القرآن المهجور بالأحاديث الضعيفة والموضوعة بكتب الصحاح

هشام كمال عبد الحميد

 الجزء الأول


تواصل معنا علي الفيس بوك علي الرابط التالي : https://www.facebook.com/profile.php?id=100001177479036

 

·        تحذير النبي والصحابة للمسلمين من هجر القرآن والتمسك بالأحاديث المكذوبة علي النبي

·        الفرق بين الحديث النبوى ( السنة النبوية ) والرواية

·        متى وكيف تم تدوين الأحاديث النبوية وروايات وأعمال الصحابة

·        اعتراف العلماء أن أحاديث الآحاد الموجودة بكتب الصحاح مشكوك فى صحتها ولا تفيد    علماً

·        الأحاديث الضعيفة والموضوعة بكتب الصحاح كانت السلاح الأساسي لأعداء الإسلام للطعن فيه وفي نبوة الرسول

·        معايير قبول أو رفض الحديث المنسوب للرسول صلي الله عليه وسلم

 

تحذير النبي والصحابة للمسلمين من هجر القرآن والتمسك بالأحاديث المكذوبة علي النبي


للأحاديث النبوية الواردة بكتب الصحاح السنية والشيعية أهمية كبري في عقيدة المسلمين وتشكيل المفاهيم والمبادئ والأسس التي تشكل عقله وتحكم سلوكياته وتصرفاته مع الآخرين ،فهذه الأحاديث في نظر الغالبية العظمي من الفقهاء ورجال الدين من مختلف المذاهب الإسلامية تحتل المرتبة الثانية في التشريع بعد القرآن ، فهي الشارحة لنصوصه والموضحة لطريقة أداء الفرائض والعبادات من صوم وحج وزكاة وصلاة…..الخ وهذا أمر لا جدال ولا خلاف عليه في المبدأ.

وقد أعتبر الكثير من رجال الدين وفقهاء السلف الأحاديث الواردة بكتب الحديث المعتمدة عند كل فريق أو مذهب وكتب السيرة النبوية والتفسير والمغازي يغثها وسمينها هي السنة النبوية ومنها استنبطوا 90 % من فتاواهم وأحكامهم الفقهية ، ولم يلتزم الكثير منهم في هذا الأمر ويتقيدوا بالضوابط والمعايير التي وضعها علماء الحديث وعلم الرجال لقبول الحديث أو رفضه أو الاحتجاج به أو الاعتماد عليه في استنباط الأحكام الفقهية والعقائدية ، وأصبح خطباء المساجد ومشايخ الفضائيات الآن لا يتوانون في ترديد هذه الأحاديث المشكوك في صحة نسب الكثير منها للنبي صلي الله عليه وسلم ويستنبطون منها الفتاوى والأحكام المخالفة للدين والشرع وأحكام القرآن الصريحة والواضحة فبدلوا هم وأسلافهم دين الله بدين جديد الله ورسوله بريئان منه ، وأصبح القرآن الكريم الذي يعد البوصلة والمرجع الوحيد للحكم علي صحة أو كذب الحديث عندهم مهجوراً وصدق عليهم قول رسول الله عندما أقر أمام ربه في الآخرة بتبرئه من قومه المسلمين لأنهم اتخذوا القرآن مهجوراً وذلك في قوله تعالي : وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (الفرقان:30).

فقد هجر المسلمون القرآن واتجهوا في استنباط أحكامهم وعقائدهم وسننهم الدينية لأحاديث منسوبة للنبي كذباً وبهتاناً وضعها الوضاعون وأعداء الإسلام وضمنوها أحكاماً وعقائد مخالفة لأحكام وعقائد الإسلام التي شرعها الله لنا ووصانا بها في كتابه العزيز الذي تكفل بحفظه وصيانته من العبث به بأيادي الوضاعين والكذابين وأصحاب الهوى والنفوس الضعيفة والمتآمرين علي دين الله . وصدق رسول الله ﷺ في قوله : « تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلُّوا أبداً : كتاب الله وسنتي» .

وقد قال ﷺ في فضائل القرآن : « فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما بعدكم ، وحكم ما بينكم ، وهو الفصل ليس بالهزل ، مَنْ تركه من جبار قصمه الله ،ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ، وهو حبل الله المتين ، وهو الذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم : هو الذي لا تزيغ به الأهواء ، ولا تلتبس به الألسنة ، ولا يشبع منه العلماء ، ولا يَخْلق على كثرة الرد ، ولا تنقضي عجائبه ، هو الذي لم تنته الجن إذا سمعته حتى قالوا : إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدى إلي الرشد فآمنا به [ الجن : 1 - 2 ] ، مَنْ قال به صدق ، ومن عمل به أُجِر ، ومن حكم به عد ل، ومن دعا إليه هُدِىَ إلى صراط مستقيم» .

ولم يسلم من الوقوع في براثن وحبائل وشباك هذه الأحاديث المكذوبة الكثير من علماء وفقهاء السلف أو المعاصرين ، ولو اتخذوا القرآن مرجعية أساسية لهم في أي حكم يقع خلاف فيه لما وقعوا في الفتنة ولاهتدوا وهدوا غيرهم ولكن الكثيرين منهم ضلوا وأضلوا كثيراً من الناس عندما تركوا العمل بقوله تعالي :
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (الشورى:10)
وقوله تعالي : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (النساء:59).

وبما أننا نختلف الآن في صحة أو كذب الكثير من الأحاديث الواردة بالكتب التي يزعم أنها كتب الصحاح ، والرسول صلي الله عليه وسلم ليس بين ظهرانينا الآن لنسأله أقال أو فعل المروي عنه بهذه الأحاديث ، فليس أمامنا من مرجعية نعود إليها سوي القرآن ، لأن النبي لا يقول شيئاً مخالفاً للقرآن ، فقد كان خلقه القرآن وكلامه وأحكامه مستنبطة من القرآن وأفعاله وأعماله يهتدي فيها بهدي القرآن ، ولم يضع الرسول أحكاماً أو تشريعات أو حدود خارج ما أنزل عليه في القرآن ، وكل حديث منسوب للنبي وبه أحكام أو مفاهيم وعقائد مخالفة لأحكام وجوهر القرآن أو تقر حدود وتشريعات ليس لها مقابل ومرجعية قرآنية هي أحاديث مكذوبة ومتقولة علي النبي صلي الله عليه وسلم ، وهي من الأحاديث التي حذرنا النبي من التصديق بها أو الأخذ بأحكامها وذلك في الأحاديث الموجهة منه للأمة والتي يحذرها فيها من الوضاعين والكذابين الذين سيتقولون عليه أقوال وأفعال لم يقل بها بقوله :
" إن كذبا علي ليس ككذب على أحد من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري (1229) ، ورواه مسلم في مقدمة صحيحه (3) دون قوله : " إن كذبا علي ليس ككذب على أحد " .

وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تكذبوا علي فإنه من كذب علي فليلج النار " رواه البخاري (106).
وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " من حدث عني بحديث يُرى أنه كذب فهو أحد الكاذبِينَ" رواه مسلم .
وعن أبي قتادة قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر : إياكم وكثرة الحديث عني ، فمن قال علي فليقل حقا أو صدق، ومن تقول علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار ( المصنف لابن أبي شيبة ج6 ص204 – طبعة دار الفكر1994 ) .

ومن الأحاديث السابقة نجد أن أولي وصايا النبي لنا الحذر عند الأخذ بما سيشاع أنه سنته والتأكد من صحة نسب الحديث له .

فأحكام وحدود مثل حد الردة وحد الخمر وحد الرجم وغيرها هي أحكام وحدود ما أنزل الله بها من سلطان ، وما كان للنبي صلي الله عليه وسلم أن يضع حدوداً من عنده لأن الحدود يشرعها ويحدد عقوباتها الخالق وحده ، وليس لبشر أو ملائكة أو رسلاً أن يضعوا حدوداً لم ينص الخالق سبحانه وتعالي عليها في كتابه ، فليس بالقرآن أي عقوبة علي شارب الخمر أو المرتد عن دينه أو عقوبة رجم لحالات معينة من الزنا .

فهذه كلها من اختراعات الفقهاء ومن خلفهم من رجال الدين ، ومرجعهم في ذلك كانت أحاديث موضوعة مطعون في سندها ومتنها يخالف آيات صريحة في القرآن لم تقر عقوبة (حد) علي مرتكب هذه الآثام والمعاصي ، ومن ثم فلا يجوز لنا أن نشرع حدود من عندنا فالحدود كما قلنا بيد الله وحده فكل الحدود في القرآن نسبها الخالق له وحده فسماها حدود الله ووصف من يخالفها بالظالمين والكافرين وتوعدهم بالعذاب الشديد ، وذلك في قولع تعالي :


تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (البقرة : 187 )

تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (البقرة : 229 )

وَتِلْكَ حُدُودُ اللّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (البقرة : 230 )

تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (النساء : 13 )

ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (المجادلة : 4 )

وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً (الطلاق : 1 )

والحدود الواردة بالفقه في هذه الأمور هي دين مبدل وتشريعات بشرية يجوز العمل بها كقوانين وتشريعات أرضية لردع المخالفين والآثمين دون أن ننسبها لله سبحانه وتعالي ولرسوله لأن في ذلك جرم عظيم ، وما لم يقر الخالق له عقوبة فمن باب أولي أن نعرض نحن أيضاً عن إقرار عقوبة له فالله أعلم بأحوالنا وما يصلحنا

ويمكن مراجعة الأحكام التي أقرها الفقهاء استناداً علي الأحاديث المطعون في سندها وصحتها وفيها مخالفة صريحة لأحكام القرآن الكريم بكتابنا الذي سيصدر قريباً أن شاء الله " الأحكام الفقهية المناقضة لأحكام القرآن الكريم عند السنة والشيعة " ، كما يمكن مراجعة مخالفة حد الردة لحكم القرآن في المرتدين وأضراره علي الإسلام ووهن وضعف سند معظم الروايات والأحاديث التي استند عليها علماء السلف والمعاصرين عند إقرار هذا الحد ببحثنا : " حد الردة لا أصل له في القرآن " علي نفس هذه المدونة وهو من جزئين هذا رابط الجزء الأول وبه رابط الجزء الثاني  : http://heshamkamal.3abber.com/post/132833


الفرق بين الحديث النبوى ( السنة النبوية ) والرواية :


أولاً : يجب علينا أن نميز بين شيئين دائماً ما يحدث خلط من علماء الدين بينهما ، وهما الفرق بين الحديث النبوي والرواية ، فكتب الصحاح والتى يحاول البعض أن يلزمنا بكل ما جاء بها باعتباره سنة نبوية لا تشتمل على السنة النبوية فقط ، فالسنة النبوية هي أحاديث وأفعال وأوامر النبي فقط دون أي أحد سواه سواء من الصحابة أو غيرهم بعد أن يتم التأكد من صحة الحديث من جهة السند والمتن وسلامته من الزيادة أو النقصان.

أما أحاديث ( أقوال ) وأفعال وأوامر الصحابة والتابعين ، فهذه ليست من السنة النبوية فى شيء ، فهي لا تمثل ولا تعبر إلا عن آراء أصحابها التى قد تكون متفقة مع القرآن والسنة النبوية أو مختلفة عنهما ، وهذه التصرفات والأقوال والأعمال المنسوبة للصحابة أو التابعين أو العلماء أو غيرهم والتي تمتلئ بها كتب علم الحديث ( كتب الصحاح ) نحن غير ملتزمين بالعمل بها ؛ لأنها تعبر عن آراء أصحابها وأقوالهم وأعمالهم واجتهاداتهم طالما أنهم لم ينسبوا فى الرواية هذه الأقوال والأفعال إلى النبي ، مثل القول بأن عمر أو أبو بكر أو على أو عثمان أو غيرهم رضي الله عنهم قال كذا أو كذا لفلان أو فعل كذا أو كذا أثناء فترة خلافته ، أو قابل فلاناً فسمعه يقول كذا أو كذا ، فهذه كلها عبارة عن روايات وسيرة صحابة لا علاقة لها بالنبي ولا تدخل فى السنة النبوية ، بل تدخل فى أبواب التاريخ الإسلامي وتاريخ الصحابة واجتهاداتهم وآرائهم وأعمالهم ، وجميعها نسميها روايات وليس أحاديث نبوية .

فالأحاديث النبوية مقدسة بعد أن يثبت لنا صحتها متناً أولاً وسنداً ثانيا ، ونستيقن بلا شك أن النبى قالها أو فعلها ولا نجد فيها أى تعارض مع أحكام القرآن ومبادئ الشريعة ، أما روايات الصحابة والتابعين فغير مقدسة ويمكن الاهتداء أو الاقتداء بها إن لم تناقض تعاليم القرآن والسنة النبوية والعلم والحقائق التاريخية والعقل والفطرة ، فإن ناقضت تصرفات أحدهم أو أقواله شيء من ذلك فلا اقتداء ولا اهتداء بها ، هذا إذا سلمنا أنه قال أو فعل ذلك وسلمنا بصحة الرواية وصحة نسبتها إلى الصحابي أو التابعي المذكور بها

ولا شك أن الكذابين والوضاعين لم يتقولوا الأقاويل على رسول الله وحده ، بل تعدوه إلى الصحابة والتابعين ، فنسبوا لهم أقوال وأفعال هم منها براء ، وهذه هي ما يطلق عليها الأحاديث ( والصحيح الروايات ) الضعيفة أو الموضوعة إما سنداً أو متناً.

والخلاصة أن كتب الصحاح بها أشياء من السنة النبوية بالإضافة لتاريخ الصحابة والخلفاء والتابعين ، وليس كل ما جاء بها منسوباً للنبي أو الصحابة صحيحاً علي الإطلاق .


متى وكيف تم تدوين الأحاديث النبوية وروايات وأعمال الصحابة :


يعتقد الكثيرون من عوام المسلمين بناءً علي معلومات مغلوطة ومضللة يروجها لهم بعض الجهلاء من أصحاب اللحي الطويلة الذين يزعمون أنهم من المتفقهين في الدين أن أحاديث النبي كتبت ودونت في العصر النبوي أثناء حياة الرسول أو عقب وفاته مباشرة .

وهذه أكذوبة كبري فلم تكتب أحاديث رسول الله وصحابته فى عهد النبي أو فى زمن الخلفاء الراشدين الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى ، فليس لدينا أي مخطوط أو كتاب حديث يعود إلى أى عصر من هذه العصور الإسلامية ، بل الأدهى من ذلك هناك فى كتب علم الحديث (كتب الصحاح) والسورة روايات وأحاديث منسوبة للصحابة وبعض الخلفاء الراشدين كانوا ينهون فيها عن كتابة أحاديث النبى حتى لا يشغلوا الناس بها عن القرآن ، وكانوا يأمرونهم بالأخذ بالقرآن وحده تنفيذاً لوصايا النبي وتعاليمه لهم ، ونذكر من هذه الروايات على سبيل المثال لا الحصر :

عن أبى سعيد الخدرى قال : قال رسول الله :« لا تكتبوا عنِّى شيئا سوى القرآن ، فمن كتب عنِّى غير القرآن فليمحه » ( رواه مسلم وأحمد والترمذي والنسائي والدا رمى )

وأخرج الدارمى عن أبى سعيد كذلك أنهم استأذنوا النبى فى أن يكتبوا عنه فلم يأذن لهم

ورواية الترمذي عن عطاء بن يسار عن أبى سعيد قال : استأذنا النبى فى الكتابة فلم يأذن لنا 1]).

ومن مراسيل ابن أبى مليكة أن الصديق جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال : إنكم تحدثون عن رسول الله أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشد اختلافاً ، فلا تحدثوا عن رسول الله شيئا ، فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب الله ، فاستحلوا حلاله وحرِّموا حرامه [2] .

وعن يحيى بن جعده أن عمر بن الخطاب أراد أن يكتب السنة ، ثم بدا له أن لا يكتبها ، ثم كتب فى الأمصار من كان عنده شيء فليمحه [3].

وروى حافظ المغرب ابن عبد البر والبيهقى فى المدخل عن عروة أن عمر أراد أن يكتب السنن فاستفتى أصحاب رسول الله فى ذلك ( وفى رواية البيهقى فاستشار ) فأشاروا عليه أن يكتبها ، فطفق عمر يستخير الله شهراً ، ثم أصبح يوما وقد غرم الله له فقال : إنى كنت أريد أن أكتب السنن ، وإنى ذكرت قوماً كانوا قبلكم كتبوا كتباً فانكبوا عليها وتركوا كتاب الله ، وإنى والله لا أشوب كتاب الله بشيء أبداً ( ورواية البيهقى لا ألبس كتاب الله بشيء أبداً ) .

وروى ابن سعد عن عبد الله بن العلاء قال : سألت القاسم بن محمد أن يملى علىَّ أحاديث ، فقال : إن الأحاديث كثرت على عهد ابن الخطاب فأنشد الناس أن يأتوه بها ، فلما أتوه بها أمر بتحريقها ثم قال : مثناة كمثناة أهل الكتاب ، قال : فمنعنى الناس القاسم بن محمد يومئذ أن أكتب حديثا [4] .

ودخل زيد بن ثابت على معاوية فسأله عن حديث ، وأمر إنساناً أن يكتبه فقال له زيد : إن رسول الله أمرنا ألا نكتب شيئا من حديثه فمحاه[5].

وعن عبد الله بن يسار قال : سمعت عليا يخطب يقول : أعزم على كل من عنده كتاب إلا رجع فمحاه ، فإنما هلك الناس حيث تتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم .

وقال الشيخ أبو بكر بن عقال الصقلى فى فوائده على ما رواه ابن بشكوال : إنما لم يجمع الصحابة سنن رسول الله فى مصحف كما جمعوا القرآن ؛ لأن السنن انتشرت وخفى محفوظها فى مدخولها ، فوكل أهلها فى نقلها إلى حفظهم ولم يوكلوا من القرآن إلى مثل ذلك ، وألفاظ السنن غير محروسة من الزيادة والنقصان كما حرس الله كتابه ببديع النظم الذى أعجز الخلق عن الإتيان بمثله ، فكانوا فى الذى جمعوه من القرآن مجتمعين ، وفى حروف السنن ونقل الكلام نصًّا مختلفين ، فلم يصح تدوين ما اختلفوا فيه [6]  .

ولا يجوز أن يعلل أحداً امتناع الصحابة عن كتابة الأحاديث النبوية ونهيهم الناس عن ذلك بأنهم فعلوا ذلك حتى لا يختلط الحديث بالقرآن لأن القرآن لم يكن مجموعاً ، أولاً: لأن مسألة جمع القرآن تمت فى العصر النبوى كما شرحت بكتاب " الحقيقة والأوهام في قضية جمع القرآن بعد العصر النبوي " ، وثانياً: لأن الروايات السابقة المروية على لسان الصحابة لم تقل أن سبب النهى اختلاط القرآن بالحديث ولكنها أكدت أن الحديث سيشغل الناس عن القرآن ويجعلهم يتركوا كتاب الله وراء ظهورهم ، وهو ما حدث بالفعل بعد تدوين الحديث فقد انصب اهتمام العلماء عليه فى كل شئون دينهم وجعلوا القرآن مهجوراً .

وظل الأمر فى رواية الحديث على ما ذكرنا لا يكتب ولا يدون طوال عهد الصحابة وصدراً كبيرا من عهد التابعين إلى أن حدث التدوين فى آخر عهد التابعين كما قالوا حوالى سنة 143 هـ .

قال الهَرَوى : لم يكن الصحابة ولا التابعون يكتبون الأحاديث إنما كانوا يؤدونها لفظاً ويأخذونها حفظاً ، إلا كتاب الصدقات والشيء اليسير الذى يقف عليه الباحث بعد الاستقصاء حتى خيف عليه الدروس وأسرع فى العلماء الموت ، أمر عمر بن عبد العزيز أبا بكر الحزمى فيما كتب إليه : انظر ما كان من سنة أو حديث فاكتبه  [7].

وقال مالك فى الموطأ : رواية محمد بن الحسن : أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبى بكر بن حزم : أن انظر ما كان من حديث رسول الله أو سننه فاكتبه لى فإنى خفت دروس العلم وذهاب العلماء ، وأوصاه أن يكتب له ما عند عمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية ( وكانت تلميذة عائشة رضي الله عنها ، والقاسم ابن محمد بن أبى بكر ) [8] .

وقد تولى عمر بن عبد العزيز سنة 99هـ ومات سنة 101هـ ولكن أبا بكر الحزمى انصرف عن كتابة الحديث بعد أن توفى عمر بن عبد العزيز خاصة بعد أن عزله يزيد بن عبد الملك عندما تولى الحكم بعد عمر بن عبد العزيز سنة 101 هـ وكذلك انصرف كل من كانوا يكتبون مع أبى بكر الحزمى وفترت حركة التدوين إلى أن تولى هشام ابن عبد الملك سنة 105هـ فجد فى هذا الأمر ابن شهاب الزُهرى الذى توفى سنة 124هـ .

ثم شاع التدوين فى الطبقة التى تلي طبقة الزهرى ، وكان ذلك بتشجيع العباسيين بعد زوال دولة بنى أمية .

وقد اعتبر ابن شهاب الزهرى أول من دون الحديث . وجاء فى تذكرة الحفاظ للذهبى أن خالد بن معدان الحمصى لقى 70 صحابيا وكان يكتب الحديث وله مصنفات ، لكن هذه المصنفات لم يأت لها أى ذكر فى كتب الحديث ، ولم يصلنا منها شيئا ومات خالد بن معدان سنة 104هـ .

وقال الغزالي فى الأحياء : بل الكتب والتصانيف محدثة لم يكن شيء منهما فى زمن الصحابة وصدر التابعين وإنما حدث بعد سنة 120 هـ وبعد وفاة جميع الصحابة وجلة التابعين رضى الله عنهم ، وبعد وفاة سعيد بن المُسيب ( توفى سنة 105هـ ) والحسن (توفى سنة 110هـ) وخيار التابعين ، بل كان الأولون يكرهون كتب الحديث وتصنيف الكتب ، لئلا ينشغل الناس بها عن الحفظ وعن القرآن وعن التدبر والتذكر[9].

وفى العصر العباسى هب رجال الدين إلى تدوين ما حفظ فى الصدور ورتبوه وصنفوه كتباً .

قال ابن تعز بَردْى فى حوادث عام 143 هـ :

« وفى هذا العصر ( سنة 143 هـ ) شرع علماء الإسلام فى تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريج التصانيف بمكة ( مات سنة 150 هـ ) وصنف سعيد ابن أبى عروبة ( مات سنة 156 هـ ) وحماد بن سلمة ( مات سنة 167 هـ) وغيرهما بالبصرة ، وصنف أبو حنيفة الفقه والرأى بالكوفة ( مات سنة 150 هـ) وصنف الأوزاعى بالشام ( مات سنة 156 هـ أو 157 هـ) وصنف مالك بالمدينة ( مات سنة 179 هـ) وصنف ابن إسحاق المغازى ( مات سنة 151 هـ) وصنف معمر باليمن (مات سنة 153 هـ) وصنف سفيان الثورى كتاب الجامع بالكوفة ( مات سنة 161هـ) ثم بعد يسير صنف هشام كتبه ( مات سنة 188 هـ) وصنف الليث بن سعد ( سنة 175 هـ) وعبد الله بن لهيعة ( سنة 174 هـ) ثم ابن المبارك ( سنة 181 هـ) والقاضي أبو يوسف يعقوب ( سنة 182 هـ) وابن وهب ( سنة 197 هـ) وكثر تبويب العلم وتدوينه ورتبت ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس ، وقبل هذا العصر كان سائر العلماء يتكلمون عن حفظهم ويرون العلم عن صحف غير مرتبة [10]

ولم يصلنا من هذه التصانيف إلا موطأ مالك .

وقال ابن حجر العسقلاني فى أول مقدمة فتح الباري : أول من جمع ذلك (أي الأحاديث) الربيع ابن صبيح وسعيد بن عروبة إلى أن قام كبار الطبقة الثالثة فدونوا الأحكام ، فصنف مالك الموطأ وتوخي فيه القوى من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين ومن بعدهم .

وفى أوائل القرن الثالث الهجرى أخذت طريقة تدوين الحديث صورة أخرى ، وذلك أن يفرد حديث النبى خاصة بالتدوين بعد أن كان مشوباً بغيره مما ليس بحديث، فصنف عبيد الله بن موسى العبسى الكوفى ( سنة 213 هـ) مسنداً ، وصنف مسدد بن مسرهد البصرى ( سنة 228 هـ) مسنداً ، وصنف الحميدى ( 219 هـ) مسنداً وغيرهم .

ثم صنف الإمام أحمد (توفى 241 هـ) وإسحاق بن راهويه (توفى 237 هـ) وغيرهما مسانيداً ، وتميزت هذه المسانيد بإفراد أحاديث النبى دون غيره من أقوال الصحابة والتابعين وغيرهم ، لكن هذه المسانيد كانت تجمع الصحيح والضعيف والموضوع .

واستمر التدوين على هذا النمط إلى أن ظهرت طبقة البخارى الذى ولد سنة 194 هـ وتوفى سنة 256 هـ ، فقام بجمع هذه الأحاديث والروايات الموجودة بكتب المسانيد وغيرها ، وبدأ فى تنقيحها ومراجعة أسانيدها ( حال رواتها من ناحية الصدق والكذب ، فجمع على ما ذكر ابن حجر العسقلانى فى الفتح عن أبى على الغسائى عن البخارى أنه جمع ستمائة ألف حديث ، ولم يطمئن إلَّا لحوالى 4000 حديث منها هى ما رواه فى كتابه الجامع الصحيح المعروف بصحيح البخارى الذى يضم حوالى 7000 حديث منهم حوالى 3000 حديث ورواية مكررة ليصبح الصافي 4000 حديث تقريبا .

وبعد البخارى بدأ مسلم والترمذى والنسائى وأبو داود وكانوا معاصرين له (مسلم 204 - 268 هـ) أبو داود 202 - 275 هـ ) فى جمع الأحاديث والروايات من الكتب والمسانيد السابقة لهم وبدأوا يصنفونها فى كتب الصحاح والسنن إلى صحيح وضعيف ، ويكتب كل منهم كتاباً يضم ما يراه صحيحا سنداً من وجهة نظره ، وفق الأسس والمعايير التى يضعها كلاًّ منهم لتجريح أو تعديل رواة الحديث ، ولقبول أو رفض الحديث ، وكان تركيزهم جميعا بما فيهم البخارى على سند الحديث ، بغض النظر عن متنه ، وإذا صح السند صح عندهم المتن ، إلا إذا كان متن الحديث ظاهر الكذب أو شاذًّا أو فيه بعض العلة .

لكن مسألة التحقق من سلامة المتن من الناحية العقلية أو المنطقية أو مدى تطابق ما جاء به على لسان رسول الله للقرآن وعدم معارضته له ؛ لأن النبى لا يقول شيئا مخالفاً للقرآن ، ولا يحل ما حرَّمه القرآن ، أو يحرم ما أحلَّه القرآن ، فهذا أمر لم يتطرقوا إليه ولم يعتنوا به .

أيضا لم يهتموا كثيرا بمسألة النظر فى الروايات المتضاربة والمتعارضة مع بعضها ؛ لذا كثيرا ما نجدهم يرون فى صحاحهم روايات وأحاديث يناقض بعضها بعضاً ، فقد كان جل اهتمامهم بسند الروايات (حال الرجال من الرواة) وليس ما يقوله الرواة (متن الحديث المنسوب للنبى أو الصحابى أو غيرهم) .

ولعل العذر لهم فى ذلك كان كثرة ما جمعوه من أحاديث وروايات والذي وصل إلى حوالى المليون كما قيل فى بعض الروايات .

وتلى هذه الطبقة طبقة المحققين وأصحاب علم الكلام والفلاسفة والمفسرين وأصحاب المذاهب ، فبدأو إما يرفضون بعض الأحاديث ويقبلون بأخرى ، أو يحاولون التوفيق فيما بينها إذا ظهر بينها تعارض وتضارب ، أو يرفضونها كلية لمعارضتها للقرآن والسنة النبوية الثابت صحتها ، أو المجمع عليه من العلماء أو المعلوم من الدين بالضرورة وهكذا .

وفى العصر الحديث ومع ظهور عصر العولمة والإنترنت وتبادل المعلومات ، وتوفر جميع كتب التراث على الإنترنت بدأت حركة جديدة من الكثير من الباحثين والمجتهدين من غير رجال الدين تعيد النظر فى كل هذه الروايات من جديد خاصة من ناحية المتن ومدى اتفاقه مع القرآن والسنة النبوية الصحيحة ، وتعاليم الإسلام والعقل والمنطق وما ثبت صحته من أحداث تاريخية وحقائق علمية على ضوء أدوات الكشف والتحقيق وعلم الوثائق وغيرها من المعارف والعلوم الحديثة .

وللمقال بقية بالجزء الثاني ..................


يتبع بقية المقال بالجزء الثاني علي الرابط التالي :

http://heshamkamal.3abber.com/post/132834




 

0 التعليقات | "القرآن المهجور بالأحاديث الضعيفة والموضوعة بكتب الصحاح - هشام كمال عبد الحميد - الجزء الأول"

 

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 259
  • مجموع التعليقات » 723
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة