إشكاليات علم الحديث وأسباب هجر الشباب المسلم للدين وكثير من العقلانيين والمستنيرين لكتب التراث وطعن الملحدين علي الإسلام


إشكاليات علم الحديث وأسباب هجر الشباب المسلم للدين وكثير من العقلانيين والمستنيرين لكتب التراث وطعن الملحدين علي الإسلام

  

هشام كمال عبد الحميد

 

 

هناك إشكاليات كثيرة كانت محل جدل ونقاش وشد وجذب وقبول ورفض بين علماء الحديث والجرح والتعديل وعلم الكلام والتفسير والفقه منذ النصف الثاني من القرن الثاني الهجري الذي أبتدئ فيه بتدوين الحديث النبوي وما زال الجدال مستمرا حتى الآن بين الباحثين المعاصرين، هذه الإشكاليات دفعت بعض الشباب لهجر الدين أو الكفر به لما فيها من خرافات وتناقضات وأشياء غير منطقية أو عقلية أو تعاليم تحض علي العنف والتطرف والكراهية وتسيء لرسول الله والأنبياء والذات الإلهية وما يحمله بعضها من تعاليم تأصل للدكتاتورية والتسليم المطلق لحكام السوء والجور ورجال الدين وتجذر لمبادئ توريث الحكم والنبوة وعدم تداول السلطة، وذهب بسببها بعض العقلانيين والمستنيرين لرفض جميع الأحاديث الموجودة بكتب الصحاح والسيرة والتفسير والفقه والاكتفاء بالقرآن فكل التناقضات في الدين والطعن عليه لم تأت إلا من هذه الأحاديث المنسوبة للنبي وهو منها بريئ والمكذوب أكثرها، والبعض الآخر ذهب للقول بأعمال العقل فيها وقياسها علي نصوص القرآن فما وافقه يتم الأخذ به وما ناقضه يتم رفضه وعدم قبوله فيتم الاسترشاد ببعضها ولا يتم الإقتداء والالتزام  بها والتسليم المطلق بصحتها (وأنا من أنصار هذا الفريق)، أما فريق السلفيين والوهابين والمتطرفين والمتعصبين لمذاهبهم وأئمتهم من رجال الدين والعوام من المسلمين من أهل السنة والشيعة علي حد سواء الذين تعودوا علي الإقتداء بالآباء الأولين (أهل السلف) والمراجع الدينيين وعدم مخالفتهم ولو كانت أقوالهم وفتاويهم تتعارض مع آيات القرآن الصريحة فدأبوا علي الأخذ بكل ما في كتب الأحاديث والتفسير والسلف غثها بثمينها دون دراية بما كان يحذرنا منه نفس هؤلاء العلماء الذين نقلوا لنا هذه الأحاديث من تناقضات وإشكاليات تتعلق بها أو نقض لسندها أو متنها.

وبعيداً عن تقسيمات الأحاديث إلي صحيح وصحيح لغيره وحسن وحسن لغيره وضعيف وضعيف جداً وموضوع ومنقطع وموصول.....الخ فيجب أولاً أن نفرق بين الحديث أو السنة النبوية والرواية، فالحديث هو المنسوب للنبي أما الرواية فهي منسوبة لصحابي أو تابعي من الدرجة الأولي أو الثانية أو الثالثة...الخ وهي تعبر في الغالب عن رأيه وليس ما قاله النبي، أو قد تكون الرواية تقص حادثة من الحوادث التاريخية التي وقعت بعد عصر النبي في عهود الخلافة وأحداث الفتنة الكبري، فهذه الروايات يجب ألا ندخلها ضمن الأحاديث أو السنة النبوية لأن الكثير من الناس يدمجها ضمنها نظراً إلي أنها مذكورة بكتب الصحاح.

ويمكن أن نلخص هذه الإشكاليات في الآتي بدون أي تفاصيل حتى لا نطيل الشرح:

1- أولي هذه الإشكاليات: عدم وجود حديث واحد من أحاديث كتب الصحاح تم كتابته في العصر النبوي ولهذا نجد سلاسل العنعنات في جميع الأحاديث والروايات، فجميع الأحاديث تم جمعها في النصف الثاني من القرن الثاني الهجري.

قال الهَرَوى: لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظاً ويأخذونها حفظاً، إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذي يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس وأسرع فى العلماء الموت، فأمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى بكتابة الأحاديث (إرشاد السارى شرح القسطلانى جـ1 ص 7).

وقال الغزالى فى الأحياء: بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منهما في زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدث بعد سنة 120 هـ وبعد وفاة جميع الصحابة وجلة التابعين رضى الله عنهم، وبعد وفاة سعيد بن المُسيب (توفى سنة 105هـ) والحسن (توفى سنة 110هـ) وخيار التابعين، بل كان الأولون يكرهون كتب الحديث وتصنيف الكتب لئلا ينشغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر (إحياء علوم الدين ج1 ص79 طبعة بولاق سنة 1296هـ ).

وعندما تولى هشام ابن عبد الملك سنة 105هـ  جد في هذا الأمر ابن شهاب الزُهرى الذي توفى سنة 124هـ . وقد اعتبر ابن شهاب الزهرى أول من دون الحديث.

وفى العصر العباسى هب رجال الدين إلى تدوين ما حفظ في الصدور ورتبوه وبوبوه وصنفوه كتباً.

قال ابن تعز بَردْى بكتاب "النجوم الزاهرة"  ج1 ص351 فى حوادث عام 143 هـ:

«وفى هذا العصر (سنة 143هـ) شرع علماء الإسلام فى تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جُريج التصانيف بمكة (توفي سنة 150هـ) وصنف سعيد ابن أبى عروبة (توفي سنة 156 هـ) وحماد بن سلمة (توفي سنة 167هـ) وغيرهما بالبصرة، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأى بالكوفة (توفي سنة 150هـ) وصنف الأوزاعى بالشام (توفي سنة 156هـ) وصنف مالك بالمدينة (توفي سنة 179 هـ) وصنف ابن إسحاق المغازى (توفي سنة 151هـ) وصنف معمر باليمن (توفي سنة 153هـ) وصنف سفيان الثورى كتاب الجامع بالكوفة (توفي سنة 161هـ) ثم صنف هشام كتبه (توفي سنة 188هـ) وصنف الليث بن سعد (سنة 175هـ) وعبد الله بن لهيعة (سنة 174هـ) ثم ابن المبارك (سنة 181هـ) والقاضى أبو يوسف يعقوب (سنة 182 هـ) وابن وهب ( سنة 197هـ). ولم يصلنا من هذه التصانيف إلا موطأ مالك.

وقال ابن حجر العسقلانى فى أول  مقدمة فتح البارى: أول من جمع ذلك الربيع ابن صبيح وسعيد بن عروبة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام، فصنف مالك الموطأ وتوخى فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم.

وفي نهاية القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث ظهرت طبقة البخارى الذى ولد سنة 194 هـ وتوفى سنة 256 هـ، فقام بجمع هذه الأحاديث والروايات الموجودة بكتب السيرة والمغازي وغيرها، وبدأ فى تنقيحها ومراجعة أسانيدها (حال رواتها من ناحية الصدق والكذب)، فجمع على ما ذكر ابن حجر العسقلانى فى الفتح عن أبى على الغسائى عن البخارى أنه جمع ستمائة ألف حديث، ولم يدرج بصحيحه إلَّا حوالى 4000 حديث منها هى ما رواه فى كتابه الجامع الصحح المعروف بصحيح البخارى، فالكتاب يضم حوالى 7000 حديث منهم حوالى 3000 حديث ورواية مكررة ليصبح الصافى 4000 حديث  تقريباً.

وبعد البخارى بدأ مسلم والترمذى والنسائى وأبو داود وكانوا معاصرين له (مسلم 204 - 268 هـ، وأبو داود 202 - 275 هـ) فى جمع الأحاديث والروايات من الكتب والمسانيد السابقة لهم وصنفوها فى كتب الصحاح والسنن إلى صحيح وضعيف، وكان كل منهم يكتب كتاباً يضم ما يراه صحيح السند من وجهة نظره وفق الأسس والمعايير التي يضعها كلاًّ منهم لتجريح أو تعديل رواة الحديث  ولقبول أو رفض الحديث، وكان تركيزهم جميعاً بما فيهم البخاري على سند الحديث بغض النظر عن متنه وبغض النظر عن موافقته أو معارضته للقرآن، وإذا صح السند صح عندهم المتن، إلا إذا كان متن الحديث ظاهر الكذب أو شاذًّا أو فيه بعض العلة.

2- الإشكالية الثانية: أن جميع الأحاديث والروايات الموجودة بكل كتب الصحاح والسيرة والتفسير والفقه هي أحاديث آحاد غير متواترة، أي لم تروي سوي عن طريق صحابي واحد ممن كانوا معاصرين للنبي صلي الله عليه وسلم. وعدد الأحاديث المتواترة بكل كتب الصحاح تعد علي أصابع اليد كما قال علماء الحديث. وهناك من قال لا يوجد حديث واحد متواتر لاختلاف علماء الحديث علي عدد الصحابة الذين يجب أن يكونوا سمعوا هذا الحديث من النبي.

وهذه إشكالية كبري فلا يعقل أن يقول النبي حديثا أمام جمع كبير من الصحابة أو خطبة جمعة أو مجلس له ولا يكون سمعه منه ورواه عنه سوي صحابي واحد (هذا إذا سلمنا أن هناك صحابي كان يحمل هذا الاسم وروي عنه هذا الحديث فعلاً).

وهناك شبه أجماع بين معظم علماء الحديث والجرح والتعديل علي التحذير من أحاديث الآحاد حيث قال معظمهم: إن أحاديث الآحاد أحاديث ظنية غير يقنية فلا يمكن القطع بأن قائلها هو رسول الله صلي الله عليه وسلم، وهذه الأحاديث لا تفيد علماً ولا توجب عملاً ولا يؤخذ بها في العقائد والأحكام.

فهل ألتزم المفسرين والفقهاء بهذا التحذير الصادر من المحدثين وعلماء الجرح والتعديل؟؟؟؟؟؟.

وممن أقر بذلك من المحدثين والعلماء علي سبيل المثال: المحدث الخطيب البغدادي- المحدث المناوي- الإمام النووي في التقريب وفي مقدمة شرح أحاديث مسلم- الإمام أبي حامد الغزالي- الأمدي- البيضاوي- التاج السبكي- الشنقيطي- الكراماستي- الشاطبي- القاضي الباقلاني- وهبة الزحيلي- ابن قدامة- عبد القادر الرومي- الشوكاني- السيوطي- السخاوي- الزركشي- العراقي- زكريا الأنصاري.

ويمكن مراجعة تفاصيل ما قاله هؤلاء المحدثين والعلماء في آحاديث الآحاد وبيان ذكر المراجع وأرقام الصفحات بكتبهم بمقالانا السابق علي الرابط التالي:

http://heshamkamal.3abber.com/post/208754

3- هناك روايات بكتب الصحاح تقول أنه في عصر أبي بكر وعمر نهي كلاً منهما عن كتابة الأحاديث النبوية حتى لا يشغلوا الناس بها عن القرآن، وحاول البعض تبرير فعلتهم هذه بالقول بأنهم فعلوا ذلك حتى لا تختلط الأحاديث مع القرآن الذي كان غير مجموعا حسب أدعائهم، وقد أوضحت بكتاب "الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن بعد العصر النبوي" كذب هذه المقولة وذكرت الأحاديث والروايات المذكورة بكتب الصحاح التي جاء بها أن عملية الجمع والترتيب لسور القرآن تمت في العصر النبوي وتحت إشراف ومراجعة جبريل بنفسه وأن النبي ترك مصحفاً مجموعاً وسلم نسخ منه للصحابة قبل وفاته وكان عند عائشة وحفصة نسخة منه وعند ابن عباس نسخة علي ما جاء بروايات البخاري وغيره.

من مراسيل ابن أبى مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافاً، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا: بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرِّموا حرامه (تذكرة الحفاظ للذهبى - ج1 ص3).

وعن يحي بن جعدة أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ثم بدا له أن لا يكتبها، ثم كتب في الأمصار من كان عنده شيء فليمحه (جامع بيان العلم وفضله ص 64 ، 65 ج1، طبقات ابن سعد طبعة ليدن لابن عبد البر ج1 / 3 ص 206).

وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقى في المدخل عن عروة أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله في ذلك فأشاروا عليه أن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله شهراً، ثم أصبح يوماً وقد غرم الله له فقال: إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فاكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً.

وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال: سألت القاسم بن محمد أن يملى علىَّ أحاديث فقال: إن الأحاديث كثرت على عهد ابن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال: مثناة كمثناة أهل الكتاب، قال: فمنعنى الناس القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثاً (طبقات ابن سعد - جـ 5 - ص 140، تقييد  العلم للبغدادى ص 52)

فلماذا أمتنع أبي بكر وعمر عن جمع وكتابة الحديث في عهدهما (إذا صحت هذه الوقائع المروية عنهما) رغم استحسان كبار الصحابة الذين استشاروهم لهذا الأمر؟؟؟؟؟.

وهل كان أبي بكر وعمر طبقاً لما جاء بهذه الروايات من القرآنيين الذين لا يؤمنون سوي بالقرآن ويرفضون السنة النبوية وفق تعريفات ومفاهيم السلفيين المعاصرين؟؟؟؟؟ أم كان لهم أغراض أخري من عدم كتابة الأحاديث النبوية والشرح النبوي للقرآن؟؟؟؟؟.

4- عدم وجود كتاب تفسير للقرآن منسوب للنبي مع عدم وجود أي أحاديث نبوية بها أي شرح لآيات القرآن في الوقت الذي نجد فيه أحاديث تذكر أدق التفاصيل الخاصة في حياة النبي الأسرية والزوجية وهو ما يضع مائة علامة استفهام علي الأحاديث بجملتها، فأين ذهبت خطب الجمع للرسول وهي تزيد علي خمسمائة خطبة من تاريخ بعثته وحتى وفاته، والتي كان يتلو فيها كل جمعة لجموع المسلمين ما نزل عليه من قرآن خلال الأسبوع ويشرح ويفسر لهم هذه الآيات وما بها من أحكام وعبادات أو يفصل لهم قصص الأنبياء المذكورين بالقرآن أو سيرة أصحاب القرون الأولي قبل الطوفان أو الأمم الغابرة التي أهلكها الله بعد الطوفان، ويوضح لهم بعض الألفاظ أو الآيات المبهمة بالقرآن.....الخ، ليوضح ويبين للناس ما نزل إليهم مصداقاً لقوله تعالي:

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:44)

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (النحل:64)

إن أحاديث النبي لم تكن سوي تفسير وتفصيل وبيان لسور وآيات وأحكام وعبادات وقصص القرآن فكيف ينهي النبي عن كتابتها وكيف لا يجمعها مثل القرآن في عصره لأنها تمثل التفسير والبيان النبوي للقرآن وفق ما كان يشرحه ويفصله ويوحيه له المولي عز وجل؟؟؟؟؟.

فأين ذهبت هذه الخطب أو البيان النبوي للقرآن، ولماذا لم تدون وتجمع مثل الأحاديث التي تم نقلها لنا؟؟؟؟؟؟.

هل كان هناك أيادي خفية في الإسلام تعمل علي هدم هذا الدين من الداخل بنشر الأحاديث المكذوبة وإخفاء الأحاديث الصحيحية والبيان النبوي للقرآن والتعتيم عليها بأحاديث مضللة ومناقضة للقرآن؟؟؟؟؟؟.

5- إن أصحاب علم الحديث اعتبروا جميع الصحابة عدول ثقة، وعرفوا الصحابي بأنه كل من صحب أو تحدث أو شاهد النبي ولو عن بعد وبدون أن يتحدث معه، أي باختصار كل من كان معاصراً للنبي ولو لم يصحبه، وهذا يتنافي مع أي منهج علمي في التوثيق والبحث.

والإشكالية الأخرى هنا في المنافقين من الأعراب ومن أهل المدينة الذين كانوا من الصحابة ومنهم من كان مقرباً من النبي ومتمرسا وحاذقا في نفاقه لدرجة أن الرسول لم يستطع كشفه ولم يكشفهم الله لرسوله ولكن ذكر له بعض أوصافهم وتصرفاتهم بسورة براءة، وقد أكد لنا المولي عز وجل ذلك في قوله تعالي:

وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (التوبة:101)

ولم يكن لدي المسلمين عند جمع الأحاديث في القرن الثاني الهجري كشوف بأسماء الصحابة أو المنافقين ليستبعدوا أي أحاديث مروية عنهم أو يتأكدوا أن الصحابي المروي عنه الحديث بالفعل كان معاصراً للنبي (هذا إذا سلمنا بأن الصحابي روي بالفعل هذا الحديث المنسوب له فمن يكذب علي النبي لن يستصعب عليه الكذب علي غيره من الصحابة وتقويله ما لم يقله بعد موته بأكثر من قرن)، ولنا أن نتخيل كم الأحاديث الموضوعة التي رويت عن المنافقين أو المجهولين من الصحابة بعد قرن ونصف من عصر النبوة.

6- بعد موقعة الجمل وأحداث الفتنة الكبرى وانقسام المسلمين إلي فرق وأحزاب ومذاهب أشهرها المذهب السني والشيعي بدأ كل فريق منهم يرفض أي رواية أو حديث فيه رجل من فرقة أو مذهب غير مذهبه، فالسنة ضعفوا كل حديث في سنده رجل شيعي والشيعة رفضوا أي حديث فيه رجل سني أو من أتباع وأنصار أبي بكر وعمر وعثمان والأمويين. ومن ثم تم مذهبة وعرقنة الرواية والحديث ولم تعد الأسس التي يتم علي أساسها رفض أو قبول الحديث أسس تتسم بالموضوعية أو الحياد أو المنهج العلمي في البحث والتقصي للوصول للحقائق والأحاديث الصحيحة.

7- وجود أحاديث بكتب الصحاح مروية عن النبي ينهي فيها المسلمين عن كتابة أحاديثه والله أعلم بمدي صحتها، هذا بالإضافة إلي الأحاديث التي حذرنا فيها النبي ممن سيتقولون عليه الأقاويل من بعده فيكتبون أحاديث مكذوبة وينسبوها له. وهو ما دفع البعض إلي الاحتجاج بها ورفض أي حديث منسوب للنبي لعدم حاجتنا إليه.

عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: «لا تكتبوا عنِّى شيئاً سوى القرآن، فمن كتب عنِّى غير القرآن فليمحه» (رواه مسلم وأحمد والترمذى والنسائى والدارمى)

ورواية الترمذى عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد قال: استأذنا النبى فى الكتابة فلم يأذن لنا (ص 91 - جـ 2 - طبع بالهند، نقلاً عن أضواء على السنة المحمدية - محمود أبو رية ص 19 - دار المعارف).

ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث وأمر إنساناً أن يكتبه فقال له زيد : إن رسول الله أمرنا ألا نكتب شيئاً من حديثه فمحاه (شرح شروط الأئمة الخمسة للحازمى ص 48 – 49).

وهذه كارثة كبري، فهل نهي فعلاً النبي صلي الله عليه وسلم عن كتابة أحاديثه كما جاء بهذه الروايات؟؟؟؟؟؟.

فخطب الجمع هي التفسير والبيان النبوي للقرآن والشريعة الإسلامية حتى لا نضل في تفسيره وكان من المفترض أن تنقل لنا هذه الخطب التي شهدها وسمعها المئات أو الآلاف من الصحابة بأحاديث متواترة ومدونة في عصر النبوة.

8- أن أكثر من 70% من الأحاديث بكل كتب الصحاح لا تخلو من الطعن في سندها (أحد رواة الحديث في سلسلة السند) أو متنها بما فيها ما رواه البخاري الذي يعتبره أهل السنة اصح كتاب بعد كتاب الله، هذا بالإضافة لوجود أحاديث كثيرة داخل المذهب الواحد أو بين مذهب وآخر يناقض بعضها بعضا أو يتناقض متنها مع آيات صريحة وواضحة في القرآن أو مع العقل والمنطق أو مع الحقائق التي ثبت صحتها علمياً أو تاريخياً أو فلكيا.....الخ. وهو ما دفع الكثيرون للكفر بكل الأحاديث وعدم الاحتجاج بها.

فهناك حوالي 394 رجل من الرجال الذين أعتمد عليهم البخاري في تخريج أحاديثه وعدلهم ولم يجرحهم  (ومن ثم اعتبر الأحاديث أو الروايات المروية عنهم صحيحة) مطعون عليهم من مجموعة كبيرة من المحدثين وعلماء الجرح والتعديل، منهم النسائي والترمذي ومسلم والدراقطني وابن عُدي وعلي بن المديني وأبو الفتوح الأزدي والعراقي والخطيب البغدادي وأبو داود وابن معين والمقدسي والعقيلي وأحمد بن حنبل وغيرهم.

وقد ذكر ابن حجر العسقلاني بالفصل التاسع من كتاب مقدمة فتح الباري ج1 أسماء الرجال المطعون عليه في صحيح البخاري، ولتعصبه المعروف للبخاري حاول أن يبرأ الكثير منهم من الطعون والأنتقادات الموجهة لهم متجاهلاً أن المبدأ في علم رجال الحديث أن الجرح مقدم علي التعديل، ويمكن الرجوع لأسمائهم وما قيل في كل منهم بكتاب مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني الفصل التاسع.

وقدانتقد الحفاظ البخارى فى 110 حديث منها 32 حديثاً وافقه مسلم فيها و 78 انفردهوبها.

والأحاديث المنتقدة المخرجة عند البخارى ومسلم معاً بلغت 210 حديثاً اختص البخارى منها بأقل من 80 حديثاً والباقى يخص مسلم .

هذا بخلاف الأحاديث التي تم نقدها لهما ولسائر ما بكتب الصحاح من الباحثين المعاصرين وهي بالمئات.

والرجال الذين انفرد البخاري بالتخريج لهم دون مسلم اربعمائة وبضع وثلاثون المتكلم فيه بالضعف والتجريح منهم 80 رجلاً، والذي انفرد مسلم بالإخراج لهم دون البخاري 620 رجلاً المتكلم فيه بالضعف والتجريح منهم 160 رجلاً.

وهناك رواة روي عنهم البخاري ولم يرتضيهم مسلم ومن أشهرهم عكرمة مولي ابن عباس، وهناك رجال روي عنهم مسلم ورفض البخاري التخريج عنهم.

 9- بدأ الشيعة في كتابة رواياتهم وأحاديثهم بعد ظهور كتب أهل السنة بحوالي قرنين فظهر أول كتاب أحاديث عندهم وهو كتاب الكافي للكليني (توفي 325هـ) وهو مثل البخاري عند أهل السنة، ومن بعده توالت كتب الحديث، وهم لا يعترفون إلا بالأحاديث المروية عن أئمة آل البت الأثني عشر، وهذه الأحاديث لم تكتب أو تجمع في عصور هؤلاء الأئمة ايضاً، ومعظم أحاديثهم وتفسيراتهم للقرآن منصبة علي موضوع الخلافة والحكم وأحقية علي وآل البيت في وراثة النبوة والحكم علي المسلمين وعقيدة المهدي المنتظر، وهي روايات يشوبها الكثير من النقض والشطحات والمبالغات والفبركات ولي عنق آيات القرآن لتفسيرها وفق عقائد مذهبهم في احقية علي وآل البيت في الخلافة وفضائلهم علي سائر البشر بأمور تناقض الكثير من آيات القرآن الصريحة في مسائل الخلافة والشوري والحكم وتوريث النبوة، فقد أختزلوا الدين كله في علي وآل البيت والحسن والحسين، ووظفوه لخدمة أغراضهم السياسية. علي ما شرحت بكتاب "الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن" ومقالات سابقة. والشيعة فرق متعددة مختلفة في كثير من عقائدها وتفسيراتها لموضوع الخلافة وآل البيت مثل السنة وأشهرهم الشيعة الأثني عشرية.

 

وما زالت هذه الأحاديث هى المادة الخصبة التي يستند عليها أعداء الإسلام فى مهاجمة الإسلام والقرآن والرسول لما فيها من أكاذيب ومنكرات وفضائح وإساءات في بعض الأحيان لله والأنبياء ورسولنا الكريم وبعض أزواجه وصحابته. ناهيك عن أحاديث جمع القرآن المكذوبة علي ما شرحت بكتاب "الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن" التي تشكك في القرآن وتسيء إليه وتؤكد لك أن أجزاء منه تم تحريفها وضياعها.

وقد آن الأوان لمراجعة هذه الأحاديث وتنقيحها وتخليص المسلمين من الضعيف والموضوع والمنكر والشاذ منها؛ لأن الحرب أصبحت حرب ضروس وعلى المكشوف وتجاهلها أو غض الطرف عنها لن يبرئنا، بل سيصبح حجة لأعدائنا يبرهنون بها على صدق افتراءاتهم علينا لأننا لم نجرؤ على المواجهة أو الرد، وبالقطع رجال ديننا ومؤسساتنا الدينية السنية والشيعية لا تريد الرد وتهرب من هذه المواجهة لأنها حامية هذه الكتب والمروجة لها وهذه الأحاديث هي المصدر الأساسي لفتاويهم وتفسيراتهم وعقائدهم؛ وهي لا تريد الاعتراف باشتمال كتب الصحاح السنية خاصة البخارى ومسلم أو الأحاديث المنسوبة لأئمة أهل البيت عند الشيعة على الصحيح والضعيف والحسن والموضوع والمقبول والمرفوض والشاذ وغير ذلك، وكأن أمر هدم الإسلام والقرآن والإساءة للنبى وأزواجه وصحابته أهون عندهم من أمر التشكيك في صحة بعض روايات وأحاديثالبخارى ومسلم وكتب الصحاح والأئمة عند كل مذهب.

 

 

 




 

0 التعليقات | "إشكاليات علم الحديث وأسباب هجر الشباب المسلم للدين وكثير من العقلانيين والمستنيرين لكتب التراث وطعن الملحدين علي الإسلام"

 

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 262
  • مجموع التعليقات » 727
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة