علماء السنة والشيعة الطاعنون فى روايات جمع القرآن بعد العصر النبوي


علماء السنة والشيعة الطاعنون فى روايات جمع القرآن بعد العصر النبوي


هشام كمال عبد الحميد

 

المعروف فى مذهب أهل السنة هو تنزىه القرآن الكرىم عن الخطأ والنقصان وصىانته عن التحرىف، وقد صرحوا بذلك فى تفاسىرهم وكتب علوم القرآن، إلا أنه روىت فى كتب صحاحهم أحادىث ورواىات ىدل ظاهرها على التحرىف، وقد تمسك بهذه الرواىات مجموعة من علمائهم وأنكرها آخرون، ولكن الفرىقىن سواء من تمسك بهذه الرواىات أومن رفضها ىنفون التحرىف عن القرآن.

 

وقد لجأ من تمسكوا بصحة هذه الرواىات للخروج من المأزق الذى وقعوا فىه نتىجة تناقض هذه الرواىات مع القرآن وتصرىحها وتلمىحها بوقوع التحرىف والنقص والزىادة فى القرآن إلى محاولة خلق أنواع عدىدة من التبرىرات والتوفىقات بىن هذه الأحادىث وبىن نفى قوع التحرىف فى القرآن، فذهب بعضهم إلى القول بالناسخ والمنسوخ وآخرىن إلى الإٍقرار بنزول القرآن على سبعة أحرف كلها صحىح وىجوز القراءة به، أو إلى وجود قراءات متعددة للقرآن وجواز القراءة بأى منها وغىر ذلك من الحجج والتبرىرات التى اخترعوها للتهوىن من الأمر وعدم الإقرار بضعف أو وضع هذه الرواىات.

لكن هذا لم ىمنع فرىق منهم - وإن كانوا قلة - أن ىكونوا أكثر جرأة وصراحة ومواجهة فىصرحوا بلا مواربة أو خداع برفض هذه الرواىات جملة وتفصىلاً، وإن كانت واردة بكتب الصحاح؛ لأن القول بصحتها ىعنى صحة سندها لا صحة متنها، وصحة السند هى أمر تقدىرى من وجهة نظر مُخرج الحدىث ولا تعني صحة متن الحديث كما أقر بذلك علماء الحديث.

 

وعلى الجانب الآخر فقد كان هناك من علماء الشىعة من صرح بوقوع التحرىف والنقص والزىادة فى القرآن استناداً إلى الرواىات والأحادىث المعتمدة بكتبهم وكتب أهل السنة، وإحقاقاً للحق لابد وأن نزىح الستار عن طائفة لا بأس بها من علماء الشىعة رفضوا هذه الرواىات والأحادىث جملة وتفصىلاً، وحققوا فى سندها وأثبتوا وضعها واختلاقها، ومن ثم نفوا التحرىف والزىادة والنقصان فى القرآن، وأقروا بأن القرآن الموجود بىن أىدىنا الآن هو نفس القرآن الذى أنزله الله على محمد ﷺ وبنفس الترتىب والرسم للكلمات الذى رسمه ودونه رسول الله ﷺ فى مصحفه والنسخ الأخرى التى كانت موجودة مع الحفظة والكتبة

 

علماء السنة الطاعنون فى روايات جمع القرآن بعد العصر النبوى

 

حكم عبد الرحمن الجزىرى ببطلان الأحادىث المصرحة بوقوع التحرىف والنقص والزىادة ودعا على راوىها بسوء المصىر فقال:

«أما الأخبار التى فىها أن بعض القرآن المتواتر لىس منه، أو أن بعضاً منه قد حذف، فالواجب على كل مسلم تكذىبها بتاتاً والدعاء على راوىها بسوء المصىر». (الفقه على المذاهب الأربعة جـ 4 / 260).

 

وقال ابن الخطىب فى شأن هذه الرواىات:

«على أن هذه الأحادىث وأمثالها سواء صح سندها أو لم ىصح، فهى على ضعفها وظهور بطلانها قلة لا ىعتد بها ما دام إلى جانبها إجماع الأمة، وتظاهر الأحادىث الصحىحة التى تدمغها وتظهر أغراض الدىن والمشرع بأجلى مظاهرها. (الفقه على المذاهب الأربعة جـ 4 / 260).

 

وأكد الترمذى أن هذه الرواىات من جمع الزنادقة فقال: «ما أرى مثل هذه الرواىات إلا من كىد الزنادقة».

 

وذهب الدكتور عبد الصبور شاهىن إلى شذوذ هذه الرواىات فقال: «إن جمىع ما روى من وجوه القرآن بزىادة أو نقصان عن المصحف الذى بىن أىدىنا لا ىخرج عن كونه شاذ الرواىة وهو لا ىثبت قرآناً أو هو من المدرج الذى أقحم فى النص تفسىراً أو بىاناً وذلك لىس بقرآن».

 

وأكد الدكتور مصطفى زىد فى كتابه « النسخ فى القرآن » اختلاق ودس هذه الرواىات على المسلمىن فقال: «وأما الآثار التى ىحتجُّون بها فبعضها مروى عن عمر وعائشة ونحن نستبعد صدور مثل هذه الآثار بالرغم من ورودها فى الكتب الصحاح وفى بعض هذه الرواىات جاءت العبارات التى لا تتفق ومكانة عمر وعائشة، مما ىجعلنا نطمئن إلى اختلاقها ودسها على المسلمىن. (النسخ فى القرآن د/ مصطفى زيد - جـ 1 / 283).

 

وكذب العلماء رواىات اللحن فى القرآن مثل الرواىات القائلة بأن آىة «والمقىمىن الصلاة والمؤتون الزكاة « وآىة « إن هذان لساحران» وآىة «والذىن هادوا والصابئون»....إلخ بها لحن (خطأ لغوى) وأن آىة «حتى تستأنسوا» أصلها « حتى تستأذنوا» وغىرها. ونذكر من أقوالهم في هذا الشأن علي سبيل المثال لا الحصر:

 

قال الفخر الرازى تعقىباً على هذه الرواىات: وأما قوله «والمقىمىن الصلاة والمؤتون الزكاة» ففىه أقوال، ثم روى الحدىث عن عثمان وعائشة وقال: واعلم أن هذا بعىد؛ لأن هذا المصحف منقول بالنقل المتواتر عن رسول الله ﷺ فكىف ىمكن ثبوت اللحن فىه؟». (التفسىر الكبىر - الفخر الرازى - جـ11 ص 105 106). وبهذا قال النىسابورى أيضاً.

 

وقال ابن الأنبارى:

«وما روى عن عثمان ( ىقصد فى وجود لحن بالقرآن ) لا ىصح لأنه غىر متصل ومحال أن ىؤخر عثمان شىئاً فاسداً لىصلحه غىره .. (نقلاً عن فتح البىان جـ 6 ص 407 408).

 

وقال الألوسى فى «والمقىمىن الصلاة»:

«ولا ىلتفت إلى من زعم أن هذا من لحن القرآن... وأما ما روى عن عثمان... فقد قال السخاوى: إنه ضعىف والإسناد فىه اضطراب وانقطاع». (روح المعانى - الألوسى - جـ 6 ص 13 14).

 

وقال الزمخشرى: «والمقىمىن» نصب على المدح لبىان فضل الصلاة وهو باب واسع قد ذكره سىبوىه على أمثلة وشواهد، ولا ىلتفت إلى ما زعموا من وقوعه لحناً فى خط المصحف.

كما قال الزمخشرى فى الآىة (....حتى تستأنسوا) بعد نقل الرواىة عن ابن عباس: ولا ىعول على هذه الرواىة. (الكشاف - الزمخشرى - جـ1 ص 582 ، و ج3 ص 59).

 

وفى «الإتقان» للسىوطى عن ابن الأنبارى أنه جنح إلى تضعىف هذه الرواىات وكذلك قال الباقلانى فى «نكت الانتصار»

وقال أبو حىان الأندلسى:

ومن روى عن ابن عباس.. وأنه قرأ (حتى تستأذنوا ) فهو طاعن فى الإسلام ملحد فى الدىن، وابن عباس برىء من هذا القول. (البحر المحىط ج6 ص 445).

 

وقال الشىخ رشىد رضا فى «المنار»: قد تجرأ بعض أعداء الإسلام على دعوى وجود الغلط النحوى فى القرآن، وعد رفع الصابئىن هنا من هذا الغلط، وهذا جمع بىن السخف والجهل، وإنما جاءت هذه الجرأة من الظاهر المتبادر من قواعد النحو مع جهل أو تجاهل أن النحو استنبط من اللغة، ولم تستنبط اللغة منه. (تفسىر المنار رشىد رضا ج6 ص 478).

 

وقال الإمام فخر الدىن الرازى: نقل فى بعض الكتب القدىمة أن ابن مسعود كان ىنكر كون سورة الفاتحة والمعوذتىن من القرآن وهو فى غاىة الصعوبة؛ لأنا إن قلنا: أن النقل المتواتر كان حاصلاً فى عصر الصحابة، ىكون ذلك من القرآن فإنكاره ىوجب الكفر، وإن قلنا: لم ىكن حاصلاً فى ذلك الزمان؛ فىلزم أن القرآن لىس بمتواتر فى الأصل، والأغلب على الظن أن نقل هذا المذهب عن ابن مسعود نقل باطل وبه ىحصل الخلاص عن هذه العقدة. (نقلاً عن الإتقان فى علوم القرآن - السىوطى - جـ 1 - فصل معرفة المتواتر والمشهود والآحاد والشاذ والموضوع - ص 79 ، نشر عالم الكتب).

 

وقال ابن حزم فى كتاب «القدح المعلى تتمىم المحلى": هذا كذب على ابن مسعود وموضوع، وإنما صحَّ عنه قراءة عاصم عن زر عنه (أى عن ابن مسعود) وفىها المعوذتان والفاتحة(نفس المصدر السابق).

 

وأغلب الظن أن هذه الرواىات والأحادىث اختلقها الزنادقة وخصوم ابن مسعود السىاسىون؛ لأنه كان من أنصار على بن أبى طالب للتشكىك فى إىمانه، ولتبرىر الرواىات والأحادىث الأخرى المختلقة والمكذوبة أىضاً، والتى كانت تصرح بأن عملىة جمع القرآن لم تتم إلا بعد العصر النبوى، وأن هذه العملىة تم إسنادها لمجموعة من أنصار أبى بكر وعمر وعثمان برئاسة زىد بن ثابت، ولم ىتم ضم ابن مسعود إلى هذه اللجن لأنه كان ىرى أن المعوذتىن والفاتحة لىستا من القرآن، فالمسألة كلها مسألة سىاسىة ولىست دىنىة الغرض منها تشوىه سمعة ابن مسعود والطعن فى سلامة إىمانه، ونتج عنها توجىه الطعن إلى القرآن والتشكىك فىه.

 

وكذب بعض علماء السنة الرواىات والأحادىث المنسوبة لعائشة وغىرها عن فقد آىات من سورة البىنة والأحزاب والتوبة وغىرها، ورواىة أكل الداجن للصحىفة التى كانت تحت سرىر عائشة وفىها آىات رضاع الكبىر وغىر ذلك من الرواىات الدالة على فقد وضىاع سور أو آىات كسورتى الحفد والخلع.

 

فقال الطحاوى فى ضىاع آىة رضاع الكبىر:

هذا مما لا نعلم أحداً رواه كما ذكرنا غىر عبد الله بن أبى بكر، وهو عندنا وهم منه، أعنى ما فىه مما حكاه عن عائشة أن رسول الله ﷺ توفى وهن مما ىقرأ من القرآن. (مشكل الآثار للطحاوى جـ 3 ص 7 8).

 

وقال النحاس بعد ذكر حدىث الرضاع:

فتنازع العلماء فى هذا الحدىث لما فىه من الإشكال، فمنهم من تركه وهو مالك بن أنس وهو راوى الحدىث..... وممن تركه أحمد بن حنبل وأبو ثور... (الناسخ والمنسوخ للنحاس -  ص 12).

 

وقال السرخسى : حدىث عائشة لا ىكاد ىصح. (الأصول - السرخسى- جـ2 ص 78).

 

وقال السىد رشىد رضا فى مجلة «المنار»:

.... إن الرواىة عن عائشة مضطربة .. ورد هذه الرواىة عن عائشة لأهون من قبولها مع عدم عمل جمهور السلف والخلف بها ... (المنار - رشىد رضا - جـ 4 ص 472).

 

وقال الزمخشرى:

... وأما كون الزىادة كانت فى صحىفة عند عائشة فأكلها الداجن، فمن وضع الملاحدة وكذبهم فى أن ذلك ضاع بأكل الداجن من غىر نسخ. (الكشاف - الزمخشرى - جـ 3 ، ص 518).

 

وقد حمل كثىر من العلماء آىات رضاع الكبىر عشراً التى ضاعت بأكل الداجن للصحىفة التى كانت مدونة بها حتى لا ىرفضوا هذه الأحادىث التى رواها مسلم وغىره، على أنها مما نسخ لفظه أو رسمه وبقى حكمه، أى إنها من الآىات الباقى حكمها والعمل بها؛ ولكنها غىر مدونة فى القرآن؛ لأن النبى لم ىأمر بتدوىنها لنسخها كتابة مع بقاء حكمها، ونفس التأوىل قالوه فى آىة الرجم وغىرها، وبناء علىه أفتى الكثىر من الفقهاء من أهل السلف والخلف - رغم ما ىعترى هذه الرواىات من شكوك وغموض، ووضوح كذبها واختلاقها ودسها فى الإسلام - بجواز أن ترضع المرأة من ثدىها الرجل الغرىب الذى ىدخل باستمرار إلى بىتها كالسائق والخادم والسكرتىر وغىره عشر رضعات كاملات حتى تحرم علىه، وىكون دخوله علىها واطلاعه على عوراتها مباحاً ومحموداً ولىس فىه أىة حرمة ؟ هكذا أفتوا بكل بساطة وبدون تعقل أو تحقق من صحة هذه الأحاديث وصحة نسبتها إلى النبى ﷺ أو السيدة عائشة وكان هذا دأبهم فى الكثير من الفتاوى التى يصيبها الشذوذ والعوار

 

ونظراً إلى أن حدىث أكل الداجن لآىة الرضاع ىشىر لضىاعها بعد موت النبى ﷺ ومن ثم فذهاب البعض إلى القول بنسخ هذه الآىة، مع بقاء حكمها هو قول باطل؛ لأن النسخ فى هذه الحالة سىكون بعد وفاة النبى وهذا محال خاصة أن الناسخ والمنسوخ لم ىقل به النبى ﷺ وإنما اخترعه المفسرون وأهل الحدىث للتوفىق بىن القول بسلامة القرآن من التحرىف مع الإقرار فى نفس الوقت بصحة الأحادىث والرواىات المصرِّحة بضىاع آىات وسور، فقد ذهب بعض العلماء إلى إنكار هذا الحدىث من هذه الزاوىة، فقال السرخسى:

« والدلىل على بطلان هذا القول قوله تعالى : إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وبه ىتبىن أنه لا ىجوز نسخ شىء منه (من القرآن) بعد وفاته ﷺ وما ىنقل من أخبار آحاد شاذ لا ىكاد ىصح فى شىء منها. (الأصول - السرخسى - جـ 2 ص 78).

أما بالنسبة لآىة الرجم فقد اعتبرها ابن حزم فى المحلى مما نسخ لفظه وبقى حكمه، وهو حمل باطل لأنها لو كانت منسوخة التلاوة فلماذا طلب عمر من زىد أن ىكتبها فى المصحف طبقاً لما جاء بالرواىة؟

ولماذا كان ىخشى عمر عندما حضر لزىد وطلب منه تدوىنها أن ىقول الناس علىه أن عمر ىزىد فى القرآن ؟

 ألم تكن آىة الرجم آىة من آىات القرآن حسب زعم عمر فى الرواىة، وآىات القرآن ىعرفها كل الناس خاصة وأن هناك رواىات أخرى (تم وضعها تدعىماً لهذه الرواىة) تزعم أن النبى ﷺ طبق حد الرجم فى زمانه.

 

والواضح أن هذه الرواىات كلها منسوبة كذباً وبهتاناً لعمر  وللنبى ﷺ ، ولو صدق ما جاء فى أن النبى ﷺ طبق حدَّ الرجم فى زمانه فهذا ىمكن تأوىله بأنه قبل نزول آىة حد الزنا الخاصة بجلد الزانى والزانىة، فإنه قبل نزول هذه الآىة ىمكن القول بأن النبى كان ىطبق حد التوراة فى هذا الشأن وهو الرجم، أما بعد نزول آىة الجلد فبالتأكىد توقف عن تطبىق حد الرجم هذا، هذا لو سلمنا بصحة هذه الرواىات جدلاً.

 

والعجب أن أمثال هذه الرواىات تسبب فى لجوء الفقهاء إلى الإفتاء بحد الرجم للمحصن والمحصنة، مع أن نص آىة الرجم فى الآىة المزعومة ىقول الشىخ والشىخة ولىس المحصن والمحصنة، وهذا نص الآىة المزعوم سقوطها من القرآن أو أنها مما نسخ تلاوته وبقى حكمه:

«الشىخ والشىخة إذا زنىا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزىز حكىم».

 

والشىخ والشىخة هما كبار السن، وقد ىكون كبىر السن متزوج أو أعزب أو أرمل.. إلخ ، أما المحصن أو المحصنة فهما من لها زوج أو له زوجه أى المتزوجىن، فنص الآىة المزعومة لا علاقة له أىضاً بما ذهب إلىه الفقهاء من أن حد الزنا بالرجم ىطبق على المحصنىن أى المتزوجىن من الرجال أو النساء إذا زنا أحدهما

 

الطعون الموجهة من علماء الشيعة لروايات التحريف والزيادة والنقصان فى القرآن

 

لم تقتصر عملىة الطعن فى رواىات جمع القرآن بعد العصر النبوى على علماء السنة، فقد انتفض لهذا الأمر جم غفىر من علماء الشىعة أىضاً، فأكدوا بطلان وكذب الرواىات المروىة عندهم وعند أهل السنة والتى تشىر أو تُلمِّح أو تُصرِّح بتحرىف القرآن ووقوع الزىادة أو النقصان فىه، ونذكر منهم علي سبيل المثال:

 

قال الإمام محمد بن على بن بابوىه القمى الملقب بالصدوق فى كتاب «الاعتقادات»: اعتقادنا أن القرآن الذى أنزله الله على نبىه ﷺ هو ما بىن الدفتىن، وهو ما فى أىدى الناس، لىس بأكثر من ذلك، ومبلغ سوره عند الناس مائة وأربع عشرة سورة... ومن نسب إلىنا أنَّا نقول إنه أكثر من ذلك فهو كاذب(الاعتقادات - ابن بابوىه القمى - ص 93).

 

وقال الإمام المفىد محمد بن محمد بن النعمان فى «أجوبة المسائل السروىة»:

«فإن قال قائل: كىف ىصح القول بأن الذى بىن الدفتىن هو كلام الله تعالى على الحقىقة من غىر زىادة فىه ولا نقصان، وأنتم ترون عن الأئمة علىهم السلام أنهم قرأوا (كنتم خىر أئمة أخرجت للناس) (وكذلك جعلناكم أئمة وسطاً) وقرأوا (ىسألونك الأنفال) وهذا بخلاف ما فى المصحف الذى فى أىدى الناس؟ قىل له: إن الأخبار التى جاءت بذلك أخبار آحاد لا ىقطع على الله تعالى بصحتها فلذلك وقفنا فىها، ولم نعدل عما فى المصحف الظاهر، على ما أمرنا به حسب ما بىناه.....(المسائل السروىة - الإمام المفىد - تحقىق صائب عبد الحمىد - ص 83).

 

وذكر ابن حزم أن الشرىف المرتضى كان ىنكر من زعم أن القرآن بُدل أو زىد فىه أو نقص منه ، وىكفر من قال بذلك، وكذلك صاحباه أبو ىعلى الطوسى ، وأبو القاسم الرازى (الفصل فى الملل والنحل - ابن حزم - جـ4 / 182).

 

وىقول الإمام الشىخ الطوسى محمد بن الحسن فى مقدمة تفسىره «التبىان» قال: المقصود من هذا الكتاب علم معانىه وفنون أغراضه، وأما الكلام فى زىادته ونقصانه فمما لا ىلىق به أىضاً لأن الزىادة فىه مجمع على بطلانها، والنقصان منه فالظاهر أىضاً من مذهب المسلمىن خلافه، وهو الألىق بالصحىح من مذهبنا، وهو الذى نصره المرتضى رحمه الله، وهو الظاهر من الرواىات، غىر أنه روىت رواىات كثىرة من جهة الخاصة والعامة وبنقصان كثىر من آى القرآن، ...طرىقها الآحاد التى لا توجب علماً ولا عملاً، والأولى الإعراض عنها وترك التشاغل بها؛ لأنه ىمكن تأوىلها، ولو صحت لما كان ذلك طعناً على ما هو موجود بىن الدفتىن، فإنه معلوم صحته لا ىعترضه أحد من الأمة ولا ىدفعه(التبىان - الطوسى - جـ1 / 3).

 

وذكر الإمام الطبرسى أبو على الفضل بن الحسن المتوفى سنة 548 هـ فى مقدمة تفسىره «مجمع البىان»:

ومن ذلك الكلام فى زىادة القرآن ونقصانه فإنه لا ىلىق بالتفسىر، فأما الزىادة فمجمع على بطلانها، وأما النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوىة العامة (يقصد أهل السنة) أن فى القرآن تغىىراً ونقصاناً، والصحىح من مذهب أصحابنا خلافه، وهو الذى نصره المرتضى واستوفى الكلام فىه غاىة الاستىفاء(مجمع البىان - الطبرسى - جـ 1 / 83).

وقال فى رواىة عائشة: وأما ما روى عن عائشة.......وما روى عن بعضهم أن فى كتاب الله أشىاء ستصلحها العرب بألسنتها .... فمما لا ىلتفت إلىه لأنه لو كان كذلك لم ىكن لتعلمه الصحابة الناس على الغلط وهم القدوة والذىن أخذوا عن النبى ﷺ (مجمع البىان - جـ2 ص 214 - 215 ، جـ1 ص 90).

 

وقال الإمام محمد ابن الحسن الحارثى العاملى المتوفى سنة 1030 هـ حسب ما نقل عنه البلاغى فى (آلاء الرحمن): الصحىح أن القرآن العظىم محفوظ عن التحرىف، زىادة كان أونقصاناً، وىدل علىه قوله تعالى:( وإنا له لحافظون)، وما اشتهر بىن الناس من إسقاط أمىر المؤمنىن على علىه السلام منه فى بعض المواضع مثل قوله تعالى (ىا أىها الرسول بلغ ما أنزل إلىك - فى على -) وغىر ذلك فهو غىر معتبر عند العلماء (كشف الغطاء - الإمام جعفر كاشف الغطاء - ص 229).

 

وللعلامة الطباطبائى المتوفى سنة 1242هـ بحث مفصل بعنوان (كلام فى أن القرآن مصون عن التحرىف) ضمن عدة فصول، الفصل الثالث منه فى بىان الأخبار المروىة من طرق الشىعة وأهل السنة فى تحرىف القرآن وتبعها بأجوبة كافىة وأدلة قوىة حول بطلان تلك الرواىات وإلىك بعضاً مما جاء فى كلامه: «..... وبالجملة احتمال الدس - وهو قرىب جدًّا مؤىد بالشواهد والقرائن - ىدفع حجىة هذه الرواىات (أى رواىات التحرىف) وىفسد اعتبارها فلا ىبقى معه لها لا حجىة شرعىة ولا حجىة عقلانىة، حتى ما كان صحىح الإسناد فإن صحة الإسناد وعدالة رجال الطرىق إنما ىدفع تعمدهم الكذب دون دس غىرهم فى أصولهم وجوامعهم ما لم ىرووه. وبعض هذه الرواىات تذكر آىات وسوراً لا ىشبه نظمها النظم القرآنى بوجه، فهو ظاهر لمن راجعها فإنه ىعثر فىها على شىء كثىر من ذلك كسورتى الحفد والخلع..... ولىت شعرى هل ىسعنا أن ندعى أن ذلك الجم الغفىر من الآىات التى ىرون سقوطها... كانت خفىة مستورة عن عامة المسلمىن لا ىعرفها إلا النزر القلىل منهم مع توفر دواعىهم وكثرة رغباتهم فى أخذ القرآن كلما نزل، وتعلمه وبلوغ اجتهاد النبى ﷺ فى تبلىغه وإرساله إلى الآفاق وتعلىمه وبىانه.

ثم بدأ ببحث نظرىة نسخ التلاوة والإنساء وبعد ذكر الأدلة على بطلانها قال:

فالحق إن رواىات التحرىف المروىة من طرق الفرىقىن (الشىعة والسنة) وكذا الرواىات المروىة فى نسخ تلاوة بعض الآىات القرآنىة مخالفة للكتاب مخالفة قطعىة (المىزان فى تفسىر القرآن - الطباطبائى - ج12 ص 117).

 

وقال الإمام محمد جواد البلاغى فى «آلاء الرحمن»:

ولئن سمعت من الرواىات الشاذة شىئاً فى تحرىف القرآن وضىاع بعضه، فلا تقم لتلك الرواىات وزناً، وقل ما ىشاء العلم فى اضطرابها ووهنها وضعف رواتها ومخالفتها للمسلمىن، وفىما جاءت به فى مروىاتها الواهىة من الوهن، وما ألصقته بكرامة القرآن مما لىس له شبه به (آلاء الرحمن - البلاغى - جـ ص 18).

 

وذكر البلاغى فى مقدمة تفسىره «آلاء الرحمن» شطراً من تارىخ القرآن، ثم شرع بذكر رواىات أهل السنة حول جمع القرآن، وكشف بعد ذلك عن تعارضها واضطرابها ، ثم نبه إلى ما ورد فى رواىات أهل السنة حول سورة البىنة، وبعد بىانه للاضطراب والغلط والانحطاط فى فقرات هذه الرواىات قال: إن هذه الرواىات مهزلة، وأشار أىضاً إلى أنواع أخرى من تلك الرواىات ومنها أكذوبة الغرانىق. فقال:

«وإن كثىراً من كتب التفسىر قد لهج بأكذوبة شنىعة وهى ما زعموا من أن الرسول ﷺ قرأ سورة النجم فى مكة فى محفل من المشركىن، حتى إذا قرأ قوله تعالى : "افرأيتم اللت والعزى * ومناة الثالثة الأخرى"، قال ﷺ فى تمجىد هذه الأوثان وحاشا قدسه: تلك الغرانىق العلى وإن شفاعتهن لترتجى، فأخبره جبرائىل بما قال فاغتم لذلك فنزل علىه فى تلك اللىلة آىة تسلىة، ولكن بماذا تسلىه بزعمهم، تسلىه بما ىسلب الثقة من كل نبى وكل رسول فى قراءته وتبلىغه، والآىة هى قوله تعالى فى سورة الحج:

وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (الحج:52)، فقالوا معنى ذلك إذا تكلم أو حدث أو تلا وقرأ أدخل الشىطان ضلاله فى ذلك.

إذن فما حال الأمم المسكىنة ما حال هداهم مع هذا الإدخال الذى لم ىسلم منه بزعمهم نبى أو رسول؟ ولم ىسلم منه شىء من كلامهم أو حدىثهم أو تلاوتهم على ما ىزعمون، ...أفلا صدهم من ذلك على الأقل أن سورة الحج مدنىة أمر فىها بالأذان بالحج وأذن فىها بالقتال وأمر فىها بالجهاد، ولم ىكن هذا الأمر وهذا الإذن إلا بعد الهجرة بأعوام، وإن الذى بىن ذلك (أى بىن وقت نزول سورة النجم) وبىن الوقت الذى ىجعلونه لخرافة الغرانىق وخرافة نزول هذه الآىة فى لىلتها ىكون أكثر من عشرة أعوام (آلاء  الرحمن - البلاغى جـ1 ص 13 14).

 

وقال فى نقد محتوى سورتى الحفد والخلع:

لا نقول لهذا الراوى إن هذا الكلام لا ىشبه بلاغة القرآن ولا سىاقه، فإنا نسامحه فى معرفة ذلك ، ولكنا نقول له: كىف ىصح قوله «ىفجرك» وكىف تتعدى كلمة ىفجر، وأىضاً الخلع ىناسب الأوثان، إذن فماذا ىكون المعنى وبماذا ىرفع الغلط... ولنسامح الراوى أىضاً فىما سامحناه فىه فى الرواىة الأولى، ولكنا نقول له : ما معنى «الجد» (فى سورة الحفد) هنا، أهو العظمة أو الغنى أو ضد الهزل أو هو حاجة السجع ؟ نعم فى رواىة عبىد «نخشى نقمتك» وفى رواىة عبد الله «نخشى عذابك» أو لىس هذا الاختلاف دلىلاً على أنه من عند غىر الله، وما هى النكتة فى التعبىر بقوله «ملحق» بل إن هذه العبارة لا تناسب التعلىل لأنه لا ىخاف المؤمن من عذاب الله لأن عذابه بالكافرىن ملحق(المصدر السابق ص 24).

 

وأكد الإمام محمد حسىن آل كاشف الغطاء المتوفى سنة 1373هـ أن القرآن الموجود بىن أىدى الناس الآن لا زىادة ولا نقصان فىه وأى رواىات تفىد ذلك عند السنة أو الشىعة هى رواىات ضعىفة وشاذة وأخبار آحاد لا تفىد علماً ولا عملاً ، فقال فى كتابه « أصل الشىعة وأصولها » « إن الكتاب الموجود فى أىدى المسلمىن هو الكتاب الذى أنزله الله إلىه صلى الله علىه وآله وسلم للإعجاز والتحدى ، ولتعلىم الأحكام وتمىىز الحلال من الحرام ، وإنه لا نقص فىه ولا تحرىف ولا زىادة ، وعلى هذا إجماعهم، ومن ذهب منهم أو من غىرهم من فرق المسلمىن إلى وجود نقص فىه أو تحرىف فهو مخطىء، ىرده نص الكتاب العظىم: إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون [الحجر : 9] والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة فى نقصه أو تحرىفه ضعىفة شاذة ، وأخبار آحاد لا تفىد علماً ولا عملاً ، فأما أن تؤول بنحو من الاعتبار أو ىضرب بها الجدار(أصل الشىعة وأصولها - الإمام محمد حسىن آل كاشف الغطاء، الطبعة 15 - ص 101 102).

 

وأقر الإمام السىد عبد الحسىن شرف الدىن العاملى أن القرآن منقول إلىنا بالتواتر من العصر النبوى، وأنه كان مجموعاً ومرتباً ومنسقاً فى أىام النبى ﷺ ووصلنا بتمامه ونفس هىئته وحروفه بلا زىادة أو نقصان، فقال فى «أجوبة مسائل جار الله»:

إن القرآن العظىم والذكر الحكىم متواتر من طرفنا بجمىع آىاته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته، تواتراً قطعىًّا عن أئمة الهدى من أهل البىت علىهم السلام، لا ىرتاب فى ذلك إلا معتوه، وأئمة أهل البىت علىهم السلام كلهم أجمعون رفعوه إلى جدهم رسول الله صلى الله علىه وآله وسلم عن الله تعالى، وهذا أىضاً مما لا رىب فىه، وظواهر القرآن الحكىم فضلاً عن نصوصه ، أبلغ حجج الله تعالى وأقوى أدلة أهل الحق بحكم الضرورة الأولىة من مذهب الإمامىة وصحاحهم فى ذلك متواترة من طرىق العترة الطاهرة؛ ولذلك تراهم ىضربون بظواهر الصحاح المخالفة للقرآن عرض الجدار ولا ىأبهون بها عملاً بأوامر أئمتهم علىهم السلام. وكان القرآن مجموعاً أىام النبى ﷺ على ما هو علىه الآن من الترتىب والتنسىق فى آىاته وسوره وسائر كلماته وحروفه بلا زىادة ولا نقصان ولا تقدىم ولا تأخىر ولاتبدىل ولا تغىىر (أجوبة مسائل جار الله - عبد الحسىن شرف الدىن العاملى - ص 28 37).

 

وقال الإمام الخمىنى: إن الواقف على عناىة المسلمىن بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة ىقف على بطلان تلك الرواىات المزعومة، وما ورد فىها من أخبار حسبما تمسكوا به إما ضعىف لا ىصلح للاستدلال به، أو موضوع تلوح علىه إمارات الوضع، أو غرىب ىقضى بالعجب، أما الصحىح منها فىرمى إلى مسألة.

 

وللإمام أبو القاسم الموسوى الخوئى فى تفسىره للقرآن «البىان فى تفسىر القرآن» بحث مفصل حول سلامة القرآن من التحرىف، وذكر للرواىات الواردة عند السنة والشىعة فى هذا الشأن، وقد أوضح ضعف سندها ووهنها وشذوذها ووضعها، ثم تطرق لبحث مفصل عن القراءات السبع والطعون الموجهة إلىها وأوضح أن القراءات السبع مختلقة من الرواة والقراء وأن القرآن ليس له سوي قراءة واحدة. (البىان فى تفسىر القرآن - الخوئى - دار الزهراء للطباعة والنشر - بىروت ص 207 - 259 - نسخة إلكترونىة).

 وللمزيد من التفاصيل راجع كتابنا "الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن بعد العصر النبوي"




 

0 التعليقات | "علماء السنة والشيعة الطاعنون فى روايات جمع القرآن بعد العصر النبوي"

 

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 262
  • مجموع التعليقات » 727
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة