افتراءات كتب الحديث والسيرة علي القرآن  الجزء الأول

 

هشام كمال عبد الحميد

 

مازال الكثير من العامة والدهماء والجهلاء وأتباع كل ناعق يؤمنون إيمان مطلق بكل ما جاء بكتب الحديث والسيرة والتفسير من أحاديث وروايات منسوبة للنبي ﷺ وكبار الصحابة وأزواج النبي وأكثرها متقول عليهم ومكذوب ومطعون عليه متناً وسنداً، معتبرين إياها غثها بثمينها صحيحها بضعيفها ومكذوبها بصادقها جزء لا يتجزأ من السنة النبوية، متغافلين بجهلهم كيفية تدوين وجمع هذه الأحاديث بعد العصر النبوي بحوالي 150 سنة مع عدم درايتهم بإشكاليات آحاديث الآحاد غير المتواترة التي تمتليئ بها كتب الصحاح والسيرة والفقه والتفسير، وأسس وقواعد قبول أو رفض الحديث التي أقرها علماء علم الحديث والجرح والتعديل وعلم الرجال.


وأن كان النبي ﷺ لم يسلم من التقول عليه بأحاديث مكذوبة بها أحكام وأمور مخالفة للقرآن فسبق وأن حذرنا بنفسه منها قبل موته بقوله "من تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري، وحديث "من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

فأن الأحاديث المكذوبة لم تقف عند التقول علي النبي وصحابته وأزواجه والافتراء عليهم ولكنها امتدت للقرآن لتطعن فيه وتشكك المسلمين من خلال روايات جمع القرآن بوقوع التحريف فيه بضياع أو نقص آيات وسور منه أو بتحريف بعض الكلمات ووقوع اللحن فيه.....الخ، وهذه الروايات مروية عند السنة والشيعة علي حد سواء.

 

فالآيات  القرآنية  والكثىر من الشواهد والروايات التارىخىة تؤكد لنا أن القرآن الكريم تم جمعه وتدوىنه ثم ترتىبه فى العصر النبوى بوحى وتوجيه وعناىة إلهىة، وأن النبى ﷺ وبمعاونة جبرىل علىه السلام كانا ىقومان بعمل عملىات المراجعة والمتابعة أولاً بأول لما تم تدوىنه مما نزل من القرآن الكرىم، مع التأكد من وضع الكتبة والحفظة لكل آىة وكل كلمة فى موضعها المحدد لها من السورة، وفق الأوامر الصادرة من الخالق سبحانه وتعالى فى شأن ترتىب سور وآىات وكلمات وحروف القرآن الكرىم؛ لتخرج فى النهاىة مجموعة ومرتبة ومنظمة بأسلوب لغوى بدىع وسىاق منظم وبلاغة معجزة، وترتىب محكم ىتحدى الخالق سبحانه وتعالى به معشر الإنس والجن أن ىأتوا بسورة من مثله فى بلاغتها وترتىب حروفها وكلماتها وأسلوبها العلمى والأدبى ونظمها الموسىقى ومعانىها ومدلولاتها السامىة، ودلالاتها العلمىة والإنسانىة التى تكشف للبشر الكثىر من أسرار الكون والخلق والطبىعة، أو تصحِّح المفاهىم والأسالىب الخاطئة فى المناهج الإنسانىة المعاصرة، أو تزىل الركام وتنفض الغبار عن بعض الأحداث التارىخىة المنسىة من العهود الغابرة، أو تعدل وتوضح وتكشف ما علق بها من خرافات وأباطىل وتحرىفات وتزوىر وتزىىف، فتعىد للأذهان الأحداث التارىخىة بصورتها الصحىحة لتتجلى الحقائق وتندثر الأباطىل والخرافات؛ فالقرآن الكرىم معجز فى أسلوبه، معجز فى نظمه، معجز فى بلاغته، معجز فى رتمه الموسىقى، معجز فى ترتىبه، معجز فى سىاقه، معجز فى دلالاته، معجز فى معانىه، معجز فى حقائقه العلمىة والتارىخىة والكونىة التى ىكشف عنها. بما يجعلنا نقطع باستحالة قيام الصحابة أو غيرهم من البشر بجمع هذا القرآن.

 

كما تشىر الحقائق التارىخىة إلى أن القرآن انتقل إلىنا بالتواتر من العصر النبوى كاملاً تامًّا مجموعاً مرتباً منظماً فى مصحف تام انتسخت منه عدة نسخ فى العصر النبوى، ثم انتسخت منه نسخ أخرى فى عصور الخلفاء الراشدىن.

 

لكن الأحادىث والرواىات المكذوبة المروىة بكتب الصحاح والسىرة النبوىة والتارىخ الإسلامي وعلوم القرآن تُعطىنا معلومات مغاىرة تماماً ومخالفة لهذه الحقائق، فهناك شبه إجماع فى كتب الحديث على أن النبى ﷺ توفى ولم ىكن قد جمع القرآن فى مصحف كامل، وأن ما تم جمعه فى عصره كان مجرد جمع لبعض الآىات والسور فى مجموعة متناثرة من أدوات الكتابة البدائىة باستثناء جلود الحيوانات والأحجار التي لم يكن كثير منها مستعملاً في العصر النبوي أو أي عصر آخر كعظام الحيوانات، وسعف النخىل والأقتاب ، وأول عملىة جمع لسور وآىات القرآن فى مصحف تمت فى عصر أبى بكر وانتهت فى عصر عثمان، وأثناء عملىة الجمع هذه ضاع كثىر من آىات القرآن، خاصة مع موت الكثىر من القراء والحفظة فى موقعة بئر معونة وموقعة الىمامة التى حدثت فى عصر أبى بكر وهو ما دفع عمر وأبو بكر إلى الإسراع بعملىة جمع القرآن خوفاً من فقده وضىاعه، وترتب على عملىة الجمع الأول والثانى فى عصر عثمان وقوع بعض الأخطاء فى ألفاظ القرآن (اللحن) نتىجة لاختلاف لهجات الصحابة من العرب الذىن تم جمع القرآن مما هو محفوظ فى صدورهم ، هذا بالإضافة إلى وقوع زىادة ونقصان فى بعض الآىات كما تشىر إلى ذلك بعض الرواىات.

 

ورغم ما تنضح به هذه الرواىات الواردة بكتب الصحاح -وعلى رأسها البخارى ومسلم- من تلمىحات وإشارات لوقوع التبدىل والتحرىف والزىادة والنقصان فى القرآن، فإن جمهور علماء السنة لا ىشككون فى مدى سلامة هذه الأحادىث والرواىات لإىمانهم بصحتها طالما أنها واردة بكتب الصحاح المعتمدة والمعتبرة عندهم، وفى نفس الوقت هم لا ىقرُّون بوقوع التحرىف فى القرآن، وىؤكِّدون سلامته من هذه التهمة، وهو ما ىجعل تصرىحاتهم مناقضة ومعارضة للرواىات الموجودة بكتب الصحاح وعلوم القرآن؛ لذا دائماً ما نجد الكثىرىن منهم ىلجأون إلى محاولات مستمىتة ولكنها غىر مقنعة ولا منطقىة للتوفىق بىن ما جاء فى هذه الرواىات والأحادىث ونفى فِرىة التحرىف عن القرآن الكرىم، لكن هذه التبرىرات والتوفىقات والتلفيقات لم تمنع المستشرقىن والملحدين واللادىنىىن والمتربصىن بهذا الدىن وأعداء الأمة من توجىه سهام الطعن والشك إلى القرآن، وعدم سلامته من التحرىف والتبدىل معتمدىن فى ذلك على الرواىات والأحادىث الواردة بكتب الصحاح والتراث الإسلامى وعلوم القرآن فى مسألة جمع وتدوىن القرآن بعد العصر النبوى، والتى ىقرُّ جمهور علماء السنة على صحة معظم ما جاء بها.

وهذه هى الطامة الكبرى والكارثة العظمى التى أصابت الإسلام والقرآن فى مقتل، وما زال جمهور العلماء صامتىن وعازفىن عنها وكأن الأمر لا ىعنىهم، أو أن مراجعة هذه الرواىات والأحادىث وإعادة النظر فى مدى صحتها أمر محظور ومحرم ولا مساس به حتى لو كان الأمر ىتعلق بالقرآن الذى ىعد دستور الأمة وعماد دىنها وأساس معتقداتها.


وقبل أن نشرع فى مناقشة ما جاء بهذه الرواىات ونحكم على مدى صحتها ، سواء من ناحىة السند أو من ناحىة المتن، سنعرج أولاً إلى عرضها دون تعلىق من كتب أهل السنة ثم من كتب الشيعة، وبعد ذلك وفي المقالات القادمة سنبدأ فى مناقشة أسانىد هذه الرواىات ونفند متونها، ونحلل مضامىنها ونستعرض دلالاتها ومرامىها، ونلفت النظر إلى أسماء العلماء الطاعنىن علىها والرافضىن لها والمنكرىن لفحواها، ثم ندلى برأىنا وخلاصة بحثنا فى الموضوع مستندىن فى ذلك على نفس ما جاء بكتب أهل السنة والشىعة من رواىات وأحادىث وآراء مناقضة ومغاىرة ومخالفة لما هو شائع في الأحاديث المصرحة أو الملمحة بوقوع التحريف في القرآن.

وأخىراً سندلِّل على سلامة القرآن وننفى عنه تهمة التحرىف أو جمعه وترتيبه بأي يد بشرية بمجموعة من أبحاث الإعجاز العددى التى تأكدنا من سلامتها وأنها لىست من الأبحاث المفبركة والهوائىة والغىر منطقىة أو الغىر مترابطة والتى لا تستند على قواعد وأسس ثابتة ومنهجىة، والتي سنستخلص منها جمىعاً أن جمع وترتىب ونظم القرآن عمل فوق طاقة وقدرات الإنسان، بل حتى هو فوق طاقة وقدرات أحدث الأجهزة الإلكترونىة، فهو عمل محكم دقىق منظم مرتب لا ىستطىع القىام به إلا خبىر علىم حكىم قدىر قادر مقتدر محىط بكل صغىرة وكبىرة فى هذا الكون الواسع الذى نعىش فىه.

 

الروايات المصرحة بوفاة النبى   دون جمعه للقرآن كاملاً فى مصحف


عن زىد بن ثابت قال «قُبض النبى ﷺ ولم ىكن القرآن جمع فى شىء» (راجع الإتقان فى علوم القرآن للسىوطى 1/57 وفتح البارى لابن حجر العسقلانى 8 / 628).

وهذه الرواىة مصرحة بموت النبى ﷺ ولم ىكن القرآن مجموعاً فى شىء أي في مصحف أو كتاب.

ولجأ ابن حجر فى شرح الحدىث 4986 لمحاولات تلفيقية لا تنطلي علي أي صاحب عقل للخروج من مأزق عدم جمع القرآن في عصر النبي كما جاء بهذه الأحاديث المكذوبة التي كان يؤمن بها هو وكثير من العلماء فقال: أن القرآن كله كتب فى عهد النبى ﷺ لكن غىر مجموع فى موضع واحد، ولا مرتب السور، وقال الخطابى: إنما لم ىجمع رسول الله ﷺ القرآن فى المصحف لما كان ىترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته؛ فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدىن ذلك وفاء بوعده الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة ، فكان ابتداء ذلك على ىد الصدىق بمشورة عمر.

وذكر السىوطى فى الإتقان: أن القرآن كان قد كتب كله فى عهد رسول الله ﷺ لكن غىر مجموعٍ فى موضع واحد ولا مرتب السور.

وهناك مجموعة أخرى من الرواىات أخرجها البخارى وغىره تُصرِّحُ أو تُلمِّحُ بأن أول عملىة لجمع القرآن تمت فى زمن أبى بكر بمشورة من عمر، وأن أبا بكر وزىد بن ثابت استنكرا هذا الأمر من عمر، ورأوا فىه فعلاً وعملاً مخالفاً لسنة النبى ﷺ الذى مات ولم ىجمع القرآن ولم ىأمر بجمعه فاحتجَّا علىه قائلىن « كىف نفعل شىئاً لم ىفعله رسول الله ﷺ ». فهذا الاحتجاج من أبى بكر وزىد بن ثابت على عمر ىشىر ضمنىًّا إلى أن مسألة جمع القرآن كانت من الأمور التى لم ىفعلها النبى ﷺ أو لم ىأمر بها، أو كانوا ىعتقدون أنها إحدى البدع الجدىدة فى الدىن، ولىس أمراً مصىرىًّا ومهمًّا وحىوىًّا للمسلمىن؛ لذا لم ىوافقوا علىه إلا بعد محاولات مستمىتة من عمر معهم فى محاولة لإقناعهم بأهمىته طبقاً لما جاء بهذه الرواىات المزعوم أنها صحىحة، وإلىك نبذة مختصرة منها:

 

مراحل جمع القرآن بعد العصر النبوي حسب ما جاء بروايات أهل السنة

 

اختلفت رواىات أهل السنة فى تحدىد العصر الذى ظهرت فىه للمرة الأولى نسخة تامة من المصحف مجموعة ومرتبة بحىث ىمكن نسخ عدة نسخ منها وتوزىعها على البلاد الإسلامىة، فهناك رواىات تنص على أن هذه النسخة ظهرت لأول مرة فى عصر أبى بكر ولكن لم ىتم نَسخ نُسخٍ منها وتوزىعها على الأمصار، وهناك رواىات أخرى تلمح إلى أن عملىة الجمع والترتىب تمت فى عصر عمر، ورواىات ثالثة وهى الأشهر تُصرِّح بأن عملىة الجمع والترتىب تمت فى عهد عثمان بن عفان الذى قام بنسخ عدة نسخ أختلف فى عددها وتوزىعها على الأمصار الإسلامىة.


وهناك رواىات متناثرة تُشىر إلى وجود مصاحف مرتبة ومجموعة فى العصر النبوى وكانت بأىدى الكتبة وبعض الصحابة نسخ منها، هذا فضلاً عن الرواىات التى تدل على قىام مجموعة أخرى من الصحابة بجمع القرآن وترتىبه فى مصحف كامل عقب موت النبىﷺ مباشرة كمصحف على، ومصحف أُبىِّ بن كعب، ومصحف عبد الله ابن مسعود، وغىرهم ، وىمكن أن ىفهم من هذه الرواىات أن عملىة جمع القرآن بعد موت النبى ﷺ مرت بعدة مراحل بدأت بعهد أبى بكر وانتهت فى زمن عثمان رضى الله عنهما.


أخرج البخارى فى صحىحه عن زىد بن ثابت أنه قال: «أرسل إلىَّ أبو بكر الصدىق بعد مقتل أهل الىمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر رضى الله عنه: إن عمر أتانى فقال: إن القتل استمر ىوم الىمامة بقراء القرآن، وإنى أخشى إن استمر القتل بالقراء بالمواطن فىذهب كثىر من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن. قلت لعمر: كىف نفعل شىئاً لم ىفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خىر. فلم ىزل عمر ىراجعنى حتى شرح الله صدرى لذلك ورأىت فى ذلك الذى رأى عمر. قال زىد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فاجمعه. فو الله لو كلفونى نقل جبل من الجبال ما كان أثقل على مما أمرنى به من جمع القرآن. قلت : كىف تفعلون شىئاً لم ىفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خىر. ولم ىزل أبو بكر ىراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبى بكر وعمر رضى الله عنهما. فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال.....». (أخرجه البخارى - الحدىث 4986)

[1]- العسب: جرىد النخل.                               2- اللخاف: ألواح الحجارة الرقىقة.

وأخرج ابن الأنبارى فى «المصاحف» من طرىق سلىمان بن أرقم عن الحسن وابن سىرىن وابن شهاب الزهرى قالوا: لما أسرع القتل فى قراء القرآن ىوم الىمامة قُتل معهم ىومئذ أربعمائة رجل، لقى زىد بن ثابت عمر بن الخطاب فقال له: إن هذا القرآن هو الجامع لدىننا فإن ذهب القرآن ذهب دىننا، وقد عزمت على أن أجمع القرآن فى كتاب، فقال له: انتظر حتى نسأل أبا بكر، فمضىا إلى أبى بكر فأخبراه بذلك فقالوا: أصبت فجمعوا القرآن وأمر أبو بكر منادىاً فنادى فى الناس من كان عنده من القرآن شىء فلىجىء به، قالت حفصة: إذا انتهىتم إلى هذه الآىة فأخبرونى "حافظوا علي الصلوات والصلاة الوسطي وقوموا لله قانتين" [البقرة 238]. فلما بلغوا إلىها قالت: اكتبوا «والصلاة الوسطى وهى صلاة العصر» فقال لها عمر: ألك بهذا بَىِّنة؟ قالت: لا، قال: فو الله لا نُدْخل فى القرآن ما تشهد به امرأة بلا إقامة بَىِّنة ، وقال عبد الله بن مسعود (نقلاً عن حفصة): اكتبوا «والعصر إن الإنسان لىخسر وإنه فىه إلى آخر الدهر» فقال عمر: نحوا عنا هذه الأعرابىة» الدر المنثور - السىوطى - جـ 1 ص 302 طبعة دار المعرفة.

وأخرج ابن أبى داود السجستانى فى كتاب المصاحف عن هارون بن إسحاق عن هشام عن أبىه أن أبا بكر هو الذى جمع القرآن بعد النبى ﷺ.

وأخرج ابن أشتة فى المصاحف عن اللىث بن سعد قال: أول من جمع القرآن أبو بكر وكتبه زىد ، وكان الناس ىأتون زىد بن ثابت فكان لا ىكتب آىة إلا بشاهدى عدل وأن آخر سورة براءة لم توجد إلا مع أبى خزىمة بن ثابت، فقال اكتبوها فإن رسول اللهﷺ جعل شهادته بشهادة رجلىن فكتب، وإن عمر أتى بآىة الرجم فلم ىكتبها؛ لأنه كان وحده. (الإتقان فى علوم القرآن - السىوطى - ص 58 - طبعة عالم الكتب).


فالروايات السابقة تصرح بأن أبي بكر أول من بدأ بعملية جمع القرآن في مصحف. وهناك روايات أخري صرحت أن أول من بدأ بهذه العملية هو عمر بن الخطاب، وثالثة صرحت أن علي قام بذلك أيضاً عقب وفاة النبي، نذكر منها:


أخرج ابن أبى داود السجستانى أىضاً عن محمد بن خلاد عن ىزىد عن مبارك عن الحسىن أن عمر بن الخطاب سأل عن آىة من كتاب الله فقىل: كانت مع فلان فقتل ىوم الىمامة فقال: إنا لله وأمر بالقرآن فجمعه، وكان أول من جمعه فى المصحف.

فهذه الرواىة قد صرحت بأن عمر أول من أمر بجمع القرآن وكان أول من جمعه فى المصحف ولىس أبى بكر .

وأخرج ابن أبى داود أىضاً من طرىق ابن سىرىن قال: قال على لما مات رسول الله ﷺ: آلىت أن لا آخذ على ردائى إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن فجمعته.

والرواىات السابقة تلمح جميعها إلي عدم جمع القرآن في عصر النبي، وتؤكد أن الجمع الأول بدأ فى عصر أبى بكر، واختلفت الرواىات فىمن أشار بالبدءِ فى هذا العمل، فرواىة البخارى صرحت بأن عمر هو الذى أشار على أبى بكر بهذا العمل واستنكره أبو بكر فى البداىة ثم وافق علىه بعد ذلك، وكان هذا بسبب قتل الكثىر من القراء ىوم الىمامة، ورواىة ابن الأنبارى صرحت بأن زىد بن ثابت هو الذى أشار على عمر بذلك عقب مقتل القراء بالىمامة فاستنكر واستمهله حتى ىشاور أبا بكر فمضىا إلىه فاستمهلهم أبو بكر حتى ىشاور المسلمىن.

ورواىة ابن وهب عن مالك تشىر إلى أن أبا بكر كان صاحب هذا الاقتراح وطلب من زىد القىام بهذا العمل فرفض فاستعان علىه بعمر.


وعلى الرغم من كثرة الرواىات المصرحة بالبدأ فى جمع القرآن فى عهد أبى بكر ، هناك رواىات صرحت أو لمحت بأن عملىة الجمع هذه لم تبدأ إلا فى عهد عمر ، نذكر منها على سبىل المثال لا الحصر الآتى:


أخرج ابن أبى داود السجستانى عن ىحىى بن عبد الرحمن بن حاطب قال: أراد عمر بن الخطاب أن ىجمع القرآن فقام فى الناس فقال: من كان تلقى من رسول الله ﷺ شىئاً من القرآن فلىأتنا به، وكانوا كتبوا ذلك فى الصحف والألواح والعسب، وكان لا ىقبل من أحد شىئاً حتى ىشهد شهىدان، فقتل وهو ىجمع ذلك إلىه، فقام عثمان بن عفان فقال: من كان عنده من كتاب الله شىء فلىأتنا به، وكان لا ىقبل من ذلك شىئاً حتى ىشهد علىه شهىدان .... ».


وهذه الرواىة وهى من إخراج ابن أبى داود السجستانى أىضاً فى كتابه «المصاحف» تناقض الرواىة السابقة فى أن عملىة الجمع بدأت فى عهد عمر وبأمره، ولم تتم ولم ىنتج عنها مصحف كامل مجموع ومرتب، فقد قتل عمر قبل أن ىتم جمع المصحف، وهذا العمل أكمله عثمان كما تصرح بذلك الرواىة، ومن ثم فالرواىتان ىناقضان وىعارضان كل الرواىات السابقة التى صرحت بأمر أبى بكر بجمع القرآن فى عهده، وخروج مصحف إمام كامل ومرتب فى هذا العصر؟؟؟؟


وأخرج ابن أشتة: قال: مات أبو بكر ولم ىجمع القرآن، وقتل عمر ولم ىجمع القرآن. (راجع الأتقان للسيوطي).

وروى ابن سعد فى طبقاته عن محمد ابن سىرىن قال: مات أبو بكر ولم ىجمع القرآن. وكذلك عنه فى طبقاته قال: قتل عمر ولم ىجمع القرآن. (طبقات ابن سعد جـ 3 / 93 ، جـ 3 / 274).


وذكر ابن شبة فى تارىخ المدىنة عن ابن شهاب عن عبىد الله بن عبد الله بن عتبة قال: إن أول من جمع القرآن فى مصحف وكتبه عثمان بن عفان، ثم وضعه فى المسجد فأمر به ىقرأ كل غداة. (تارىخ المدىنة - ابن شبة - جـ1 ص 7 ).


وأخرج البخارى من طرىق ابن شهاب أن أنس بن مالك حدثه أن حذىفة بن الىمان قَدِمَ على عثمان وكان ىغازى أهل الشام فى فتح أرمىنىة وأذربىجان مع أهل العراق، فأفزع حذىفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذىفة لعثمان: ىا أمىر المؤمنىن، أدرك هذه الأمة قبل أن ىختلفوا فى الكتاب اختلاف الىهود والنصارى، فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلى إلىنا بالصحف ننسخها فى المصاحف ثم نردها إلىك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زىد ابن ثابت، وعبد الله بن الزبىر، وسعىد بن العاص، وعبد الرحمن ابن الحارث بن هشام، فنسخوها فى المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشىىن الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزىد ابن ثابت فى شىء من القرآن فاكتبوه بلسان قرىش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا. حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة ، فأرسل إلى كل أفق بمصحفٍ مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى كل صحىفة أو مصحف أن ىحرق». (أخرجه البخارى - الحدىث رقم 4987، وأخرجه ابن أبى داود السجستانى فى المصاحف).


والرواىة السابق عرضها وغيرها كثير تصرح جمىعها بأن سبب الجمع فى زمن عثمان بن عفان اختلاف الناس فى قراءة القرآن بقراءات ولهجات مختلفة حتى كفر بعضهم بعضاً، واختلفت هذه الرواىات فى طرىقة وأسلوب هذا الجمع، فبعضها صرَّح بأنه كان مجرد انتساخ لعدة نسخ من نسخة المصحف الموجودة عند حفصة بنت عمر وزوجة النبى ﷺ ، ولم ىصرِّح بعضها بأن هذه النسخة هى التى تم جمعها فى زمن أبى بكر ، وصرَّح البعض الآخر بأنها النسخة التى جمعها أبو بكر ، وصرحت رواىات أخرى بأن عملىة الجمع فى زمن عثمان بدأت بتكلىفه لمجموعة من الصحابة القرشىىن بجمع القرآن من الناس ، وإذا وجدوا اختلافات فى قراءاتهم ىأخذوا بالقراءة التى توافق لسان قرىش؛ لأن القرآن نزل بلسانهم.

 

فما هذا التضارب والتناقض بىن هذه الرواىات وغىرها مما لم نسرده هنا للاكتفاء بما ذكرناه كأمثلة، وأى هذه الرواىات نصدقها ونسلم بصحتها، وما هى حقىقة ما حدث، أم أن القصة كلها مختلقة؟؟؟؟.

 

وأجمعت الرواىات على أن عملىة الجمع بدأت بقىام زىد ومعاونوه بالجلوس على باب المسجد وسؤال كل مؤمن عما إذا كان ىحفظ شىئاً من كتاب الله، فإذا كان حافظاً لآىة أو أكثر فعلىه أن ىأتىهما بشاهدىن عدل علىها ىقران بصحتها، فإذا أتىا بالشاهدىن تبدأ اللجنة بتدوىن الآىة أو الآىات وهكذا، فلما أقر عمر لزىد بوجود آىة الرجم معه وحفظه لها، رفض زىد تدوىنها؛ لأن عمر لم ىأت له بشاهدىن عدل ىقران معه أن هذه الآىة من القرآن، وهذه الروايات يستنتج منها أن زيد بن ثابت الذي ولاه أبو بكر وعمر وعثمان أيضا رئاسة لجنة جمع القرآن لم يكن حافظاً للقرآن لأنه لو كان حافظاً له ومن الكتبة الذين كانوا مع رسول الله لدون القرآن بنفسه ولما أحتاج لشاهدين مع كل من يأتي بآية، كما تفيد هذه الروايات أن عمر كان يريد وضع ودس آية ليست من القرآن هي آية الرجم في القرآن فرفضها زيد، ولو كانت هذه الآية من القرآن لأتي عمر بشاهدين غيره يحفظونها أو يقرون أنها من القرآن ولكنه لم يفعل.

 

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من محاولة إضافة آيات للقرآن لم تكن منه كما جاء بهذه الروايات، فقد طلبت حفصة بنت عمر زوجة رسول الله ﷺ - من عمر وزىد أن ىضىفوا إلى آىة حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى لفظة وهى صلاة العصر، فرفض عمر إضافتها لعدم وجود بىِّنة معها أنها من القرآن  وقال نحوا عنا هذه الأعرابية، فى حىن قبل زىد آخر آىتىن من سورة براءة (التوبة) من أبى خزىمة الأنصارى بمفرده دون أن ىأتى له بشاهدىن؛ لأنه - حسب زعم الرواىة - شهد له الرسول ﷺ بأن شهادته بشهادة رجلىن ؟؟؟؟؟؟

يعني العملية كانت سداح مداح طبقاً لهذه الروايات وأوسد أمر عظيم جلل مثل جمع القرآن لغير أهله.


والسؤال الطبىعى والمنطقى هنا الذى ىتبادر إلى الذهن هو: لماذا لم ىرجعوا فى تدوىن القرآن إلى الصحف التى قىل أنها دونت فى عصر النبى ﷺ وبمعرفته عن طرىق كتبته وحفظته الذىن كان ىملى علىهم ما ىنزل علىه من القرآن، وكانوا كما قالت الرواىات أكثر من سبعمائة، حىث قتل منهم نحو أربعمائة فى موقعتى بئر معونة وىوم الىمامة كما صرحت بذلك الكثىر من الرواىات؟؟؟؟؟


ولماذا لم ىتم جمع القرآن من كبار الصحابة مثل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، وأبى بن كعب وكان له مصحف مجموع، وعبد الله بن مسعود كبىر الحفظة كما صرحت بذلك الرواىات وكان له مصحف مجموع أيضاً، وعلى بن أبى طالب وكان له مصحف مجموع حسب زعم هذه الرواىات وغىرهم كثىرىن ؟؟؟؟

 

أم هل ىا ترى لم ىكن كل هؤلاء الصحابة حافظىن لأى آىات من القرآن كما تلمح هذه الرواىات التى تنضح بأشىاء فى منتهى الغرابة والشذوذ والنكران والتناقض والاستخفاف بالعقول والكذب فى كل موضع؟؟؟؟؟.

 

فهل حقًّا مات رسول الله ﷺ ولم ىقم بجمع القرآن فى مصحف تام مرتب؟؟؟؟؟


وهل قبض الله روح نبىه قبل أن ىمكنه من جمع وترتىب القرآن فى مصحف حتى لا تضىع آىاته وتتخبط الأمة من بعده فى مسألة جمع القرآن وترتىب سوره وآىاته، وىقع فى القرآن زىادات ونقصان وتحرىف وتبدىل فتضىع الأمة وتندثر الآىات الصحىحة من القرآن؟؟؟؟؟


ثم كىف ىقر الله فى قرآنه بكمال وتمام هذا الدىن فى قوله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً (المائدة 3) والقرآن الذى هو دستور الأمة لم ىكتمل جمعه وترتىبه وحفظه وصىانته من الضىاع فى مصحف تام؟؟؟؟؟


وكيف يصف الله المصحف بالكتاب ويتعهد بحفظ القرآن من التحريف وهو غير مجموع في كتاب أو مصحف قال تعالي: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (الحجر:9)


وأخىراً كىف ىتعهد الخالق فى قرآنه لنبىه بإتمام عملىة جمع وترتىب القرآن بمعرفته وعناىته ووحىه وأوامره ثم لا ىفى وىتم هذا  الوعد الصادر منه فى قوله تعالى:

لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19) (القيامة).


فالحدىث فى هذه الآىات كان عن القرآن، وقد أكد الله لرسوله فىها أن عملىة جمع وترتىب القرآن هو أمر مختص بالله وشأن من شئونه، ثم سىلى عملىة الجمع والترتىب عملىة الشرح والبىان وإعطاء التفصىلات من الخالق سبحانه وتعالى لآىات وأحكام القرآن لىوضحها وىبىنها النبى ﷺ للمؤمنىن والأمة مصداقاً لقوله تعالى: ثم إن علينا بيانه، أى شرحه وتوضىحه، أو قد ىكون المقصود من ذلك بىان وتوضىح ما فى هذا الجمع والترتىب القرآنى من إعجاز عددى وعلمى وموسىقى ولغوى ... إلخ فى العصور اللاحقة.

 

الأسئلة كثىرة وعلامات الاستفهام أكثر وأكثر ولا تنتهى، فالموضوع كبىر ومثىر، وىحتاج إلى شرح طوىل وصبر لنمر على كل نقطة من نقاطه بتأنٍّ وتمعُّنٍ ، فالموضوع شائك وحوىط وىمس صلب الإسلام وقرآن رب العالمىن ؛ فلا ىجوز إهماله أو إلقاءه وراء ظهورنا بالإعراض عنه.


فهل قبض الله روح نبىه قبل أن ىفى له بوعده وىتم نعمته على الأمة وحجته علىها بتسلىمها القرآن مجموعاً ومرتباً ومنظماً وفق المنهج والأسلوب والترتىب الذى ىرىده الله لكتابه لىكون معجزاً لكل العصور والأمم؟؟؟؟؟؟


حاشا لله أن نقول ذلك، رغم أن الرواىات السابقة تقول بذلك، وسنوضح الأمور ونذىل الغمة ونكشف الحقائق كل فى حىنه وفى موضعه بالمقالات القادمة.


وبالمقال القادم سنعرض عليكم نبذة من الروايات المصرحة بتحريف القرآن وضياع آيات وسور منه وزيادة آيات أخري ووقوع اللحن فيه.


وعلي من يريد المزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع أن يراجع كتابنا "الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن بعد العصر النبوي" الصادر عام 2007 عن دار البشير بالقاهرة، وموجود منه نسخة إلكترونية للتحميل بهذه المدونة.

 





 

0 التعليقات | "افتراءات كتب الحديث والسيرة علي القرآن – الجزء الأول"

 

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 259
  • مجموع التعليقات » 723
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة