حد الردة لا أصل له في الإسلام

      

هشام كمال عبد الحميد


الجزء الثاني


يرجي قراءة الجزء الأول من البحث علي الرابط التالي :

http://heshamkamal.3abber.com/post/140449

 

ولم يخالفهم في هذا الرأي إلا قليل من العلماء أشهرهم ابن الصلاح ، ونذكر مما قاله العلماء في هذا الشأن على سبيل المثال لا الحصر الآتي :

يقول المحدث الخطيب في الكفاية : باب في ذكر شبهة من زعم أن خبر الواحد يوجب العلم وإبطالها : فقال : خبر الواحد لا يقبل في شئ …. وإنما يقبل به فيما لا يقطع به (1)

 

وقال المحدث المناوى: ذهب الإمامان والغزالى والآمدى وابن الحاجب والبيضاوى إلى أن خبر الواحد لا يفيد العلم إلا بقرينة خلافا لمن أبى ذلك وهم الجمهور فقالوا : لا يفيد (العلم ) مطلقا وقال التاج السبكى: في شرح المختصر وهو الحق .(2)

 

ويقول الشنقيطى : ولا يفيد خبر الواحد العلم ولو عدلا بالإطلاق ، احتفت به قرينة أم لا عند الجماهير من الحذاق وبعضهم قال يفيده .(3)

 

وقال الشاطبى : فإنها أن كانت من أخبار الآحاد فعدم أفادتها القطع ظاهر.(4)

 

ويقول الكراماتسى : وخبر الواحد لا يوجب علم اليقين ولا الطمأنينة بل يوجب الظن (5)

 

وقال القاضى الباقلانى : اتفق الفقهاء والمتكلمون على تسمية كل خبر قصر عن إيجاب العلم بأنه خبر واحد سواء رواه الواحد أو الجماعة وهذا الخبر لا يوجب العلم .(6)

 

ويقول وهبة الزحيلى : وحكم سنة الآحاد أنها تفيد الظن لا اليقين ولا الطمأنينة ، ويجب العمل بها لا الاعتقاد للشك في ثبوتها ، وهذا هو مذهب أكثر العلماء وجملة الفقهاء .(7)

 

وقال النووي في التقريب : وإذا قيل صحيح (أي الحديث) فهذا معناه لا انه مقطوع به (أي ليس معنى ذلك القطع بصحته ) ثم قال بعد ذلك : وذكر الشيخ (ابن الصلاح) أن ماروياه (أي البخاري ومسلم) أو أحدهما فهو مقطوع بصحته ، والعلم القطعي حاصل فيه ،وخالفه المحققون والأكثرون (أي في القول والإقرار بأن ما رواه البخاري ومسلم مقطوع بصحته ) ، فقالوا: يفيد الظن ما لم يتواتر. (8)

 

وقال النووي في مقدمة شرحه لصحيح مسلم بعد أن ذكر كلام ابن الصلاح : وهذا الذي ذكره الشيخ (أي ابن الصلاح ) في هذه المواضيع خلاف ما قاله المحققون والأكثرون ، فإنهم قالوا : أحاديث الصحيحين التي ليست بمتواترة إنما تفيد الظن ، فإنها آحاد .

 إلى أن قال : ولا يلزم من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعهم على أنه مقطوع بأنه كلام النبي (ص) وقد اشتد إنكار ابن برهان الإمام على من قال بما قال الشيخ وبالغ تغليظه .(9)

 

وقال ابن قدامة في المغنى : أن جميع ما رووه وذكروه (أي البخاري ومسلم ) هو أخبار آحاد ولا يجوز قبول ذلك فيما طريقه العلم ، لأن كل واحد من المخبرين يجوز عليه الغلط ……. إلى أن قال : … وذلك يبطل تعلقهم بهذه الأخبار حتى ولو كانت صحيحة السند وسليمة من الطعن في الرواة .

مما سبق نجد أن هناك شبه إجماع بين العلماء علي اعتبار أحاديث الآحاد بما فيها ما في الصحيحين هي أخبار ظنية لا يمكن القول بصحة نسبتها إلى النبي (ص) علي سبيل القطع ، وهي لا تفيد علماً ولا توجب عملاً ، ومن ثم لا يأخذ بمثلها في العقائد والأحكام خاصة إذا تناقض متنها مع آيات محكمة وصريحة في القرآن ، ولا يقبل من هذه الأحاديث إلا ما يثبت لنا صحته سنداً ومتناً ولا يكون متعارضاً مع القرآن .

 

الطعون الموجهة من المحدثين وعلماء الجرح والتعديل لأحاديث الردة

 

الأحاديث السابق ذكرها والتي استند إليها الفقهاء في تقنين حد الردة رغم كونها أحاديث آحاد فإن سندها لم يسلم من الطعن ، فهناك أكثر من راوي في هذه الأحاديث مطعون عليه رغم أنها من أصح الأحاديث في هذا الباب عند المؤيدين لحد الردة .

وفيما يلي تفصيل هذا الأمر، وسنذكر هنا ما قاله المجرحون للراوي دون ذكر من وثقه لأن الجرح مقدم علي التعديل كما قال العلماء :

 

الحديث الأول :

 

 فيه حفص وهو حفص ابن غياث الإمام الحافظ الكوفي ، وثقه كثيرون ، إلا أبو زرعة قال فيه : ساء حفظه بعدما استقضى ، فمن كتب عنه من كتابه ، فهو صالح ، وقال داود بن رشيد: حفص كثير الغلط ، وقال ابن عمار : وكان بشر الحافي إذا جاء إلى حفص بن غياث، وإلى أبي معاوية، اعتزل ناحية ولا يسمع منهما ، فقلت له ؟ فقال :حفص هو قاض ،وأبو معاوية مرجئ يدعو إليه ، وليس بيني وبينهم عمل ، وسئل يحيى بن معين عن حديث لحفص بن غياث، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر : كنا نأكل ونحن مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم - ونحن نمشي فقال : لم يحدث به إلا حفص، كأنه وهم فيه. ويروى عن أحمد أنه قال : كان حفص يخلط في حديثه ، واحتج البعض بكلام أحمد فقالوا: أن حفصا لا يحتج به في تفرده عن رفاقه بخبر.(10)
وفي الحديث الأعمش وهو : سليمان بن مهران الأعمش ، وثقه وأثني عليه الكثير من المحدثين والعلماء رغم اتهامه بالتدليس ، قال فيه ابن حجـر في التقـريب : ثقـة حافـظ ، عـارف القـراءات ، ورع ، لكنه يُدلس(11) . وقال الذهبي : ثقة حجة ، لكنه يدلس عن الضعفاء(12) ، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال في ترجمة الأعمش : وهو يدلس وربما دلس عن ضعيف ولا يدريه فمتى قال: حدثنا، فلا كلام، ومتى قال (عن) تطرق إليه احتمال التدليس إلا في شيوخ له أكثر عنهم كإبراهيم وأبي وائل وأبي صالح السمان فإن روايته عن هذا الصنف محمولة على الاتصال . وقال أيضاً : أحد الأئمة الثقات عده في صغار التابعين ما نقموا عليه إلا التدليس(13) , واتهمه العجلي بالتشيع فقال عنه : كان ثقة ، ثبتاً في الحديث وكـان محـدث أهل الكـوفة في زمانـه ، ولم يكن له كتاب ،وكـان رأساً في القرآن ، عسراً ، سيئ الخلق ، عالماً بالفرائض ، وكان لا يلحن حرفاً وكان فيه تشيع (14). وقال أبو إسحاق الجوزجاني: وقال وهب بن زمعة سمعت عبد الله يقول : إنما أفسد حديث أهل الكوفة الأعمش وأبو إسحاق وأضاف أيضاً : وكذا حدثني إسحاق بن إبراهيم حدثنا جرير سمعت مغيرة يقول مرة : أهلك أهل الكوفة أبو إسحاق وأعيمشكم هذا قال أبو إسحاق : وكذلك عندي من بعدهم إذ كانوا على مراتبهم من مذموم المذهب وصدق اللسان(15) . وقال ابن حبان في مقدمة صحيحه : وأما المدلسون الذين هم ثقات وعدول فإنا لا نحتج بأخبارهم إلا ما بينوا السماع فيما رووا مثل الثوري والأعمش وأبي إسحاق وأضرابهم من الأئمة المتقين وأهل الورع في الدين .
وقد أعل البخاري في (تاريخه الصغير) (ص68) خبراً رواه الأعمش عن سالم، يتعلق بالتشيع،بقوله : "والأعمش لا يُدرَى سمع هذا من سالم أم لا؛ قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش أنه قال: نستغفر الله من أشياء كنا نرويها على وجه التعجب، اتخذوها ديناً " .

الحديث الثاني

فيه أبو النعمان وهو عارم محمد بن الفضل ، ومما جاء في ترجمته بسير أعلام النبلاء للذهبي :

… قال الذهلي حدثنا .... حدثنا عارم قبل أن يختلط وقال البخاري تغير في آخر عمره …..وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول إذا حدثك عارم فاختم عليه عارم لا يتأخر عن عفان وكان سليمان بن حرب يقدم عارما على نفسه إذا خالفه في شيء ويرجع إلى ما يقول عارم وهو أثبت أصحاب حماد بن زيد بعد عبد الرحمن بن مهدي وقال عارم أحب إلي من أبي سلمة ، ثم قال اختلط عارم في آخر عمره وزوال عقله ، فمن سمع منه قبل الاختلاط فسماعه صحيح وكتبت عنه سنة أربع عشرة ولم أسمع منه بعد ما اختلط فمن سمع منه قبل سنة عشرين ومائتين فسماعه جيد ، قال: وأبو زراعة لقيه سنة اثنتين وعشرين، وسئل أبو حاتم عن عارم فقال: ثقة وروى الحسين بن عبد الله الذراع عن أبي داود، قال: بلغنا أن عارما أنكر سنة ثلاث عشرة ثم راجعه عقله واستحكم به الاختلاط سنة ست عشرة ومائتين، مات عارم سنة أربع وعشرين في صفر، قلت فرج عنا الدارقطني في شأن عارم فقال: تغير بآخره وما ظهر له بعد اختلاطه حديث منكر وهو ثقة.

وفي هذا الحديث عكرمة وهو أبو عبد الله مولى ابن عباس ، وقد رماه بالكذب ابن عمر وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين وعلي بن عبد الله بن عباس ويحيى بن سعيد والقاسم بن محمد وعطاء الخرساني
وتركه مسلم فلم يخرج له سوى حديث واحد في الحج مقرونا بسعيد بن جبير؛ وإنما تركه مسلم لكلام مالك فيه.
ووصفه بأنه كان من الخوارج ابن معين ومصعب الزبيري وغيرهما.وقال أحمد: يقال إنه كان-صفريا. وقال ابن المديني: يقال إنه كان يرى رأي نجدة-.
قال أبو طالب قلت لأحمد: ما كان شأن عكرمة قال: كان ابن سيرين لا يرضاه قال: كان يرى رأي الخوارج وكان يأتي الأمراء يطلب جوائزهم ولم يترك موضعاً إلا خرج إليه.
ووثقه أيوب السختياني وابن معين والنسائي.
قال أبو بكر المروزي قلت لأحمد: يحتج-بحديث عكرمة؟ فقال: نعم يحتج به.
قال البخاري: ليس أحد من أصحابنا إلا وهو-يحتج بعكرمة.
قال-ابن عدي: وعكرمة مولى ابن عباس لم أخرج ها هنا من حديثه شيئا ًلأن الثقاة إذا رووا عنه فهو مستقيم الحديث إلا أن يروى عنه ضعيف فيكون قد أتي من قبل الضعيف لا من قبله، ولم يمتنع الأئمة من الرواية عنه، وأصحاب الصحاح أدخلوا أحاديثه إذا روى عنه ثقة في صحاحهم وهو أشهر من أن احتاج أن أخرج له شيئاً من حديثه وهو لا بأس به.
وذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان من علماء زمانه بالفقه والقرآن .
وروي عن ابن عمر أنه قال لنافع: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة على ابن عباس. وكذا ما روي عن سعيد بن المسيب أنه قال ذلك لبرد مولاه… وقال جرير بن عبد الحميد عن يزيد بن أبي زياد: دخلت على علي بن عبد الله بن عباس وعكرمة مقيد عنده، فقلت: ما لهذا؟ قال: إنه يكذب على أبي.
وروي عن ابن سيرين أنه قال فيه لما سئل عنه: ما يسؤني أن يدخل الجنة، ولكنه كذاب.
وكذبه عطاء أيضاً. وكذا يحيى بن سعيد الأنصاري. وسعيد بن جبير.
وقال عثمان بن مرة: قلت للقاسم: إن عكرمة قال كذا. قال يا ابن أخي إن عكرمة كذاب، يحدث غدوة بحديث يخالفه عشية.
وقال ابن حجر: وقال ابن علية: ذكره أيوب، فقال: كان قليل العقل. وذكر أن جنازته وجنازة كثير عزة اتفقتا عند باب المسجد بالمدينة، فشهد الناس جنازة كثير، وتركوا عكرمة، فما شهده إلا السودان .
وقال ابن حجر أيضاً: ونقل الإسماعيلي في المدخل أن عكرمة ذكر عند أيوب من أنه لا يحسن الصلاة، فقال أيوب: وكان يصلي؟… .
ومع كل ذلك حاول ابن حجر الدفاع عنه وتصحيح حديثه رغم كل ما ذكره عنه .(16)

 

وقد وقع الخلاف في هذا الحديث في قوله (ص) "من بدل دينه فاقتلوه " من ثلاث جهات:

 

الأولى: هل تشمل "مَن" في "من بدل …" الذكر والأنثى؟ الحنفية يقولون إن المرأة لا تقتل، ويقولون إن "مَن" الشرطية لا تشمل الأنثى، وبأنه صلى الله عليه وسلم قد نهى عن قتل النساء في الحرب.

الثانية: قوله: "دينه" هل هو عام في كل دين؟ الإمام مالك قال إن المراد به "من خرج من الإسلام إلى غيره وأظهر ذلك" (الموطأ)، وتمسك بعض الشافعية بهذا الحديث في قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر، سواء كان ممن يُقرّ أهله عليه بالجزية أم لا، واستدلوا بعموم قوله: "من بدل دينه"، وهذا أحد قولي الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد. والرواية الأخرى عن أحمد أنه إن انتقل إلى مثل دينه أو إلى أعلى منه أُقر على ذلك، وإن انتقل إلى أنقص من دينه لم يُقر. فاليهودية مثل النصرانية أما المجوسية فهي دون.

أما الحنفية فقالوا: إن الكفر كله ملة واحدة. والتبديل هنا هو نوع خاص بالرجوع عن الإسلام لا غير. ومع هذا الاختلاف الشديد، فإنهم متفقون جميعا على أن "ظاهر الحديث" غير مراد، ولذلك لا يقال: إن من بدل دينه إلى الإسلام يدخل في الحديث، مع أن اللفظ يشمله.

الثالثة: قوله: "فاقتلوه" اختلفوا: هل يلزم منه مباشرة القتل قبل الاستتابة؟ أو لا بد من الاستتابة؟ وفي هذا خلاف طويل، وبعض الفقهاء حدد مدة الاستتابة بثلاثة أيام، وبعضهم بأقل، وبعضهم بأكثر، ومنهم من قال يستتاب أبدا، أي إلى بقية حياته. وقد قال النووي: "اختلفوا في استتابته: هل هي واجبة أم مستحبة؟ وفي قدرها، وفي قبول توبته".

وبناء على ذلك يتضح أن الحكم بقتل المرتد يحيط به اختلاف واسع، يبدأ من الخلاف في قتله أولا، ثم في كيفية بناء الحكم على الأدلة التي يحيط بها اختلاف واسع في كيفية فهمها، وصولا إلى تخصيص الحنفية له بالرجل، وذهاب الجمهور إلى كونه للرجل والمرأة، وانتهاء بالخلاف حول الاستتابة ومدتها وقبولها.

والأصول التي يرجع إليها الاختلاف هي: الاختلاف في مباحث الألفاظ كاختلافهم في "مَن"، والاختلاف في تحديد مناط الحكم كما في وقائع الردة. ومن هنا فإن الحكم لم يكن في بنائه على الأدلة صريحا وقاطعا، ولذلك وقع الاختلاف فيه، وباب الاجتهاد فيه مفتوح، هذا فضلا عن ظنية ثبوته من حيث سند الأحاديث الواردة، فإنه ظني في دلالته، فالحديث الأساسي في هذا الموضوع متفق على عدم العمل بظاهره، وأنه مؤول، وباب التأويل واسع.

 

الحديث الثالث

 

فيه الوليد بن مسلم وهو متهم بتدليس التسوية وهو أشد وأمقت أنواع التدليس ، ولن نتطرق للكلام عن الوليد بن مسلم لأن هذا الحديث لا علاقة له بحد الردة فهو خاص بحد الحرابة وليس الردة طبقاً لما أقره الكثير من العلماء .

 

وعلي ذلك فهذه الأحاديث وغيرها لا تصلح للاحتجاج بوجود حد للمرتد , أولاً لكونها أحاديث أحاد لا تفيد علماً ولا توجب عملاً ، وثانياً لضعفها لوجود رواة في أسانيدها متهمون بالكذّب أو التدليس أو الخلط أو التغير في آخر عمره أو غيرها من أسس وضوابط الجرح والتعديل ، وأخيراً لانتفاء وجود نص قرآني يؤيد هذا الحد ، بل يتعارض هذا الحد مع الكثير من آيات القرآن الصريحة بتأجيل عقوبة المرتد للآخرة وعم إكراه أي إنسان علي الدين .

 

أحاديث السنة الصحيحة لا تقر حد المرتد

 

لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل أحد لارتداده عن الإسلام ، وفكرة الردة اقترنت على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعداوة الإسلام وحربه. فمن آمن كان يعمل لنصرته، ومن ارتد كان يعمل على حربه، ويلحق بالمشركين ، ولم يأمر النبي بقتل أحد من المرتدين لردته وإنما بسبب جرائم كبرى ارتكبها في حق المسلمين .

كما حدث في حالة عبد الله بن خطل، فقد أسلم وهاجر إلى المدينة (معسكر الإيمان) فبعثه النبي ساعيا على الصدقة وبعث معه رجلا من خزاعة  يخدمه فلما كان في أحد أسفاره طلب من خادمه أن يصنع له طعاما ، ثم استيقظ من نومه ليجد الخادم لم يصنع شيئا, فضربه بالسيف فقتله, وعلم «ابن خطل» أنه لو رجع المدينة سيقتل بالرجل قصاصا فهرب إلى مكة وساق معه الصدقة وجاء لأهل مكة وقال لهم: "لم أجد دينا خيرا من دينكم"، أخذ يهجو النبي ويسبه ويعرض به ويسوق لذلك جاريتين عنده لتغنيا هجاء النبي في طرقات مكة.

 

وكذلك "عبد الله بن سعد بن أبي سرح"،وكان قد أسلم بمكة, وهو أحد القلائل من المكيين الذين كانوا يخطون بيمينهم ويعرفون الكتابة فاتخذه النبي كاتبا للوحي, ولكنه بعد فترة أدعى أنه هو الذي كان يلقن النبي الوحي وقال إنه يأتيه مثلما يأتى «محمداً» وعاد أدراجه مرتدا لمعسكر الشرك ولم يكتف بذلك بل ظل بعدها طاعنا في النبوة هازئا بالقرآن وأخذ يؤلب قريشًا على النبي صلى الله عليه وسلم، فأهدر النبي دمه، فلما كان فتح مكة لاذ بعثمان بن عفان وكان أخاه في الرضاعة، فغيبه عثمان حتى اطمأن الناس، ثم أحضره إلى النبي وطلب له الأمان فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلاً، ثم أمَّنه؛ فأسلم.

 فالحد لا تُقبل فيه الشفاعة كما هو مقرر في الحديث الشهير، فإذا كان هناك حد للمرتد فكيف سيقبل النبي شفاعة عثمان في عبد الله بن سعد بن أبي سرح ولا يقيم عليه الحد ؟.

 

وبنود صلح الحديبية بين المشركين والنبي (ص) كانت تنص في إحدى بنودها : أن من آمن وأتى النبي صلى الله عليه وسلم دون إذن وليه رده ، ومن أتى قريشاً ممن كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه عليه .

فكيف يقبل النبي في هذه المعاهدة برد المرتد من المسلمين للكفار ولا يقيم حد المرتد عليه إذا كان هناك حداً للردة أمره الله به ؟.

 

 والأسود العنسي مثلا لم يثبت أنه أسلم أصلا حتى نقول بردته .

 

أما الأناس من عُكْل وعرينة فإنهم ارتكبوا جرائم عدة: قتلوا الرعاة، وسرقوا الإبل، ثم إنما طبق عليهم رسول الله حد الحرابة وليس القتل، "فقطع أيديهم وأرجلهم وسَمَل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا" بحسب رواية البخاري. وقد قال أنس بن مالك: "إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء" (رواه مسلم) وقال ابن تيمية : "هؤلاء قَتَلوا مع الردة، وأخذوا الأموال، فصاروا قطاع طريق، ومحاربين لله ورسوله".

وأما مِقْيس بن صُبابة فإنما جاء يثأر ممن قتل أخاه هاشم بن صبابة وكان قد قُتل خطأ وتظاهر بالإسلام وأخذ دية أخيه، ثم قتل من قتل أخاه، وهرب مرتدا، وقال في ذلك شعرا، فأمر رسول الله بقتله قصاصاً للمقتول وليس بسبب ردته (روى القصة البلاذري في أنساب الأشراف).

 

وسارة صاحبة كتاب حاطب بن أبي بلتعة وكانت مغنية نواحة، فقدمت مكة وادعت الإسلام فوصلها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم رجعت إلى مكة (معسكر الكفر) وجعلت تتغنى بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتلت (روى قصتها البلاذري).

 

هذه هي الحوادث التي يتعلق بها من يقول بأن النبي صلى الله وعليه قتل مرتدا، والواقع أن المستدل بها، يسكت عن تفاصيلها التي توضح بأن هناك جرائم ارتكبت تستحق القتل وليس لوصف الردة.

 

حقيقة حروب أبي بكر للمرتدين

 

أما حروب أبى بكر للمرتدين فكانت بسب إعلانهم الحرب علي المسلمين وتحالفهم مع المشركين الذين جهزوا الجيوش وقدموا بها إلى المدينة للقضاء علي المسلمين وإبادتهم .

 

فالشائع أن أبا بكر حارب المرتدين لأنهم منعوا الزكاة….. وذلك مناف للحقيقة الموجودة بكتب التراث .
فقد عاش أبو بكر حياته مع النبي وشهد تعامل النبي (ص) مع المنافقين وكيف كان يرفض صدقاتهم تنفيذاً لأمر الله تعالى..ولذلك فلا نتصور أن يكون نهوضه لحرب المرتدين لمجرد أنهم منعوا الزكاة. لأن الأمر كان أعقد من ذلك بكثير.
* يقول ابن كثير في البداية والنهاية، أنه بعد وفاة النبي عليه السلام ارتدت أحياء كثيرة من الأعراب واشتد النفاق في المدينة ، وكان خطر الأعراب حول المدينة هائلاً، وانضمت إلى مسيلمة الكذاب قبائل حنيفة واليمامة ، وانضم إلى طليحة الأسدى قبائل أسد وطئ وآخرون ، فادعى النبوة مثل مسيلمة، ونفذ أبو بكر وصية الرسول عند الموت بإرسال حملة أسامة بن زيد فأصبحت المدينة بلا جيش قوى يحميها، فتشجع الأعراب المحيطون بالمدينة وبدءوا يتجمعون حولها مما جعل أبو بكر يكون مجموعات حراسة حول المدينة يقودهم على والزبير وطلحة وسعد ابن أبى وقاص وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف.
وفى ذلك الوقت العصيب جاءت وفود القبائل التي رفعت راية العصيان تفاوض أبا بكر على أن لا تؤدى الزكاة ، ورفض أبو بكر، وقد أشار الصحابة ومنهم عمر على أبى بكر بأن يصالحهم على ذلك إلى أن تتحسن أحوال المسلمين فرفض أبو بكر وقال: والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه.

والواضح أن أبا بكر قد فهم الأمر على حقيقته ، وأنه ليس مجرد منع الزكاة بل هي ثورة وتهديد للدولة الجديدة ورغبة في القضاء عليه ، ولذلك فإن أبا بكر أدرك أن أولئك المتفاوضين إنما هم طلائع جيش قادم على الأبواب، فأخبر أهل المدينة بأن أولئك المتفاوضين حين يرجعون إلى أقوامهم سيخبرونهم بقلة الجيش في المدينة.
وهكذا جعل أبو بكر يقوى الحراسة على المدينة تحسباً للهجوم القادم ، وألزم أهل المدينة بالاستعداد الحربي في الداخل، وأمرهم بالحضور في المسجد على أهبة الاستعداد، وبعد رجوع وفد التفاوض بثلاثة أيام وصلت للمدينة طلائع جيش المرتدين، بينما بقى قلب الجيش عند (ذي حسي) وأرسلت قوة الحراسة على المدينة تخبر بالهجوم القادم فأمرهم أبو بكر بأن يلزموا أماكنهم . وخرج سريعاً بأهل المدينة المجتمعين في المسجد، واشترك الجميع في مواجهة الهجوم حتى هزموهم وطاردوهم إلى حيث قبع قلب الجيش في (ذي حسي) وفوجئ المسلمون بالكمين ولكن استطاعوا الانتصار.
وقبلها أغارت قبائل الأعراب على المدينة ومعها عناصر من المرتدين من قبائل عبس وذبيان وكنانة ومرة، وقد صدهم المسلمون، ولكن خطرهم كان لا يزال قائماً بسبب قربهم من المدينة، وبعد انتصار المسلمين على الجيش الأول للمرتدين بعثوا حملة إلى أولئك الأعراب ولكنهم استطاعوا هزيمة المسلمين في بداية الأمر، فبات أبو بكر يعبئ المسلمين ثم هاجم الأعراب آخر الليل وهزمهم وطاردهم إلى (ذي القصة) وكان ذلك أول الفتح ، وبعدها تمكن المسلمون في كل قبيلة من الهجوم على المرتدين في داخل القبيلة وأخضعوهم . ثم رجع أسامة بن زيد بالجيش منصوراً فقوى به المسلمون في المدينة، وقد استخلفه أبو بكر على المدينة وخرج بالجيش إلى بقايا المرتدين في (ذي حسى) و(ذي القصة) فهزمهم.. وبعدها أرسل أحد عشر جيشاً لمطاردة المرتدين في كل أنحاء شبه الجزيرة العربية..!!

والسؤال هنا: أين ذلك كله من حد الردة..؟
إن حرب الردة هي حركة تمرد مسلح استهدفت القضاء السياسي على الدولة الإسلامية، وقد واجهها أبو بكر بنفس السلاح ليدافع عن الدولة الناشئة .

إذن لا شأن لحرب الردة بحد الردة.
إن حد الردة يتحدث عن شخص مسالم لا يرفع سلاحاً، دخل في الإسلام، أو عاش مسلماً ثم أراد أن يخرج منه ، دون أن يحارب المسلمين.. فالفرق شاسع بين حرب الردة وحد الردة.. وإذا كانت حرب الردة قد وقعت في خلافة أبى بكر فإن حد الردة أقره الفقهاء فيما بعد، وأبو بكر في دفاعه عن وجهة نظره، لم يقل "من بدل دينه فاقتلوه" لأن حديث الردة لم يكن له وجود في ذلك الوقت .

 

مخاطر تطبيق حد الردة علي المجتمع والإسلام

لاشك أن تطبيق حد الردة سيؤدى إلى وقوع الكثير من المخاطر داخل المجتمع ويسبب الكثير من المشاكل للمسلمين والتي يمكن أن نوجزها في الأتي :

1. انتشار الكثير من المنافقين داخل المجتمعات الإسلامية وقد يندفع البعض منهم للتحالف مع الأعداء سراً ويحرضهم ضد المسلمين .

2. سيمتنع الكثير من غير المسلمين عن الدخول في الإسلام خشية من تطبيق حد الردة عليهم لو فكروا في الخروج منه والعودة لدينهم الأول أو أي ديانة أخري

3. سيتهم الكثير من غير المسلمين الإسلام بالإرهاب لأن أصحابه يقومون بقتل الخارجين عليهم مثلما يفعل أصحاب الجماعات ولأديان السرية .

4. سيوسم الإسلام من أصحاب الديانات الأخرى بالتعصب وعدم السماحة والعنصرية لأن المسلمين يسمحون بدخول أفراد من أتباع الديانات الأخرى في الإسلام ولا يسمحون للمسلم بالخروج والدخول في إحدى هذه الديانات .

 


الهوامش

(1) الكفاية للخطيب البغدادي – ص41 ، ص 472

(2) اليواقيت للمناوى – شرح شرح النخبة – ج1 ص176- 179

(3) مراقي السعود- شرح محمد الأمين- ص272 كتاب السنة

(4) الموافقات للشاطبي- 1/24، المقدمة الثانية 3/11

(5) الوجيز في أصول الفقه – الكراماستي – 52 المرصد السادس في السنة

(6) تمهيد الأوائل- الباقلاني- ص441- باب آخر في خبر الواحد

(7) أصول الفقه الإسلامي- وهبة الزحيلى – ج1ص455

(8) التقريب للنووي- 18،11 – مقدمة صحيح مسلم – الفصل الرابع ص85 - طبعة دار الريان

(9) مقدمة شرح مسلم للنووي – ج1ص41 – طبعة دار الريان

(10) سير أعلام النبلاء للذهبي – ج9ص22 – نشر مؤسسة الرسالة سنة 2001ديث الثاني

(11) تقريب التهذيب ص 254 رقم  2615 

(12) ميزان الاعتدال للذهبي- الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب رد


 

0 التعليقات | "حد الردة لا أصل له في الإسلام -- الجزء الثاني-- هشام كمال عبد الحميد"

 

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 259
  • مجموع التعليقات » 723
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة