حد الردة لا أصل له في الإسلام -- الجزء الأول -- هشام كمال عبد الحميد

حد الردة لا أصل له في الإسلام -- الجزء الأول -- هشام كمال عبد الحميد

حد الردة لا أصل له في الإسلام

      

هشام كمال عبد الحميد


الجزء الأول

 

 

لا إكراه في الدين

 

قال تعالى :"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ" (البقرة: 256)

 

وقال تعالى : "فمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ" (الكهف: 29).

 

هذه هي القاعدة الذهبية والعهد الذي قطعه الله سبحانه وتعالي على نفسه في تحديد العلاقة بين الإنسان وربه ، فترك الحرية لكل شخص في العقيدة الدينية ، فله أن يؤمن بالله أو يكفر به بعد أن كشف له الخالق سبيل الرشد من الغي والهدى من الضلال، وترك الله حساب الإنسان على ما يختاره في هذا الأمر له وحده في الآخرة ، فلا جبر في الإيمان ومن ثم لا إكراه في الدين يستوي في ذلك جميع الأديان المنزلة من الله سبحانه وتعالى ، فالخالق لم يجبر أحدا على الدخول في الإسلام أو اليهودية أو المسيحية أو غيرها من الأديان السماوية ، كما لم يكره أحدا علي الارتداد من الإيمان إلى الكفر .

 

 وقد جاءت هذه القاعدة الذهبية بعدم الإكراه على الدين متوافقة مع الأمانة التي عرضها الله على جميع مخلوقاته فأبت أن تحملها وحملها الإنسان فأصبحت أهم ميزة ميزه الله بها عن سائر مخلوقاته ، ولكنها سلاح ذو حدين ، فالإرادة وحرية الاختيار والاعتماد على النفس في تدبير شئون الحياة مسئولية جسمية قد ينخدع الإنسان بها فيتكبر ويتجبر ويتمرد حتى على خالقه فيكفر به ، ويندفع وراء أهوائه وشهواته فيعتدي على حقوق الآخرين ويتسلط في الأرض فيقع في المحظور ويورد نفسه موارد التهلكة .

 

والإكراه وحرية العقيدة في الدين أمران متناقضان لا يمكن اجتماعهما معا، فمتى ثبت الإكراه بطل الدين ،لأن الإكراه لا ينتج تديناً وإنما ينتج نفاقا وكذبا وخداعا، وهي كلها صفات ممقوتة في الشرع، ولا يترتب عليها إلا الخزى في الدنيا والآخرة.

وكما أن الإكراه لا ينشئ ديناً ولا إيماناً، فإنه كذلك لا ينشئ كفراً ولا ردة ، فالمكرَه على الكفر ليس بكافر، والمكره على الإيمان ليس بمؤمن، يشهد لذلك ما ورد في سورة النحل " إلا من أكره و قلبه مطمئنٌ بالإيمان " .

 

وإذا كان الإكراه باطلاً  في التصرفات والمعاملات والحقوق المادية والدنيوية ، فكيف يكون  صالحاً في المعاملات والتصرفات والعقائد الإسلامية ؟!

 

إذن، قضية " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" قضية كلية محكمة، عامة تامة ، سارية على أول الزمان وآخره، سارية على المشرك والكتابي، سارية على الرجال والنساء، سارية قبل الدخول الإسلام وبعده، أي سارية في الابتداء وفي الإبقاء، فالدين لا يكون بالإكراه ابتداءً، كما لا يكون بالإكراه إبقاءً .. وكما لا يجوز الإكراه على الدين في الابتداء ، فكذلك لا يجوز الإكراه على الدين في الإبقاء لذات العلة .

 

ولو كان للإكراه أن يُدخل الناس في الدين أو يبقيهم عليه ، لصدر هذا الإكراه عن الله عز وجل، فهو سبحانه وحده القادر على الإكراه الحقيقي والمُجْدي، وذلك بإلغاء حرية الاختيار التي منحها لهم ، فيجعل جميع الناس مؤمنين مسلمين ، ولكنه سبحانه لم يفعل : { وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } [يونس99]، { قُلْ فَلِلّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [الأنعام149]، { وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا أَشْرَكُواْ وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ } [الأنعام 107] .

 

فحكمة الله جعلت الإكراه في الدين مخالفة لحكمة الخلق ولا يمكن أن تقره حيث لا ينتج الإكراه سوى الكذب والنفاق .

ومن ثم فآية " لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" غير منسوخة وغير قابلة للنسخ وغير مخصصة وغير قابلة للتخصيص؛ إذ الإيمان بالدين: تصديق بالقلب يبلغ مرتبة اليقين بعد مروره بمرحلة الاقتناع العقلي والتصديق القلبي ، والاقتناع العقلي والإيمان القلبي لا سبيل مطلقاً لتحقيقهما بالإكراه، ولذلك لا يمكن أن يكون الإيمان ابتداءً أو بقاءً ثمرة للإكراه بأي حال من الأحوال .                                           

 

الإكراه على الدين منطلقه التعصب المذهبي والسياسي في كل الأديان

 

 إذا كان الخالق لم يكره أحداً على الإيمان به أو الارتداد من دين لآخر أو من الإيمان للكفر، فمن أين أتى حكم قتل المرتد في الإسلام وسائر الأديان الأخرى التي تقر مثل هذا الحد في شريعتها؟

 

الواقع أن تقييد الحرية الدينية أو المذهبية في جميع بقاع الأرض وعلى مر العصور المختلفة منذ نشأة البشرية وحتى التاريخ المعاصر لم تأت إلا من رجال الدين والفقهاء وأئمة المذاهب المختلفة ورجال الحكم والسياسة ، بدافع من التعصب الديني والمذهبي في معظم الأحيان ، أو بدافع من الحرص والغيرة على الدين والمبالغة في تشديد العقوبة على من يرتد عن الدين أو المذهب.

 

 فالإنسان بطبيعته يميل للتعصب ويكره مخالفة الآخرين له في الرأي ودائما يسعى إلى إقناع الآخرين بمعتقداته وأفكاره بشتى الطرق والوسائل حتى لو كانت عقائد وأفكار باطلة أو فاسدة، فهو دائماَ يعتقد انه على الحق والصواب .

 فكل أصحاب مذهب أودين يرون انهم وحدهم الذين يمتلكون الحقيقة ، وهم وحدهم السائرين على طريق الهدى والرشاد ومن سواهم في غي وضلال مبين ، وهم حماة العقيدة والشريعة ، وهم الفرقة الناجية وأبناء الله وأحباؤه .

 وباختصار الكل يرى أنه شعب الله المختار وأن لم يصرح بذلك .

 اليهود رأوا ورددوا هذا ، والنصارى فعلو مثلهم ، والشيعة في الإسلام تبنوا نفس النهج ، والسنة لم يكونوا بمنأى عن هذه العصبية المذهبية .

 وهذا ما ساعد على شيوع الفرق والمذاهب المختلفة داخل كل دين وساهم في النهاية في التفرقة بين الأديان السماوية المنزلة من الله سبحانه وتعالى والتلاعب في نصوصها بالتحريف أو التأويل أو التبديل كما حدث قبل الإسلام ، أو باختلاق أحاديث وراويات يتم إسنادها إلي الرسول صلى الله علية وسلم أو صحابته أو غيرهم من كبار الأئمة والعلماء واستنباط أحكام مخالفة في بعض الأحيان للأحكام الإلهية الثابتة بالقرآن أو الكتب السماوية لتثبيت وتأصيل وتجذ ير الآراء والمعتقدات والأفكار المذهبية المختلفة ، وهذا ما حذرنا منه الحق سبحانه وتعالى في قوله :

 

{إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } (الأنعام : 159 )

 

وقوله تعالي : {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } (البقرة :113)

 

إشكاليات الخلط بين الردة الدينية والردة الوطنية أو السياسية (الخيانة العظمى)

 

يرى المؤيدين لحد الردة أن العقيدة الإسلامية عقد بين الإنسان وربه ، ومن ثم لا يجوز له أن ينقض هذا العقد ، وأي نقض له يعتبر تعديا على حق الله عز وجل يستوجب العقوبة ، وحرية الاختيار العقائدية التي اقرها الإسلام هي اختيار البداية ، فالدخول في الإسلام يكون برغبة واختيار ولكن الخروج منة يختلف ، فليس له الحق في ذلك لأنه دخله غير مكره .

 فالخروج من الدين خيانة عظمى للدين ونقض للعهد مع الله وهو ما يستوجب العقاب بتهمة الخيانة العظمة لضمان المحافظة على ترابط وتماسك أركان الدولة ، خاصة وان الردة تتم الآن لأغراض أخرى غير البحث والتحري ، فهناك قوى خارجية تقدم إغراءات مادية لبعض الباحثين والمعدمين ومن لا يحسنون التفكير لحثهم على الخروج من الإسلام لإحداث زوبعة وفتن داخل المجتمعات الإسلامية .

 فإذا كانت كل الدول العالم تعتبر الخروج عن نظام الحكم فيها خيانة عظمى فلماذا الاعتراض على المسلمين عندما يعتبرون خروج المسلم من الإسلام خيانة العظمى للدين لا بد أن تقابل بعقوبة الإعدام .

 وهذا مع الأسف خلط شديد بين الردة الدينية والردة السياسية أو الوطنية ، فالردة الدينية ترتبط بالعقيدة والإيمان الذي محله القلب ، أما الردة الوطنية فترتبط بالنظام الاجتماعي وسياسة الدولة .

 

 والأولى يحدد منطلقاتها وضوابطها وعقوباتها سواء الدنيوية أو الأخروية الخالق سبحانه وتعالى أما الردة الوطنية (الخيانة العظمى) فتحددها التشريعات والقوانين الوضعية داخل كل وطن ، فلكل إنسان الحق في أن يعتنق ما يشاء من أديان أو مذاهب أو أفكار دينية ، فهذه مسألة شخصية بين العبد وربه والحساب عليها مؤجل إلى الحياة الآخرة وسلطة الحكم بالثواب أو العقاب فيها بيد الله وحده ، ولاشك أن الارتداد من الإيمان إلى الكفر جريمة عظمي في حق الله سبحانه وتعالي.

 

 أما الالتزامات الوطنية والقومية فهي من سلطات الدولة والمجتمع ، فلكل فرد داخل المجتمع أن يعتنق ما يشاء من دين أو مذهب ، لكن ليس له الحق في الخروج على القوانين والتشريعات والضوابط التي يقرها الغالبية العظمى من أفراد المجتمع داخل الدولة حتى لو كانت مخالفة لعقائده وثوابته لأن الحكم في النهاية للأغلبية وليس الأقلية .

 فليس للمسلم الذي يعيش في دولة مسيحية أو يهودية أو بوذية أن يتمرد على قوانين وتشريعات هذه الدولة بحجة كفرها أو مخالفتها لعقائده ، كما لا يجوز للمسيحي أو اليهودي أو البوذي الذي يستوطن في دولة إسلامية أن يخرج على قوانين ودساتير دولته ومجتمعة المسلم الذي يعيش داخله ، ومن يخالف هذه الضوابط سواء أكان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا يحاكم بتهمة الخيانة العظمي ، ومن لا يرضى بهذا الوضع فعليه بالهجرة من هذه الدولة إلى دولة أخرى ومجتمع آخر يعتنق نفس معتقداته وأفكاره وثوابته ، ومن هنا كانت حكمة التشريع الإلهي بالهجرة .

 

الهجرة تشريع إلهي لفض النزاع بين الحرية العقائدية للإنسان وواجباته القومية والوطنية

 

الحرية العقائدية التي اقرها الإسلام لا تتعارض أو تصطدم مع الالتزامات القومية والوطنية للفرد تجاه مجتمعه الذي يعيش فيه ، طالما ارتضى الإقامة داخل هذا المجتمع ولم يؤثر الهجرة منه إلى مجتمع ووطن آخر، وهنا كانت الحكمة من تشريع أو فرض الهجرة على المسلمين من المجتمعات الكافرة إلى مجتمع وبيئة أخري لا تصطدم أو تتعارض ثوابتها مع ثوابتهم الدينية .

 

فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نشا في بيئة كافرة ، فلما بعثه الله سبحانه وتعالي أمره إلا يصطدم مع الكافرين ولا يخرج على نظام دولتهم ومجتمعهم ، وان يبادرهم بالسلام ويعطيهم الأمان بقوله : {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ }الكافرون6.

ويتضح ذلك جليا في قوله تعالى : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ{1} لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ{2} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ{3} وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ{4} وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ{5} لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ{6} سورة الكافرون .

 

كما أمره الله أن يبلغ رسالته داخل مجتمعة دون أن يكره أحداً على الدخول في الإسلام ، وعندما أصبح له اتباع كثيرين رأى صناديد الكفر أن المسلمون أصبحوا يشكلون خطراً على كيان دولتهم وعقيدتهم ، فعزموا علي إبادة ومحاربة المسلمين ومصادرة جميع أموالهم وممتلكاتهم .

وهنا أتى الأمر الإلهي إلى محمد صلى الله عليه وسلم بالهجرة من هذا المجتمع الكافر إلى مجتمع آخر يتسم بالسماحة والتحرر الفكري وعدم اضطهاد المخالفين لهم في العقيدة ، فهاجر النبي من مكة إلى المدينة منفردا بصحبة أبى بكر رضى الله عنه ، ثم أمر الله جميع المسلمين بالهجرة من مكة إلى المدينة وجعل ذلك فرضاً عليهم في هذه المرحلة .

 

 ويشهد لذلك قوله تعالى : {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَواْ وَّنَصَرُواْ أُوْلَـئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُواْ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }الأنفال72 .

 

وكانت الحكمة من فرض الهجرة علي المسلمين هي إنشاء مجتمع إسلامي جديد يكون نواة لدولة إسلامية صاعدة ، وترك الكافرين وشأنهم ، وعدم الدخول في حروب معهم أو السعي لإكراههم على الدخول في الإسلام أو البقاء في مكة و التمرد على قوانينهم وتشريعاتهم وأنظمتهم الحاكمة ، فهذا أمر لم يرتضيه الله للمسلمين ، لذا فرض عليهم الهجرة حتى لا يستمروا في هذا المجتمع الفاسد فيضطروا إلى الاصطدام بأهله .

 

وعندما أذن الله لمحمد واتباعه بعد الهجرة بمحاربة دولة الكفر في مكة ، لم يكن ذلك بدافع إكراه المشركين على الدخول في الإسلام ، فقد كانت المرجعية في هذا الأمر كثرة إغارة الكافرين علي القوافل التجارية للمسلمين , ونهبهم لأموالهم وسلبهم لممتلكاتهم قبل وبعد الهجرة ، هذا بالإضافة إلى عدم سماح أهل مكة للمسلمين بالحج والطواف بالكعبة التي كانت تمثل في ذلك الوقت مقدسا دينيا للمشركين والمسلمين في آن واحد .

 

وفي الوقت الذي انتشر فيه المنافقين داخل المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية الناشئة بالمدينة المنورة لم يكشف الله لمحمد صلى الله عليه وسلم أسمائهم حتى لا يثير حفيظة المسلمين ضدهم فيهموا بقتلهم ، واكتفى سبحانه وتعالى بإطلاع المسلمين على صفاتهم وأحوالهم وأقوالهم ، وتحذيرهم من نواياهم الخبيثة .

 ويشهد لذلك قوله تعالى : {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ }التوبة101

 

فقولة تعالى (لا تعلمهم نحن نعلمهم) يفيد أن الله لم يكشف للنبي أسمائهم ، والنبي لم يكن على بنية منهم جميعا لأنهم مردوا على النفاق أي كانوا متمرسين في هذا الأمر فلم يفتضح أمرهم بسهولة .

 

وباقي سورة التوبة كانت تكشف للنبي صلي الله عليه وسلم صفاتهم وأحوالهم وأعمالهم وما يدور في سرائرهم ، ورغم هذا لم يأمره الله بقتلهم لأنهم لم يعلنوا بعد تمردهم على الدولة والمجتمع ولم يظهروا عدائهم للمسلمين أو يقوموا بقتالهم ومحاربتهم والتعاون مع الأعداء ضدهم .

 

فكل هذه الأحداث تظهر أن الإسلام يقر قاعدة أصولية حكميه ثابتة لا تهاون و لا تراجع فيها ألا وهى : لا إكراه في الدين ، ولا حد لمن يرتد عن الإسلام و يعود للكفر، أو لمن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وأنه لا يجوز لمسلم أو كافر أن يتمرد على نظام الدولة و المجتمع الذي يعيش فيه أو يتحالف مع الأعداء ضد أهله ووطنه .

 

العقوبات التي حددها القرآن للمرتد ليس من بينها القتل أو إجباره علي الاستتابة

 

الردة اصطلاحا بمعني الرجوع ، وشرعًا تعني: كفر المسلم بعد الأيمان ( خروجه من الإسلام ) وقد جاء ذكر لفظ الردة في بعض آيات القرآن صريحا وفي بعضها بتعبير"الكفر بعد الإيمان".

 

أما تعبير الردة، فقد ورد في قوله تعالى: "… وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِن اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ" (البقرة: 217). وفي قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ" (المائدة: 54). وفي قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمْرِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلاَئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ" (محمد: 25 - 27).

 

وجاء تعبير الكفر بعد الإيمان في قوله تعالى: "مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآَخِرَةِ وَأَنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ" (النحل: 106 - 109). وفي قوله تعالى: "أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ" (البقرة: 108). وفي قوله تعالى: "كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللهِ وَالْمَلاَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ " (آل عمران: 86- 90). 

وجاء التعبير بالكفر بعد الإيمان أيضًا في سورة النساء في قوله تعالى: "إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً" (النساء: 137). وفي سورة التوبة: "لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مِّنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ" (التوبة: 66).

وفي سورة التوبة جاء التعبير بالكفر بعد الإيمان في قوله تعالى: "يَحْلِفُونَ بِاللهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ وَإِن يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ" (التوبة: 74).

ونلاحظ من هذه الآيات الكريمة التي قدمناها أن نصوصها لم تشر من قريب أو من بعيد إلى أية عقوبة دنيوية يأمر بها القرآن لتُوقَّع على المرتد عن الإسلام رغم عظم الجرم الذي ارتكبه المرتد في حق الله والدين والحكمة من ذلك منح فرصة كافية للمرتد ليراجع موقفه ويعود للإيمان قبل فوات الأوان فلا يكون له حجة في الآخرة ، وقد توعدت هذه الآيات المرتدين والمنافقين بالعقوبات الآتية :

1. حبط أعمالهم في الدنيا والآخرة .

2. دخولهم النار خالدين فيها

3. نزول غضب الله ولعنته عليهم ولعنة الملائكة والناس أجمعين

4. تعذيب الملائكة لهم لحظة وفاتهم بضرب وجوههم وأدبارهم

5. عدم قبول توبة من ازداد في الكفر منهم وعدم هدايتهم إلى السبيل المستقيم

6. استبدالهم بعد كفرهم بقوم مجاهدين يحبهم الله ويحبونه أذلة علي المؤمنين أعزة علي الكافرين ولا يخافون في الله لومة لائم .

أما آية سورة التوبة رقم: 74، التي يتضمن نصها الوعيد بعذاب أليم في الدنيا والآخرة فهي لا تفيدنا في تحديد عقوبة دنيوية للمرتد؛ لأنها إنما تتحدث عن كفر المنافقين بعد إسلامهم. ومن المعلوم أن المنافقين لا عقوبة دنيوية محددة لهم؛ لأنهم لا يُظهِرون الكفر، بل يخفونه ويظهرون الإسلام. والأحكام العقابية في النظام الإسلامي تُبنى على الظاهر من الأعمال أو الأقوال، لا على الباطن الذي انطوت عليه القلوب أو أسرَّته الضمائر.

وهكذا، فإننا لا نجد في النصوص المتعلقة بالردة في آيات القرآن الكريم تقديرًا لعقوبة دنيوية للمرتد بالقتل تحت أي مسمي كما لم يطلب المولى سبحانه و تعالى من المؤمنين مراجعة المرتدين وطلب الاستتابة منهم بالعودة إلى الإسلام خلال مدة معينة وإلا وجب إهدار دمهم ، وإنما نجد في هذه النصوص تهديدًا ووعيدًا شديدًا بالعذاب الأخروي في شأن معصية لا يُستهان بها فالردة في حكم القرآن الكريم معصية خطيرة الشأن وإن لم تُفرض لها آياته عقوبة دنيوية.

 

فإذا كان الأمر كذلك فمن أين أتى الفقهاء بحد الردة ؟

 

 اتفقت المذاهب الأربعة، بل الثمانية، على أن المرتد يُقتل. ودليلهم في ذلك ثلاثة: القرآن والسنة والإجماع.

 

- فمن الكتاب: {ستُدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون} (الفتح: 16) قيل: هؤلاء القوم هم المرتدون من أهل اليمامة وغيرهم.

- ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: "من بدل دينه فاقتلوه" (رواه البخاري)، وقوله: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: … والتارك لدينه المفارق للجماعة". واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل عبد الله بن أبي سرح وابن خَطل وأناس آخرين.

- ونقل ابن عبد البر وابن قدامة وابن دقيق العيد وابن حزم والنووي الإجماع على قتل المرتد. ولعلهم إنما حكوا الإجماع استنادا لقتال أبي بكر المرتدين من غير نكير من الصحابة.

 

الحدود في الإسلام مصدرها القرآن وليس أحاديث الآحاد

 

الحدود هي أصل التشريع في الدين الإسلامي ، والتشريع حق مطلق للخالق سبحانه وتعالى وحده لا يشاركه في هذا الأمر مخلوق مهما علا شأنه ، وليس لأي نبي أو ملاك أو بشر أن يضع تشريع ديني من عنده ، فهذا شان من شئون الخالق الذي اختص نفسه بها فهو الأعلم بشئون الخلق وبما يصلح شأنهم أو يزجرهم عن ارتكاب الجرائم والمعاصي الكبرى .

ومن ثم فالمصدر الأساسي للتشريع في أي ديانة هو كلام الله سبحانه وتعالى أي الكتاب السماوي المنزه من أي تحريف أو تبديل أو تأويل .

ووظيفة الرسل هي إبلاغ الناس بهذه الشريعة وبيان طرق وأحوال تطبيقها ومقاصدها التشريعية.

 

لذلك نجد كلمة حدود في القرآن لم تأت إلا منسوبة إلى الله سبحانه وتعالي ، وظهر ذلك جلياً في الآيات التالية :

{…… تلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } البقرة229

{…… وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } البقرة230

 

{تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } النساء13

فالحدود هي عقوبات وأوامر ونواهي من الله للبشر، يقرها ويشرعها الله وحده لا شريك معه في هذا الأمر.

 ومن ثم فأي حد لابد وان نجد له أصل ونص في القرآن فإن لم نجد نص فلا أصل لهذا الحد في التشريع الإسلامي ، وكل قول أو فعل ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أو رواية ويتعلق بهذا الحد فالله ورسوله منه براء .

 

وحد الردة في الإسلام مصدره الأساسي مجموعة من أحاديث الآحاد (وليس الأحاديث المتواترة) وهي أحاديث غير مجمع بين العلماء علي صحتها أو صحة نسبتها للنبي صلي الله عليه وسلم .

 

 وأهم ما اعتمد علية الفقهاء في هذا الشأن الأحاديث الآتية :

 

·   الحديث الأول : حدثنا عمر بن حفص حدثنا الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله (ابن مسعود) قال : قال رسول الله (ص) لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث : النفس بالنفس و الثيب الزاني والمفارق لدينة التارك للجماعة . (رواه البخاري 6878 ، ومسلم 1676 ، والنسائي 4016) .

 

·   الحديث الثاني : حدثنا أبو النعمان محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد بن أيوب عن عكرمة قال :أتى على رضى الله عنه بزنادقة فأحرقهم ، فبلغ ذلك ابن عباس فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم لنهى رسول الله (ص) "لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول رسول الله (ص) : من بدل دنيه فاقتلوه .(رواة البخاري 6922 ، والنسائي 4060 ، والترمذى 1458) . ولم يروى مسلم هذا الحديث لوجود عكرمة فيه فهو متهم بالكذب كما سنوضح بعد قليل .

 

·   الحديث الثالث : حدثنا على بن عبد الله الوليد حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعى حدثني يحيى بن أبى كثير قال: حدثني أبو قلابة الجرمي عن أنس رضى الله عنه قال : قدم على النبي صلى الله علية وسلم نفر من عٌكل فأسلموا فإجتووا المدينة ، فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا ، فارتدوا فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل ، فبعث في آثارهم فأتى بهم ، فقطع أيديهم وأرجلهم وتسمل أعينهم ثمن لم يحسمهم حتى ماتوا. (رواه البخاري 6802) .

 

وهذه الأحاديث مثلها مثل باقي الأحاديث هي من أحاديث الآحاد ، وهناك إجماع بين العلماء على أن أحاديث الآحاد مشكوك في ثبوتها لذا فهي لا تأخذ إلا على سبيل الظن وليس اليقين ، ومن ثم فهي لا تفيد علما ولا توجب عملا .

 

قال ذلك : الخطيب البغدادي والمناوى والشنقيطى والشاطبى والكراماستى والقاضى الباقلانى ووهبة الزحيلى والشوكانى والسيوطى والآسنوى والسخاوى والعراقي والزركشى وغيرهم .


يتبع بقية البحث بالجزء الثاني علي الرابط التالي :


http://heshamkamal.3abber.com/post/140450



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل