حقيقة علم الناسخ والمنسوخ - الجزء الثالث - تفنيد بعض الآيات المزعم نسخها وإبطال هذه المزاعم

حقيقة علم الناسخ والمنسوخ - الجزء الثالث - تفنيد بعض الآيات المزعم نسخها وإبطال هذه المزاعم

حقيقة علم الناسخ والمنسوخ

الجزء الثالث

تفنيد بعض الآيات المزعم نسخها وإبطال هذه المزاعم


هشام كمال عبد الحميد

 

 

يرجي قراءة الجزء الأول والثاني من البحث علي الروابط التالية :

http://heshamkamal.3abber.com/post/132819

http://heshamkamal.3abber.com/post/132822


تفنيد الآيات المزعم نسخها وإبطال هذه المزاعم :

الآيات التى زعم القائلون بالنسخ أنها منسوخة تصل إلى حوالى مائة آية ، ولن نستطيع ذكرها جميعا وتفنيد حجج القائلين بنسخها ؛ لأنه أمر يطول شرحه ، وسنكتفى هنا بذكر أهم هذه الآيات ، ومناقشة حجج أو أسباب وأوجه القول بنسخها ، وما ينطبق فى رد مزاعم نسخ هذه الآيات ينسحب على باقي الآيات المدعى عليها بالنسخ ،وسنلاحظ أن عدم الفهم الصحيح لمضمون هذه الآيات أو معارضتها ظاهريا لمضمون الآيات اللاحقة لها فى ترتيب النزول كان السبب الرئيس فى الاتجاه نحو القول بنسخ الآيات المتأخرة المتقدمة المتعارضة ظاهريا معها ، ناهيك عن الأحاديث والروايات التى نسخ القوم بها بعضاً من آيات القرآن ، وجميعها أحاديث آحاد هناك إجماع من علماء الأمة من السنة والشيعة على أنها ظنية غير مقطوع بصحتها ولا يجوز الأخذ بها فى نسخ آيات قرآنية ثابتة بالتواتر القطعى

1- وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (15) وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً (16) ( النساء : 15 – 16 ) .

ذهب عكرمة وعبادة بن الصامت وقتادة ومحمد بن جابر وابن عباس ومجاهد وأبو جعفر النحاس وغيرهم إلى أنهما منسوختين بآية حكم جلد الزاني وحديث الرجم([2]).

وحديث الرجم كما شرحنا فى الفصل الأول مطعون عليه وكثير من رجال سنده متهمون بالوضع أو الضعف ، هذا بالإضافة إلى أنه رواية آحاد وروايات الآحاد لا تنسخ القرآن وسنتكلم عن هذا الحديث أو الرواية بشيء من التفصيل فيما بعد ، ومن ثم فلا مجال للاحتجاج بالرجم فى نسخ هاتىن الآيتين ، ومن ثم يتبقى لنا حكم الجلد الوارد فى آية الزنا (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2) .

والحق أنه لا نسخ فى الآيتين ، فالفاحشة المنصوص عليها بآيتي سورة النساء تختلف عن الزنا الوارد بسورة النور ، فالفاحشة فى سورة النساء هى المساحقة بين امرأتين أو أكثر ، واللواط  بين رجلين أو أكثر ؛ لذا تحدث القرآن عنهما بصيغة المثنى فى سورة النساء فى قوله تعالى (يأتين ، عليهن ، فأمسكوهن ، يتوفاهن) وبالنسبة لمن يأتي اللواط من الرجال قال تعالى : (واللذان – يأتيانها منكم – فأذوهما – فإن تابا ...) .

فآيات سورة النساء تتناول عقوبة أو حكم من يأتي اللواط من الرجال والمساحقة من النساء ، أى تتناول علاقة الشذوذ الجنسي بين الرجال ( اللواط ) أو النساء (المساحقة) . فذكر الخالق سبحانه وتعالى عقوبة السحاق بين امرأتين بإمساكهن فى البيوت حتى يتوفاهن الله بالموت أو يجعل لهن سبيلاً آخر ، وعقوبة اللواط بين رجلين إيقاع الأذى بهم بالضرب أو العزل عن المجتمع أو اللوم والتوبيخ والإيذاء النفسي أو العزل من المناصب العامة .. الخ من أنواع الإيذاء النفسي أو الجسدي أو المالي حتى يتوبا

فالفاحشة فى القرآن تعبر عن الزنا والشذوذ الجنسي أو من إحداهما ، وهى هنا فى سورة النساء كانت تعبر عن الشذوذ الجنسي بين النساء والرجال .

وقد وصف الله شذوذ قوم لوط الذين سمى اللواط باسمهم بالفاحشة فى قوله تعالى :

وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ (81) [الأعراف : 80 ، 81 ] .

وقال تعالى : وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ (28) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (29) [العنكبوت : 28 ، 29] .

فأوضح سبحانه وتعالى فى هذه الآيات أن الفاحشة التى كان يأتيها قوم لوط هى العلاقة الجنسية الشاذة بإتيان الرجال للرجال من دون النساء .

أما آيات سورة النور فتتناول عقوبة الزنا بين الرجل والمرأة على الإطلاق وهى الجلد مائة جلدة ، دون تمييز ، كما حاول القائلون بالنسخ بين مُحصن ( متزوج ) وغير محصن ( غير متزوج ) أو بكر وثيب ، أو شاب وشيخ ، فالعقوبة فى الزنا بنص الآية واحدة للجميع ؛ لأنها لم تخصص أو تقيد هذه العقوبة بالتحصين أو السن العمري أو خلافه .

ومن ثم فالقول بنسخ آية سورة النور لآيتي سورة النساء هو قول باطل نبع من فهم غير صحيح لمضامين الآيات والمعاني الدقيقة لألفاظها .

2 - قوله تعالى : (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة:5) .

وقوله تعالى : (وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) (البقرة:221) .

قال ابن عباس ، ومالك بن أنس ، وسفيان بن سعيد ، وعبد الرحمن بن عمر والأوزاعى ، أن الآية الثانية ناسخة للآية الأولى ، وذهب عبد الله بن عمر إلى أن الآية الأولى منسوخة بالثانية ، ومن ثم حرم نكاح الكتابية([3]).

والواقع أن الآيتين محكمتين ولا نسخ بينهما ، فالآية الأولى تحل زواج المسلمين من النساء المحصنات من أهل الكتاب ، والآية الثانية تحرم زواج المسلمين من النساء المشركات حتى يؤمن .

لكن القائلون بالنسخ خلطوا بين أهل الكتاب وبين المشركين فقالوا بالنسخ ، ومن المعلوم أن أهل الكتاب غير المشركين ، فالمشركون عبدة أصنام وأوثان ، وأهل الكتاب ليسوا كذلك .

3 - قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (البقرة:178)

منسوخ بقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة:45) .

ومن أجل ذلك ذهب بعض الفقهاء إلى القول بأن الرجل يقتل بالمرأة من غير أن يرد إلى ورثته شىء من الدية ، وقال آخرون لا يقتل الرجل بالمرأة ، وقال الليث : إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة ، وذهب الشيعة إلى القول : إن ولى دم المرأة مخير بين المطالبة بديتها ، ومطالبة الرجل القاتل بالقصاص .

والمشهور بين أهل السنة أن الحر لا يقتل بالعبد ، وخالفهم فى ذلك أبو حنيفة والثوري وابن أبى ليلى ، وداود فقالوا : إن الحر يقتل بعبد غيره([4]).

والحقيقة أن الآية الأولى محكمة وليست منسوخة ، فالقصاص المنصوص عليه فى القرآن : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى لم يقع عليه أى تغيير أو تبديل .

والآية الثانية كانت تتحدث عن أهل التوراة التى أنزلها الله ليحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ، وذكر الله فى الآية 45 أنه كتب على اليهود فى هذه التوراة أن النفس بالنفس والعين بالعين ...... فهذه الآية إخبارية قصصية وليست حكمية تشريعية فهى لا تقرر حكماً أو تشريعا ولكن تقص وتحكى لنا نبذة مختصرة عن بعض الأحكام التى شرعها الله لبنى إسرائيل ، فكيف تلغى وتنسخ آية قصصية لآية أخرى حكمية ؟ .

وهل فى هذه الآية حكم أو تشريع لنا كمسلمين ؟

وثانيا : حكم التوراة المنصوص عليه هنا فى هذه الآية لا يختلف فى القصاص عن حكم آية سورة البقرة ، فالنفس بالنفس هو لفظ عام مطلق لا يعارض القول : الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ؛ لأن الحر والعبد والأنثى أنفس بشرية ؛ أما الحرية والعبودية فحالة اجتماعية وسياسية وفى شِقِّ منها اقتصادية .

ويستدل على أن أصل التشريع فى التوراة كان الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى أيضا من المثلية فى باقي حالات القصاص كالعين بالعين والسن السن والأنف بالأنف والأذن بالأذن ... فإذا كانت هذه الأشياء لابد وأن يكون القصاص فيها مماثل ومشابه تماماً للجنس والنوع ، فمن باب أولى أن يكون القصاص فى الأنفس أيضا مشابها تماماً فى الجنس والنوع والحالة الاجتماعية والاقتصادية وغيرهما ، فلا يقتص من حر بعبد ، ولا رجل بامرأة أو العكس .

فالمسألة كلها لا تعدو أكثر من سوء فى الفهم للآيات ، وسطحية وعدم تعمق فى الوقوف على مدلولاتها ومراميها ، وتأثر شديد وصل إلى الإيمان بأحاديث وروايات غير صحيحة ، كان لها القسط الأكبر فى الجنوح بهم إلى التفسيرات الخاطئة والقول بنسخ بعض آيات القرآن لبعضها البعض ، أو نسخ أحاديث لآيات قرآنية ثابتة ومتواتر ومقطوع بصحتها .

4 - قوله تعالى : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) (البقرة:180) .

زعموا أنه منسوخ بآية المواريث ، والحق أن الآية ثابتة محكمة وليست منسوخة ، فآية المواريث لم تنص على إلغاء كتابة وصية من المتوفى قبل وفاته لوالديه أو أحد أقاربه .

وادَّعى آخرون أنها منسوخة بحديث « لا وصية لوارث » والوالدين من الورثة ومن ثم لا ىجوز الوصية لهما .

والحديث حديث آحاد ولا يجوز أن نأخذ بأي حديث فى نسخ القرآن ، كما أن الشيعة عندهم أحاديث مناقضة لهذا الحديث تجيز الوصية للوارث ، فما العمل فى تعارض هذه الأحاديث مع بعضها البعض ؟

الواقع أن الآية لا تتعارض مع آية المواريث ؛ لأنها تحث المسلم على كتابة وصية لوالديه إن كانا على قيد الحياة عند وفاته ولبعض أقاربه من الفقراء والمستضعفين ، ويفهم ضمنيا أن الوصية هنا إذا كان لمن حضره الموت أولاد ذكور ؛ لأنهم سيحجبون الميراث عن الوالدين وسائر الأقارب ، فهنا جعل الله من المستحب كتابة جزء من الميراث للوالدين وبعض الأقارب ، حتى لا يشهد الوالدين توزيع ميراث ابنهم على أولاده دون أن يصبهم منه أى نصيب ، فيولد ذلك فى أنفسهم نوعاً من الضغينة والحقد والحسد على أحفادهم الوارثين وحرجاً واستياء من ابنهم المتوفى الذى لم يترك لهما شيئا فى مىراثه .

5 - قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (النساء:43) .

ذهب أكثر العلماء إلى أنها منسوخة واختلفوا فى ناسخها ، فذهب قتادة ومجاهد أنها منسوخة بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) [المائدة : 90 ، 91] . وحكي هذا القول عن الحسن أيضا .

وعن ابن عباس أنها منسوخة بقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) (المائدة:6) .

وروى عن ابن عمر أنه قال : نزلت فى الخمر ثلاث آيات ، فأول شىء نزل (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا َ) (البقرة:219) . فقيل : حرمت الخمر ، فقيل يا رسول الله دعنا ننتفع بها كما قال الله عز وجل ، فسكت عنهم ، ثم نزلت هذه الآية  ( لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ) مسند الطيالسى ج8 ص 264 .

وروى أحمد عن أبو هريرة نحو ذلك ، مسند أحمد ج2 ص 351 .

وروى أبو ميسرة عن عمر بن الخطاب قال : لما نزل تحريم الخمر قال : اللهم بين لنا فى الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التى فى سورة البقرة (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) قال فدعي عمر فقرئت عليه فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بياناً شافياً ، فنزلت الآية التى فى سورة النساء:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى)....فقال : اللهم بين لنا فى الخمر بياناً شافياً فنزلت الآية التى فى المائدة ، فدعي عمر فقرئت عليه فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) قال : انتهينا انتهينا » .

مسند أحمد جـ 1 ص 53 ، وسنن النسائى باب تحريم الخمر جـ 2 ص 323 .

والصحيح أن الآية غير منسوخة والروايات السابقة إذا سلمنا بصحتها فليس فيها ما يلمح أو يصرح بنسخ آية سورة النساء رقم 43 ، فمن أين جاءوا بنسخها ، ومن المفترض أن تكون كل روايات النسخ منسوبة للرسول ﷺ وليس إلى أى أحد غيره فهو وحده الذى - من المفترض - أن يتلقى عن ربه ما يتم نسخه من آيات لو سلمنا بوجود النسخ فى القرآن .

فآية  (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) غير منسوخة وما زال العمل بها سارياً وسيظل سارياً إلى يوم القيامة .

لأننا لو قلنا بنسخها ، فهل يجوز لنا أن نأتي الصلاة ونحن سكارى ؟ بالقطع لا ، إذن العمل بها ما زال سارياً والآية غير منسوخة .

وسائر آيات الخمر الأخرى غير منسوخة والكل معمول به . فكل آية منهم تقر حقيقة ما عن الخمر وإثمها ومضارها ومنافعها ، وما يقدم عليه الشيطان من إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس فى الخمر والميسر ويصدهم عن ذكر الله .

6 - قوله تعالى (لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ...) (البقرة الآية 256) .

ذهب جماعة إلى أنها منسوخة بقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة:73)  .

وهناك آيات كثيرة تدعو وتحث على احترام العهود الموقعة مع المشركين أو الذهاب إلى السلام معهم إن جنحوا له ، أو عدم التعرض لهم ومقاتلتهم طالما أنهم لم يقاتلوا المسلمين وغير ذلك من أمور ، وقد نسخ القائلون بالنسخ هذه الآيات وادعوا أن ناسخها آية السيف الموجودة بسورة براءة .

والحقيقة أن جميع هذه الآيات والآية التى نحن بصددها الآن آيات محكمة غير منسوخة ، وسورة براءة من أولها إلى آخرها تحث المسلمين على قتال الكفار والمشركين الذين نقضوا عهودهم مع المسلمين وناصبوهم العداء ، وسعوا إلى صد الناس والمسلمين عن سبيل الله ، ويتضح ذلك من قوله تعالى فى سورة براءة (التوبة ) :

(إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئاً وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَداً فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:4) .

وقوله تعالى (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) (التوبة:7) .

وقوله تعالى (وَإِن نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُم مِّن بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُواْ فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لاَ أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنتَهُونَ (12) أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْماً نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤُمِنِينَ (13) (التوبة :12-13) .

فهذه كلها آيات توضح أن المعلن عليهم الحرب والقتال من المشركين والكفار والمنافقين فى سورة التوبة ، هم من نكثوا عهودهم مع المسلمين وقاتلوهم وهموا بإخراج الرسول والمؤمنين من ديارهم وأعلنوا الحرب على الإسلام ، وسعوا إلى التشكيك فى عقائده وهدم شرائعه .

أما المسالمين من الكفار والمشركين وأهل الكتاب وغيرهم ، فلسنا مطالبون بقتالهم أو إكراههم على الدخول فى الإسلام ، فلهم دينهم ولنا ديننا ، وهم أحرار فى من يعبدون وفى طريقة عبادتهم وحسابهم على الله .


7 - قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المجادلة:12).

زعموا أنها منسوخة بقوله تعالى : (ءأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (المجادلة:13) .

والآيتان محكمتان ولا نسخ فيهما ، فهما آيتان تاليتان لبعضهما فى سورة المجادلة ، وهما الآيتين 12 ، 13 من السورة ، فالآية الأولى نزلت ليختبر الله بها المؤمنين ويبين لرسوله من منهما يناجيه إيمانا وتصديقا به ، ومن منهما يناجيه نفاقاً ، فقد كانوا يكثرون من مناجاته ، فأراد الله أن يمتحنهم ويوضح لهم ولرسوله ما فى نواياهم ، فالمؤمنون منهم قدموا الصدقات المأمور بها فى الآية عند مناجاته ، والبخلاء والمنافقون أشفقوا على أنفسهم حرصاً على أموالهم وأعرضوا عن مناجاته ، فنزلت الآية الثانية لتوضح لرسول الله والمسلمين ذلك ، وتميز بين المؤمن الصادق الإيمان ، والمؤمن المزعزع الإيمان أو المنافق ، وتأمر من أعرض منهم عن مناجاة الرسول حتى لا يقدم صدقة عند كل مناجاة بأن يتوب إلى الله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة المفروضة ويطع الله ورسوله ، وختم الله الآية الثانية بقوله : « إنه خبير بما يعملون ». فأين النسخ فى الآيتين؟ .


[1]- نقلاً عن : استحالة وجود النسخ بالقرآن - إيهاب حسن عبده ص 229 - 232 بتصرف .

[2]- الناسخ والمنسوخ - النحاس - ص 98 .

[3]- الناسخ والمنسوخ - النحاس - ص 58 .

[4]- راجع تفسير ابن كثير - جـ 1 - شرح الآية 178 من سورة البقرة .

 



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل