القرآن المهجور بالأحاديث الضعيفة والموضوعة بكتب الصحاح - هشام كمال عبد الحميد - الجزء الرابع

القرآن المهجور بالأحاديث الضعيفة والموضوعة بكتب الصحاح - هشام كمال عبد الحميد - الجزء الرابع


القرآن المهجور بالأحاديث الضعيفة والموضوعة بكتب الصحاح

هشام كمال عبد الحميد

الجزء الرابع

يرجي قراءة الجزء الأول والثاني من البحث علي الروابط التالية :

http://heshamkamal.3abber.com/post/132833


http://heshamkamal.3abber.com/post/132834

http://heshamkamal.3abber.com/post/132839

 

معايير قبول أو رفض الحديث المنسوب للرسول صلي الله عليه وسلم

أولاً لابد أن نعرف أن هناك أحاديث يقال عليها ضعيفة ووجدناها تتحقق علي أرض الواقع مثل الكثير من أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة وغيرها مما يدل علي أن قائلها لا بد أن يكون النبي صلي الله عليه وسلم لأنه لا يعقل أن نفترض أن مخترعها كان يتنبأ بالغيب ، وهناك أحاديث يقال أنها صحيحة ومنها ما يخالف ويناقض آيات وأحكام صريحة في القرآن ، والسر في ذلك يعود لسببين أساسين ، الأول أن صحة الحديث يقصد بها صحة السند وليس صحة المتن كما قال العلماء فيما سبق وأن أوضحناه ، ثانياً أنه بعد أحداث الفتنة الكبرى عقب مقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بدأ كل من فريقي أهل السنة والشيعة لا يعترفون إلا بالأحاديث التي تروي عن أشياعهم وأنصارهم وأي حديث عند أهل السنة يوجد في سنده رجل شيعي من يتم رفضه عندهم ويجرحونه بدعوي أنه رافضي ولا يقبلونه إلا في حالات نادرة أو لذر الرماد في الأعين حتي لا يتهموا بالتعصب لأنصارهم ، وأي حديث عند الشيعة يرد في سنده رجل من أهل السنة وهم أنصار أبو بكر وعمر وعثمان ومعاوية يتم رفضه عندهم بدعوي أنه من أنصار معاوية وبني أمية ومن أعداء آل البيت ، وفي هذا العصر ظهرت مقولة سموا لنا رجالكم عند قبول أي حديث ، أي أعطونا سند الحديث لنحكم بقبوله أو رفضه ، فلم يكن المعيار في هذا الزمن هو التدقيق في متن الحديث (مضمونه) وأصبح المعيار السائد هو من الرجل الذي قال الحديث وليس ماذا قال الرجل ، فإن كان الرواة من أشياعهم أخذوا به ولو كان متنه مخالفاً للقرآن وأن كان أحد الرواة من أنصار الفريق الآخر رفضوه ولو كان أصدق الناس ، وهذه كانت طامة كبري ساعدت الوضاعين في تسريب الكثير من الأحاديث عند الفريقين ، فكان الوضاعين يضعون سلاسل سند للحديث مقبولة ومعتمدة عند السنة أو الشيعة فيقبلها أصحاب كل فريق علي علاتها وبلا تميز أو تفكر أو تدبر في مضمونها بعد أن أقروا في هذا العصر المبدأ الشاذ والمنافي للعقل والأساليب العلمية في البحث والتدقيق وتمحيص الأحاديث والذي يقر أنه إذا صح السند صح المتن ، وبهذا تحولت عملية قبول الحديث أو رفضه والحكم علي صحته إلي عملية تحكمها العنصرية العرقية والتعصب المذهبي والقبلي ، وأقرب مثال علي ذلك هو رفض كل كتب البخاري ومسلم وباق كتب الصحاح عند المذهب الشيعي فهم لا يعترفون بصحة هذه الكتب ويرفضون كل ما جاء بها ولا يذكرون حديثاً منا إلا إذا كان موافقاً لما في مذهبهم أو مؤيداً لحديث عندهم ، وعلي الجانب الآخر نجد أهل السنة لا يعترفون بكتاب الكافي الذي جمعه الكلينى وهو يقابل البخاري عند أهل السنة ولا يقبلون أي حديث وارد في سائر كتبهم الأخرى المعتمدة في المذهب الشيعي .

ناهيك عما كان يتعمد أنصار كل فريق من السنة والشيعة في وضع أحاديث تسيء إلي أنصار الفريق الآخر ولو كانوا من كبار الصحابة وأخري تمجد وتمدح وتعلي قدر الصحابة الذين كانوا من أنصار فريقهم ، وبهذا تدخلت السياسة والتعصب المذهبي في الدين وظهرت أحاديث مدح الصحابة والمبشرون بالجنة والمغضوب عليهم وفضائل آل البيت وأنصار علي …. الخ عند كلا الفريقين ، ووضع كل فريق من الفرق الإسلامية بعد ذلك أحاديث تؤكد ظهور المهدي المنتظر من فرقتهم ومذهبهم ، كما ظهرت الأحاديث التي تشير أو تلمح صراحة أن أتباع المذهب السني أو الشيعي أو الزيدي أو المرجئ أو الأباضي أو الإسماعيلي ……. الخ هم الفرقة الناجية ووحدهم من سيدخلون الجنة وغيرهم كافرون وخارجون عن الملة وسيأتي المهدي المنتظر في نهاية الزمان لينكل بهم ويقضي عليهم ، والواقع أن المهدي المنتظر في سبيل توحيد الأمة سيقف ضد كل هذه الفرق والمذاهب والتيارات الدينية التي فرقت المسلمين وجعلتهم أحزاباً وأشياعاً كل فريق بما لديهم فرحون  كما وصفهم بذلك الخالق سبحانه وتعالي وتوعدهم بالعذاب الأليم في الآخرة  واعتبرهم من المشركين لأنهم اتخذوا العنصرية والمذهبية إلهاً يشركون به مع الله ويجعلون أنصارهم وأتباعهم يتعصبون لها ويقاتلون من أجلها وهذا نوع من الشرك في الدين فعله أهل الكتاب قبلنا واتبع نفس المنهج المسلمون من بعدهم ، ويتضح ذلك من قوله تعالي :

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (الروم:30- 32)

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ) (الأنعام:159)

وما زالت نار الحرب والفتنة بين أنصار الفريقين مشتعلة خاصة علي مواقع الإنترنت وهناك دول تمول هؤلاء الأتباع وتحشد المزيد منهم في معسكرها والغرب والصهاينة يعملون ليلاً ونهاراً علي تأجيج نار هذه الفتنة وصب المزيد من الزيت علي النار المشتعلة فيما بينهما والخاسر في النهاية شعوب الأمة الإسلامية المغيبة عقلياً والمعطلة فكرياً بما يبثه في أذهانهم أذرع الفتنة من المشايخ ورجال الدين التابعين للفريقين علي الفضائيات والإنترنت ووسائل الإعلام الأخرى ومنابر المساجد .

ومن أسباب وضع الأحاديث أيضاً انقسام الفقهاء عند نشوء الفقه بين مدرستين مدرسة الكوفة ومدرسة المدينة ، وكان أبي حنيفة من المنتمين لمدرسة الكوفة والشافعي وابن حنبل ومالك من المنتمين لمدرسة المدينة وكانت مدرسة الكوفة تعتمد الرأي في الفقه أي تجيز للفقيه الإفتاء في المسائل الفقهية برأيه ، أما مدرسة المدينة فلم تكن تأخذ بالرأي ولا بد عندها من وجود أي حديث لاستنباط الحكم الفقهي منه .

وقد سعي بعض الوضاعين المنتمين لهذه المدارس الفقهية والمتعصبين لها خاصة مدرسة المدينة لوضع أحاديث توافق الآراء الفقهية للمؤسسين لهذه المدارس وكان فقهاء هذه المدرسة يعتمدون علي هذه الأحاديث في إصدار فتاواهم الفقهية ، فهل كان بعض الفقهاء هم الذين يدفعون بهؤلاء الوضاعين لبث هذه الأحاديث المكذوبة التي توافق آرائهم الفقهية لترويجها بين الناس ثم يعتمدون عليها بعد ذلك في كتبهم ؟ والإجابة الله أعلم وكل شيء وارد .

ومن أشهر هؤلاء الوضاعين إسماعيل بن أبي أويس وكان من المذهب المالكي وكان من مشايخ البخاري وهو من الرجال المطعون عليهم عند البخاري وللموضوعية لا بد أن نوضح أن البخاري لم ينقل عنه إلا في المتابعات فكان يورد رواية صحيحة السند من وجهة نظره في باب معين ثم يتبعها برواية لإسماعيل بن أويس  تقارب الرواية التي اعتمدها البخاري .

وابن أبي أويس هو من نقل فقه مالك ومسائله وراوي الموطأ وكان من تلاميذ مالك .

ونجد اسمه دائما في قائمة الضعفاء والوضاعين [ انظر العقيلي: الضعفاء، النسائي : الضعفاء والمتروكين [ 

وقد اعترف إسماعيل بن أبي أويس في نهاية حياته بوضعه الأحاديث لحل الاختلافات الفقهية حيث قال: ربما كنت أضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا في شيء فيما بينهم ". وهذه الرواية رواها الدر اقطني عن سلمه بن شبيب عن إسماعيل بن أبي أويس ( راجع مصادر الفقه المالكي 61– وتهذيب التهذيب 1/312 ، 6/83-84) . 

وأخيراً لا ينخدع أحد بما يروج له المولعون بترديد وترويج الأحاديث الغير مثبت نسبتها للنبي صلي الله عليه وسلم من أن علماء السلف قد نقلوا لنا سنة النبي كاملة ، فهذه أكذوبة كبري فسنة النبي لم ينقل لنا منها إلا الشيء اليسر ، فالسنة الحقيقية كانت في خطب النبي التي يلقيها علي المسلمين كي صلاة الجمعة وهذه الخطب لم ينقل لنا منها شيئاً ، رغم أنها كانت تحوي بيان النبي للقرآن وتفسيره لأحكامه وآياته وسوره وغوامضه ، فلم يكن في استطاعة كل الصحابة في عصر النبي صلي الله عليه وسلم الاجتماع به يومياً لسماع ما نزل من القرآن ومعرفة تفسيره لانشغالهم بأعمالهم وتجارتهم ، والفرصة الوحيدة لكل المسلمين لسماع ذلك كانت يوم الجمعة فيصعد النبي للمنبر ويتلو عليهم ما نزل من قرآن خلال الأسبوع ثم يفسره ويبينه لهم عملاً بقوله تعالي :

وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:44) 

وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (النحل:64)

وعمر الدعوة النبوية 23 سنة والسنة القمرية فيها حوالي 50 جمعة أي يجب أن يكون هناك حوالي 1150 خطبة جمعة للنبي وإذا سلمنا بصحة قول المبررين لهذا الأمر من المولعين بكتب الصحاح بأن النبي لم يخطب جمع في مكة واتي مكث بها 10 أو 13 سنة علي اختلاف الروايات فلا بد أن نجد 500 أو 600 خطبة جمعة خلال فترة معيشته في المدينة بعد الهجرة( 10 أو 13 سنة حسب الروايات) ، وهذه الخطب لا بد أن تكون متواترة وليست أحاديث آحاد مثل سائر الأحاديث ، ولا بد أن يرويها المئات أو الآلاف من الصحابة الذين حضروا وسمعوا هذه الخطب ، ولا بد أن تحتوي هذه الخطب علي تفسير النبي لآيات القرآن وإلا ماذا كان يقول النبي في خطب الجمعة أن لم يفسر للمسلمين القرآن ويوضح أحكامه ، فأين خطب الجمعة هذه في كتب السنة أو الحديث ، فلا يوجد حديث واحد منسوب للنبي فيه تفسير لآية قرآنية ، وكل كتب التفسير القرآني ليس بها تفسير النبي للآيات القرآنية ، وما أكثر الروايات بكتب التفسير المنسوبة لأبن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار وأبي هريرة وقتادة والشعبي والحسن البصري وغيرهم من الصحابة والتابعين في تفسير الآيات في الوقت الذي لا نجد فيه تفسير لآية واحدة للنبي أو توضيح لقصة من قصص الأنبياء والأمم السابقة ، فهل يعقل هذا الأمر ؟ ألم يقم النبي بتفسير القرآن وبيانه للناس وترك ذلك لعوام الأمة ؟

وأقصي ما نجده بكتب التفسير والحديث روايات وأحاديث منسوبة للنبي يزعم المفسر أنها متعلقة بالآية أو هي السبب في نزول الآية ، ومعظمها روايات ضعيفة ومطعون في سندها .

ومعظم أحاديث وسنة النبي يجب أن تركز علي القرآن وآياته فقد كان خُلقه وكل تصرفاته وسلوكه مستوحاة من المنهج القرآني ، فأين هذه الأحاديث والخطب المفسرة للقرآن ومن الذي أخفاها عن الأمة واستبدل لنا بها هذه الروايات المكذوبة أو المطعون في صحتها أو المدون بها أحكاماً مخالفة لأحكام القرآن الكريم فتم من خلالها تبديل دين الله وإنشاء دين جديد ، لابد أن هناك مؤامرة كبري حيكت علي الإسلام من أعدائه والمتربصين به استخدمت فيها أيادي إسلامية أو أيادي لرجال ينتسبون للإسلام وما هم إلا أذرع وأعوان لأيادي صهيونية وشيطانية سعت لهدم الإسلام وتحريفه في مهده من خلال الأحاديث المبدلة بعد أن علمت بعجزها عن تحريف القرآن لتعهد الله بحفظه ، وهذه الأيادي الخفية بدأت خطتها والنبي ما زال علي قيد الحياة فقد حذر الله رسوله والأمة من هذا المخطط في قرآنه بقوله تعالي :

 

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (فصلت:26)

 

ففي حياة النبي علم الكفار والصهاينة والملاحدة أنهم لن يكون في قدرتهم تحريف القرآن لصيانته وحفظه من الله ولكي يصرفوا الناس عنه خططوا للغو فيه لعلهم ينصرون ، فما هو هذا اللغو ؟ .

اللغو في اللغة هو الكلام الذي لا يعتد به ولا نفع أو فائدة منه ، وبذلك يكون اللغو في القرآن هو التشويش عليه والصرف عنه بأحاديث مكذوبة ينشغل الناس بها عن القرآن ويتلهفون علي دراستها والعمل بما فيها ويهجرون القرآن ، وهذا ما يستفاد من قوله تعالي : 

* وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان:30).

* وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (لقمان:6)

* تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (الجاثـية:6)

* اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (الزمر:23)

هذا هو حديث الله وهو أصدق الحديث بلا ريب ، وهو البوصلة والمرجعية الأساسية التي نحكم بها علي كل حديث سواه

وفي الماضي كان يتم تبديل دين الله في الكتب السماوية السابقة من أعداء الله وبأيدي أعوانهم الذين يبعثونهم في كل دين جديد فيدخلون فيه ويتم الترويج لهم فيصبحوا قادة وزعماء دينين أو سياسيين ويستخدمون هم وضعاف النفوس والمنافقين في تغيير دين الله بعدة طرق شيطانية يمكن أن نوجزها فيما يلي :

 

1. تحريف كتاب الله وتبديل آياته وأحكامه أو تأويلها بتفسيرات مخالفة للنصوص وبعيدة عنها من رجال الدين ، فأي دين يتم تبديله وتحريفه لا يستخدم أعداء الدين في هذا الأمر سوي أيدي وفتاوى  رجال الدين فالتوراة حرفها وبدلها الأحبار والإنجيل لم يحرفه سوي القساوسة ونفس الحال في كل ديانة انحرفت عن مسارها السماوي ، وهنا يحضرنا قوله تعالي :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) (التوبة:34)

وقوله تعالي : 

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة:75)

2. ابتداع أحاديث منسوبة لنبي كل دين بها أحكام وعقائد وعبادات مخالفة للمنصوص عليه بكتاب الله السماوي ، واستخدام بعض رجال الدين والمأجورين في الترويج لهذه الأحاديث المنسوبة لنبيهم كذباً وزوراً حتي ترسخ في أذهان الناس وتصبح جزء لا يتجزأ من عقائدهم ومفاهيمهم وتشكل سلوكياتهم ، وبعد ذلك يتم الاعتماد عليها في جميع الفتاوى والتفسيرات فينشأ بها دين شيطاني جديد مخالف لدين الله وعقائد باطلة تهدم الدين السماوي رأساً علي عقب . 

3. تشديد الأحكام الميسرة وتيسير الأحكام المشددة ، فينتج عن الأول نفور وضجر من الناس يؤدي إلي انصرافهم عن الدين ، وينتج عن الثاني تسيب وانحراف خلقي وفساد سياسي واجتماعي فتشيع الفاحشة والفساد والانحلال الخلقي ، وهنا يحضرنا ذكر قوله تعالي :

يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (البقرة: من الآية185)

وأقرب مثال علي الحالة الأولي حد الرجم وحد شرب الخمر وحد الردة وقصر الحج للمسلمين علي شهر ذي الحجة ،  فهذه أمور تم التشديد علي المسلمين فيها رغم تيسيرها من الله علي الناس ، فالقرآن لم ينص علي عقوبة لشارب الخمر ولم ينص علي عقوبة دنيوية لمن يرتد عن دينه أو يرتد عن الإسلام وأجل عقوبته للآخرة لعله يتوب ويهتدي قبل موته وابتداع هذا الحد يؤدي لنفور الكثير من غير المسلمين من الإسلام وانصرافهم عن الدخول فيه  حتي لا تقطع رقابهم إذا قرروا الخروج منه والرجوع لدينهم الأول ، فالداخل في الإسلام بهذا الحد مولود والخارج منه مفقود وتحول الإسلام بهذا الحد إلي ما يشبه الديانات السرية التي تحظر علي أتباعها الخروج من دينهم ، وقرر القرآن عقوبة الجلد للزاني مائة جلدة دون تمييز كما جاء في الأحاديث المكذوبة بين زاني محصن وزاني غير محصن (أي متزوج أو أرمل أو أعزب ) ولم يأتي للرجم أي نص قرآني ولا نجد ذكره سوي في أحاديث موضوعة تزعم أن هناك آية ساقطة من القرآن ولم تثبت فيه وهي منسوخ تلاوتها وباقي حكمها والحقيقة أنه لا ناسخ ولا منسوخ في القرآن ويمكن مراجعة هذا الموضوع بكتابنا " الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن " علي الروابط السابق ذكرها في بداية البحث ، وفي جميع الأحوال أسقط الله الحدود والعقوبات عمن يتوب بعد ذلك وينتهي عن هذه الأفعال وهذه أمور يطول شرحها ولا مجال لمناقشتها هنا ، والحج بنص القرآن أشهر معلومات وليس أيام معدودة أو شهر واحد والأشهر المعلومات للحج هي الأشهر الحُرم . 

وأقرب مثال علي حالة تيسير المشدد إسقاط حد الإفساد في الأرض وتحويله إلي ما يعرف بحد الحرابة في الفقه الإسلامي وهو حد قطاع الطرق، قال تعالي :

إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:33)

فحد الإفساد هو حد لمن يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً وليس حداً لقطاع الطرق فهؤلاء لصوص ويطبق عليهم حد السرقة ، أما المفسدون في الأرض فهم الحكام الظلمة الفسقه المستبدين وأعوانهم الذين يستعبدون العباد ويخربون البلاد ويحبون أن تشيع الفاحشة بينهم ، ورجال الأعمال الذين يخربون اقتصاديات الشعوب لمصالحهم الشخصية مفسدون في الأرض ، ومثيري الفتن من رجال الدين والسياسيين الذين يفرقون بين الشعوب والأمم هم مفسدون في الأرض ، ومديري شبكات الدعارة وأفلام الجنس وشبكات النهب والنصب المنظم هم مفسدون في الأرض ........ الخ

وهؤلاء جميعاً عقوبتهم أو حدهم المنصوص عليه في القرآن قتلهم أو صلبهم أمام أعين الناس في الميادين العامة أو يتم التنكيل والتمثيل بأجسادهم وهم أحياء فيتم قطع أيديهم اليمني مع أرجلهم اليسري ثم يتم بعد ذلك قطع أيديهم اليسري مع أرجلهم اليمني أو يتم نفيهم خارج البلاد في الصحاري والبراري لأنهم وباء داخل المجتمع ، فأين هذا الحد ولماذا صمت رجال الدين عنه ولم يطالبوا بتطبيقه علي الحكام وأعوانهم من المفسدين في الأرض وانحرفوا بالحد عن مضمونه وأطلقوا عليه حد الحرابة 

وهناك أمثلة أخري كثيرة في الأحاديث المكذوبة المنسوبة للنبي صلي الله عليه وسلم بها الكثير من الأحكام والعقائد المخالفة لأحكام القرآن الكريم وعقائد الإسلام ، ويمكن مراجعة هذه الأمور بكتابنا الذي سيصدر قريباً أن شاء الله تعالي " الأحكام الفقهية المناقضة لأحكام القرآن الكريم "

 

والسؤال الآن هو : كيف نحكم علي صحة أو ضعف الحديث المنسوب للنبي صلي الله عليه وسلم ؟ 

هناك معايير وأسس لابد من وضعها في الحسبان قبل الأخذ بأي حديث وآخر هذه المعايير هو سند الحديث لأن تضعيف وتوثيق الرجال من علماء السلف كانت تتدخل فيه الأهواء الشخصية والانتماءات السياسية والعصبية المذهبية والقبلية ومن ثم لم يكن هذا المعيار الذي أعتمد عليه السلف بصفة أساسية معيار يقاس بحيادية وتجرد وهذه المعايير التي يقاس بها الحديث وفق المنهج القرآني والعلمي والعقلي هي : 

1. أن يكون الحديث منسوباً إلي النبي وليس مجرد رواية منقولة عن قول أو فعل صحابي وإلا فهي تعبر عن رأيه ومنطقه وفهمه هو وتفسيره للنصوص . 

2. ألا يحتوي الحديث علي حدود غير منصوص عليها في القرآن لأن الحدود والتشريعات بيد الله وحده وما عداها حتي لو افترضنا جدلاً أن الرسول هو قائلاها فهي تشريعات بشرية وليست سماوية وهي قابلة للأخذ والرد طالما لم يأتي بها وحي من السماء ولم تدرج في كتاب الله .

3. ألا يكون بالحديث أحكام وعقائد مخالفة لأحكام القرآن الكريم وعقائد وروح الإسلام وألا تصطدم بعض جزئيات الحديث مع آيات قرآنية صريحة تخالفها في المضمون فتوحي مثلاً بأن الإنسان مسير وليس مخير في أعماله أو أن أعماله من خير وشر يرتكبها علي غير أرادته لأن الله كتب عليه ذلك ...... الخ .

4. ألا يتناقض الحديث مع الحقائق العلمية والتاريخية والكونية التي ثبتت صحتها لأن النبي لا ينطق عن الهوى فالوحي لا يخبره بأشياء علمية أو كونية أو تاريخية خاطئة . 

5. الأحاديث التي يقال أنها ضعيفة السند وبها إخبار بأمور مستقبلية وغيبية إذا تحققت وشهدها الناس علي أرض الواقع فلا بد من التسليم بصحة الحديث أو بعض أجزائه لأنه لا يعقل أن يكون قائلاها كان يتنبأ بالغيب ولا بد أن ما قاله أو جزء منه جاء به أخبار ووحي من السماء لرسول الله صلي الله عليه وسلم .

6. ألا يكون بالحديث أحداث تاريخية من عصر النبوة منافية للأحداث التاريخية الثابتة بكتب التاريخ الإسلامي عن هذا العصر أو الأحداث المذكورة بالقرآن عن نفس تلك الفترات والأحداث ، وأقرب مثل علي ذلك قول أبو هريرة في أحدي رواياته " كنا مع رسول الله في موقعة بدر ...... "  ومن الثابت تاريخياً أن أبو هريرة لم يشهد موقعة بدر التي وقعت في مكة قبل الهجرة بعدة سنوات ففي أيام موقعة بدر كان أبو هريرة من الكافرين ولم يسلم بعد وكان يعيش بمدينة دوس باليمن وأسلم بعد الهجرة سنة 7 هـ علي يد الطفيل بن عمرو وهاجر للمدينة في نفس العام وعاشر النبي 3 سنوات فقط. 

7. ألا يكون مضمون الحديث منافياً للعقل والمنطق والفطرة الإنسانية التي فطر الله الناس عليها 

8. ألا يكون بالحديث أي حث علي العنف أو الاعتداء علي المسالمين من غير المسلمين

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
ألا إنها ستكون فتنة قيل ما المخرج منها يا رسول الله قال كتاب الله فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: {إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ} من قال به صدق ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم].

 

والله الموفق والهادي إلي سبيل الرشاد .

 


[1]- ص 91 - جـ 2 - طبع بالهند ، نقلاً عن أضواء على السنة المحمدية - محمود أبو رية ص 19 - دار المعارف .

[2]- تذكرة الحفاظ للذهبى - جـ 1 ص 3.

[3]- جامع بيان العلم وفضله ص 64 ، 65 جـ 1 ، طبقات ابن سعد طبعة ليدن لابن عبد البر ، جـ 1 / 3 ص 206 .

[4]- طبقات ابن سعد - جـ 5 - ص 140 ، تقييد العلم للبغدادى ص 52 .

[5]- شرح شروط الأئمة الخمسة للحازمى ص 48 - 49 .

[6]- المصدر السابق .

[7]- إرشاد السارى شرح القسطلانى جـ1 ، ص 7 .

[8]- شرح الزرقانى على الموطأ - جـ1 ، ص 10 .

[9]- إحياء علوم الدين - الغزالى - جـ1 ص 79 طبعة بولاق سنة 1296 هـ .

[10]- النجوم الزاهرة - ابن تغر بردى - جـ 1 ، ص 351 .

[11]- الكفاية للخطيب ، ص 41 ، ص 472 .

[12]- اليواقيت للمناوى شرح شرح النخبة جـ 1 / 176 - 179 .

[13]- مراقى السعود - شرح محمد الأمين - 272 كتاب السنة .

[14]- الموافقات للشاطبى 1 / 24 ، المقدمة الثانية 3 / 11 ، 106 .

[15]- الوجيز فى أصول الفقه للكراماستى : 52 المرصد السادس فى السنة .

[16]- تمهيد الأوائل للباقلانى : 441 باب آخر فى خبر الواحد .

[17]- أصول الفقه الإسلامي لوهبه الزحيلى - جـ 1 / 455 .

[18]- التقريب للنووى ( 18 ، 11 ) ، مقدمة صحيح مسلم ( 85 - الفصل الرابع ) .

[19]- مقدمة شرح النووى لصحيح مسلم جـ1 / 41 - طبعة الريان .

[20]- نزهة الخاطر العاطر شرح روضة الناظر للشيخ عبد القادر الرومى - جـ 1 / 261 .

[21]- قفوا الأثر فى صفو علوم الأثر - الإمام رضى الدين الحلبي الحنفى ص 46 .

[22]- إرشاد الفحول فى علم الأصول - الشوكانى - جـ 1 / 207 .

[23]- تدريب الراوى شرح تقريب النووى - السيوطى ص 39 .

[24]- نهاية السول - شرح منهاج الوصول للإمام الآسنوى - جـ 2 / 317 .

[25]- فتح المغيث شرح ألفية الحديث - السخاوى - جـ1 / 91 الحديث الصحيح .

[26]- فتح المغيث للعراقى ص 9 ، والتبصرة والتذكرة للعراقى جـ 1 / 15 .

[27]- فتح الباقى على ألفية العراقى الحافظ زكريا الأنصارى - جـ 1 / 15 ، 69 ) .

[28]- سلاسل الذهب - بدر الدين الزركشى - الكتاب الثانى فى السنة - ص 321 .

التعليقات

  1. heshamkamal heshamkamal علق :

    الأخت أحلام هذا الحديث ضعيف السند

  2. احﻻم الحربي علق :

    بارك الله في جهودكم وانا مقتنعه بكﻻمك تماما ولذلك اريد منك رايك في حديث لعن الله النامصه والمتنمصه ...الخ الحديث
    اذا تفضلت اكن لك من الشاكرين

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل