هم العاكفين بالمسجد الحرام في رمضان وفي شهري شوال وذي القعدة انتظاراً للحج. لكن الأشهر الحُرم لم تسلم من التحريف من المخربين لهذا الدين كما لم تسلم سائر العقائد والعبادات والأماكن المقدسة من التحريف بأحاديث مكذوبة نسبوها للنبي والله ورسوله بريئان منها.

ومسالة الأشهر الحرم الأربعة محسومة في سورة براءة في قوله تعالي:

بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (2) وَأَذَانٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3) إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (4) فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (5)......................يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (28) قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)..................... إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (36) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (37) (التوبة)

في الآيات السابقة من سورة التوبة بدأ الله السورة بإعلان براءته ورسوله من المشركين الذين سبق وأن وقع معهم المسلمين في وقت ضعفهم معاهدات صلح وهدنة فلم يحافظوا علي هذه العهود فغدروا بالمسلمين واعتدوا عليهم، فأمرهم بأن يسيحوا في الأرض أربعة أشهر هي مدة الأشهر الأربعة الحرم، وأن يعلنوا في يوم الحج الأكبر (العاشر من ذي الحجة لهذه السنة) هذه البراءة من كل من نقض عهده مع المسلمين وأن يستمروا في الإبقاء علي عهودهم مع المشركين الذين لم ينقضوا عهودهم معهم ولم يتحالفوا مع أي أحد من أعداء المسلمين إلي نهاية مدة هذه العهود، ثم أخبرهم المولي عز وجل أن المشركين نجس وعليهم أن يمنعوهم من الاقتراب من المسجد الحرام بإعلانهم بألا يحج البيت بعد هذا العام مشرك وإلا يطوف بالبيت عرياناً، وبعد انقضاء مدة الأربعة أشهر الحرم فعليهم أن يقتلوا المشركين الذين نقضوا عهودهم معهم أينما وجدوهم وأن يأخذوهم ويحصروهم ويتتبعوا تحركاتهم ويرصدوهم فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فليخلوا سبيلهم ويعتبروهم أخوانهم في الدين.

كل هذا يؤكد أن الأشهر الأربعة الحرم أشهر منسلخة من بعضها أي متتابعة ومتصلة وليس بينها أي فارق زمني مثل جلد الشاه المتصل والملتصق بلحمها والذي يتم سلخه من اللحم بعد الذبح. ونهاية هذه الشهر الأربعة هو عامهم الذي نزلت فيه سورة براءة والذي سينتهي بشهر ذي الحجة لأنه آخر شهر في العام الهجري أو السنة القمرية.

أذن الأشهر الأربعة الحرم التي سيسيح فيها المسلمون في الأرض ولا يقاتلوا المشركين هي: رمضان- شوال- ذو القعدة- ذو الحجة. وهي نفسها اشضهر الحج والعمرة، ويبدأ المسلمين في قتالهم اعتباراً من بداية السنة الجديدة في شهر محرم.

ومن ثم فالعمرة في رمضان هي الحج الأصغر ويوم ذبح الأنعام في العاشر من ذي الحجة هو يوم الحج الأكبر وشهر ذي الحجة هو شهر الحج الأكبر وشهر رمضان هة شعر الحج الأصغر (العمرة).

وقد حرم الله علي بني إسرائيل وهم يؤدون شعائر السبت (شعائر الحج والعمرة عند بيته المحرم بمكة علي ما شرحت بكتاب "كشف طلاسم وألغاز بني إسرائيل والدجال") صيد البحر وأحل لهم صيد البر، ثم في أمتنا الإسلامية حرم صيد البر وأحل لنا صيد البحر أي عكس ما شرع لبني إسرائيل، وتوعد من يخل بهذا التحريم بانتقام شديد فانتقم ممن اعتدوا في السبت بمسخهم لقردة؟؟؟؟؟

قال تعالي:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (المائدة:1)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (94) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (95) (المائدة)

وقد أوضح المولي عز وجل لنا سبب هذا التحريم سواء علينا أو علي بني إسرائيل بأته نوع من الابتلاء والاختبار لنا أثناء أداء شعائر الحج والعمرة ونحن حُرم، ومن ثم فلا علاقة لهذا التحريم بما ذهب إليه الباحثون المعاصرون في هذا الموضوع من أن سر التحريم هو موسم تزاوج الحيوانات والطيور في فصل الربيع لأن الحج مفروض أن يكون في موسم تزاوج هذه الحيوانات وألا نصطادها حتي لا تنقرض.

فلو كان هذا الكلام صحيحاً فلماذا حرم علي بني إسرائيل صيد البحر ولم يحرم عليهم صيد البر وهم يؤدون شعائر السبت عند بيته المقدس (البيت الحرام بمكة)؟؟؟؟؟.

أعتقد أن الأمور الآن أصبحت واضحة وجلية من كتاب الله ولا تحتاج لفزلكات أو شطحات. ولا يسعنا في النهاية سوي القول "والله اعلم".  ونسال الله أن يهدينا جميعاً للحق والصواب. 

ملحوظة تلقي التعليقات والرد عليها سيكون بصفحتنا علي الفيس بوك علي الرابط التالي:

https://www.facebook.com/profile.php?id=100001177479036&ref=tn_tnmn#!/profile.php?id=100001177479036



التعليقات


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل