لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن

هشام كمال عبد الحميد

الجزء الثاني

يرجي قراءة الجزء الأول من البحث علي الرابط التالي :

http://heshamkamal.3abber.com/post/132819


alt


ولنعد إلى موضوعنا ونحاول فهم الآيات التى استنبط منها المسلمون أنها تشير إلى نسخ الله لبعض آياته فى القرآن .

وقبل الخوض فى التفسير لابد أن نوضح أن شريعة الله لا تتبدل ولا تتغير مصداقاً لقوله تعالى .

( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ )(فاطر: من الآية43) .

وقوله تعالى : (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ) (الشورى:13) .

فما شرعه الله لنا هو نفسه ما شرعه لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، فالشريعة فى كل الأديان السماوية واحدة فلا تجد فى أى منها تحليلا للزنا أو إباحة لقتل النفس التى حرم الله إلا بالحق ، أو شرب الخمر أو أكل لحم الخنزير أو إباحة للفاحشة أو السرقة ، كما لا تجد فى أى دين شرعه الله لأية أمة إهمالاً للصلاة ، أو عدم حث على الزكاة والصيام وإقامة الشعائر المختلفة .

فهذه كلها أمور ثابتة لا تتغير من دين إلى آخر ، لكن ما يتم تغييره هى الأحكام غير الثابتة ، أى المتغيرة وهذه لم ينزل فيها كلام سماوي يدون فى كتاب الله ، وإنما أوامر تأتى من الله لرسوله فى ظل ظروف سياسية واجتماعية وبيئية واقتصادية وعسكرية معينة ، ثم يأتي الله بحكمه الثابت والقاطع فيها بعد ذلك ويشرعها بأحكام ونصوص قاطعة ، وتدون هذه الأحكام والنصوص فى كتابه المنزل على رسوله .

من أمثلة ذلك أمر الله للرسول والمسلمين فى بداية الدعوة بعدم الدخول فى حروب مع الكفار والمنافقين والمشركين فى مكة ، ومهادنتهم وتوقيع معاهدات صلح معهم ، وترك الأرض لهم والهجرة إلى بلد آخر حتى تقوى شوكتهم ، ويستتب الأمر لهم ويكثر أتباعهم ، ويصبح لهم دولة قوية ، فهنا يأمرهم الله بالجهاد والقتال وتحرير أرضهم التى أخرجوا منها كرهاً ، ورفض أية معاهدات فيها ظلم لهم أو بخس لحقهم ، أو إهانة وتطاول على دينهم .

ومثل هذه المعالجات لو نزل فيها قرآن ودون فى كتاب الله بأمر منه ، فليس فيها نسخ ، فهى تكليف مطالب به المسلمون إلى يوم القيامة ، ويصبح الأمرين ، وهو أمر عدم القتال والمهادنة للكفار وتوقيع معاهدات معهم سارية المفعول كلما كانت شوكتهم أضعف ونفوذهم مضمحل ، وآيات القتال والجهاد وعدم التفريط فى حقوقهم أيضا سارية المفعول فى الأوقات التى تقوى فيها شوكتهم ويصبح فى إمكانهم تحرير أراضيهم التى اغتصبت منهم دون وجه حق ، فلكل مقام مقال ، ولكل موقعة أدواتها الحربية والسياسية ، والمثال الآخر على ذلك ، أمر الله للمسلمين بتوجيه قبلتهم تجاه المسجد الأقصى ، ثم أمره لهم بعد ذلك بتوجيه قبلتهم تجاه المسجد الحرام ، والذى لم ينتبه إليه أحد أن الأمر الأول بتوجيه قبلتهم تجاه المسجد الأقصى لم يدون فى القرآن ، فليس فى القرآن أية آية فيها أمر من الله لرسوله أو المسلمين بتوجيه قبلتهم إلى المسجد الأقصى ، فهذا الأمر أعطى للنبى ﷺ شفاهة ولم يؤمر بتدوينه فى القرآن ، وإلا فأين هذه الآية فى القرآن التى فيها نص صريح بتوجيه القبلة إلى المسجد الأقصى أما آية توجيه قبلتهم تجاه المسجد الحرام فأتت صريحة وكان بها فهم ضمني إلى أمر توجيه القبلة إلى المسجد الأقصى من قبل ، ولكن هذا الأمر كما قلنا لم يدون فى القرآن ، ومن ثم لا يجوز القول بأن هذه الآية الخاصة بتوجيه القبلة تجاه المسجد الحرام ناسخة لآية أخرى وهى آية توجيه القبلة تجاه المسجد الأقصى ؛ لأن هذه الآية لا وجود لها فى القرآن.

لذا حاول القائلون بالنسخ أن يجعلوا هذه الآية ناسخة للآيات التى تنص على أن المشرق والمغرب لله وتأمر النبى والمسلمين بتوجيه وجهتهم تجاه أى منها ، وهى آيات لا علاقة لها بتوجيه القبلة تجاه المسجد الأقصى .

والآن تعالوا لنرى الفهم الصحيح للآيات التى استدل منها القائلون بالنسخ على وجود النسخ فى القرآن

1 - قوله تعالى : (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:106) .

وقد اعتبر القائلون بالنسخ أن معنى « آية » هنا هو آية قرآنية ، أما المعارضون للنسخ فاعتبروا معنى آية هنا : معجزة أو أمارة أو علامة .. الخ ؛ لأن القرآن الكريم كما شهد الله له (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ) (هود:1) .

فلو كان المقصود هنا بالآية آية قرآنية ، فكيف يتم نسيانها والنبى كان عنده كتبته الذين يملى عليهم أولاً بأول كل ما ينزل عليه من قرآن ، أى كل ما ينزل يتم تدوينه أولاً بأول ، وإذا كان الله سيمحو حكم فى آية قرآنية سابقة بالنسخ فلابد أنه سيأتي بحكم آخر مخالف ، فلماذا يأتي بحكم مماثل كما تقول الآية ، أن معنى « مثلها » هنا غير مستقيم ، لكن أن يأتي بحكم أفضل ، فهذا لا غرابة فيه ، أما قوله « مثلها » هنا عند التفسير لمعنى « آية » بأنه آية قرآنية لا يستقيم مع هذا السياق القرآني للآية المذكورة .

وأخيرا إذا كان المقصود بآية هنا آية قرآنية سيتم محوها والإتيان بخير منها ، أو نسيانها على مر أزمنة طويلة ، والإتيان بمثلها فهذا السياق كان يقتضى أن يختم الخالق سبحانه وتعالى هذه الآية القرآنية بقوله « ألم تعلم أن الله يفعل ما يريد » مثلاً ؛ لأن المحو للآيات القرآنية وإثبات غيرها ليس من باب القدرة الإلهية المرتبطة بالمعجزات وإنما من باب إرادته فى أن يفعل ما يشاء .

وتفسير آية هنا بمعنى معجزة يستقيم أكثر مع سياق الآية والآيات السابقة واللاحقة لها ، ليصبح معناها ما ننسخ أى نمحو من معجزة من المعجزات التى آتىناها الأنبياء والأمم السابقة كبني إسرائيل ، أو ننسها على مر الأزمنة الطويلة ، نأت بمعجزة وآيات تثبت قدرة الخالق خير منها ، أو مثل المعجزات السابقة ؛ لأن الله على كل شىء قدير ولا يعجزه شىء .

ولو راجعنا الآيات القرآنية السابقة لهذه الآية واللاحقة لها ، سنجد أن المقصود بآية هنا معجزة .

فابتداء من الآية 39 من سور البقرة بعد الحديث فى الآيات السابقة لها عن كيفية خلق آدم وخروجه من الجنة وإنزاله إلى الأرض ، بدأ الخالق سبحانه وتعالى الحديث عن الكافرين الذين يكذبون بآياته ، وبدأ من الآية 40 يتحدث عن بني إسرائيل وما أنعم به عليهم ، والمعجزات التى آتاهم إياها ، والآيات التى طلبوا من موسى أن ينزلها الله عليهم حتى يؤمنوا به ، مذكراً إياهم بآية شق البحر ونجاتهم من فرعون وقومه ، وآية الغمام والمن والسلوى ، وآية ضرب موسى بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، فكل هذه الآيات لم تقنعهم ولم تردعهم عن كفرهم وعصيانهم .

ومن الآية 75 وجه خطابه للمؤمنين بمحمدﷺ وطالبهم بألا يطمعوا أن يؤمن اليهود لهم بعد أن حرفوا كتاب الله وقتلوا أنبيائه وكذبوهم ونقضوا ميثاقهم وعهدهم مع الله ، حتى وصل الأمر بهم إلى تكذيب موسى بعد كل ما جاءهم به من بينات (آيات ومعجزات ) فاتخذوا العجل من بعده وعبدوه من دون الله ، وانتهى بهم الحال إلى إتباعهم ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وكفرهم به وافترائهم عليه رغم كل ما آتاهم به من معجزات وبينات .

وعند الآية 105 ذكَّر الله المؤمنين أن الذين كفروا والمشركين لا يودون أن ينزل عليهم أى خير من ربهم وفى الآية 106 - التى هى محل هذا البحث - ذكَّرهم الله بأنه لا ينسخ من آية أو ينسها إلا ويأت بخير منها أو مثلها .

وفى الآية 107 أكد سبحانه وتعالى أن له ملك السماوات والأرض ، وليس لأحد من دونه من ولى ولا نصير ، وفى الآية 108 وجه خطابه للمؤمنين متسائلاً : أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سُئل موسى من قبل ومن يتبدل الكفر بالإيمان فقد ضل سواء السبيل .

أعتقد أن الأمور أصبحت واضحة الآن ففي الآية 106 كان الله يذكر المؤمنين بأنه قادر أن يؤتى رسوله محمد ﷺ معجزة مثل أنبيائه السابقين ؛ لكنه بعد أن ذكرهم فى الآيات السابقة بما أنزله على موسى وما آتاه بنى إسرائيل من معجزات لم ينفع معهم ، فإذا كانت هذه الآيات قد مُحيت ونسخت مع الزمن ، ولم يعد أحد يتذكرها ، فهو قادر على أن يأتيهم بخير منها أو مثلها ؛ لأنه على كل شىء قدير .

وبعد ذلك وبَّخهم متسائلاً : هل تريدون أن تفعلوا مع محمد كما فعل اليهود مع موسى ، وتبدلوا إيمانكم بالكفر ، وحذرهم أن من سيفعل ذلك فقد ضلَّ سواء السبيل .

إذن لا مجال هنا للقول بأن هذه الآية رقم 106 تشير من بعيد أو قريب إلى الآيات القرآنية ، أو إلى وجود النسخ فى القرآن بعد ما أوضحناه ، فهذا الكلام مرفوض عقلاً ونقلاً ولا يستقيم مع سياق الآيات اللاحقة والسابقة ، وهو افتراء وكذب على الله وبهتان عظيم ، فالله لا يبدل ولا يغير سنته وأحكامه وشريعته ، ولا ينسخ كلامه ، فكل شىء عنده يتم بحساب وتقدير وإحكام وعلم دقيق .

والمسألة ليست أكثر من فهم خاطئ للآيات من القائلين بالنسخ وانخداعهم فى مصداقية ما بين أيديهم من روايات لا أصل ولا سند عقلى أو علمىٍّ أو منهجى لها آمنوا بها إيمانا مفرطاً دون تعقل وتبصر وتحقق ، وجعلوها فى منزلة القرآن وقداسته ، فضلوا وأضلوا ، وهذه كانت طامتهم الكبرى ، فنسأل الله أن يغفر لهم هذه الزلة ، فلن نستطيع أن نشكك فى إيمانهم فما فى القلوب لا يعلمه إلا الله .

وسنعتبر ما اقترفوه كان مجرد اجتهاد خاطئ دفعت الأجيال اللاحقة لهم ثمنه ، ونحن نحاول تصحيح هذه الأخطاء الآن حتى لا يقع جيلنا والأجيال القادمة فى نفس هذه الأخطاء .

2 - قوله تعالى : (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد:39) .

والآيات السابقة واللاحقة لها على النحو الآتى :

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ (38) يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (39) وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) [الرعد : 38-40] .

وواضح أن القائلين بالنسخ كانوا يسيرون فى التعامل مع القرآن على طريقة «ولا تقربوا الصلاة» فيقرأون هذا الجزء فقط ولا يكملون الآية التى تقول « وأنتم سكارى » ؛ لأن قراءة الجزء الأول منها يعطى أمراً بعدم الاقتراب من الصلاة ، أما بقية الآية فتوضح عدم الاقتراب من الصلاة ونحن سكارى .

ونفس الحال ينطبق على من يستشهد بقوله تعالى (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد:39) ، على أنها تؤكد النسخ فى القرآن ، فأين ذكر النسخ هنا ؟ وأين ذكر القرآن ؟

وما علاقة هذه الآيات مجتمعة بالنسخ فى القرآن ؟

لا نعلم ، فالآيات تذكر الرسول بإرسال رسل من قبله كان لهم أزواج وذرية ، ولم يكن فى استطاعة أحد منهم أن يأتي بآية ( معجزة ) إلا بإذن الله ، فلكل معجزة أجل وميعاد ( كتاب ) والله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء من هذه المعجزات فى الأرض وفى أذهان الناس ، وعنده أم الكتاب المدون فيها كل صغيرة وكبيرة من بداية الخلق وحتى فناء هذا الكون .

وأخيرا ذكره الله أنه قد يريه بعض ما توعد به الكافرين وقد يتوفاه قبل ذلك ، وما عليه سوى إبلاغهم والله عليه حسابهم .

فهل فى هذه الآيات أية إشارة من قريب أو بعيد إلى نسخ آيات القرآن ، أو نسخ الله لأحكامه وشريعته ؟

3 - قوله تعالى )وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النحل:101) .

والآيات السابقة واللاحقة لهذه الآية كما يلى :

فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ (101) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ (103)  [النحل : 98 - 103]  .

فلا شك أن الحديث هنا عن آيات القرآن وليس شيئا سواها ، ولكن المذكور هنا إبدال آية مكان آية داخل القرآن ، وليس نسخ آية لآية ، بمعنى محوها وإزالتها تماماً من القرآن ، أو نسخ حكم لاحق لحكم سابق .

فمن المعروف أن القرآن نزل مفرقاً على مدار 23 عاماً ، ففي كل عام كانت تنزل آيات محددة ، ويؤمر رسول الله بأن يضع ما نزل إليه فى سورة معينة ، وكانت هذه السور ليست الشكل النهائي الذى سيكون عليه ترتيب القرآن بعد اكتماله ، وكان جبريل يأتي محمداً ﷺ فى الأسبوع الأخير من شهر رمضان فى كل عام ، فيعرض عليه النبى ﷺ ما جمعه ورتبه من الآيات التى نزلت عليه حتى هذا التاريخ ، فيراجعه معه جبريل فيما كان يعرف بالعارضة .

وكلما نزلت على النبى آية أو مجموعة آيات يأمره جبريل بوضعها مكان آيات معينة فى سورة معينة ، ونقل الآيات الأخرى إلى سورة أخرى أو موضع آخر فى الترتيب المجموع لديه مما نزل من آيات حتى تاريخه ، وعندما اكتمل نزول كل الآيات وأصبح القرآن كاملاً ، أمره جبريل فى السنة الأخيرة قبل وفاته ﷺ بأن يراجع معه الترتيب النهائي للقرآن ؛ لأن ذلك له علاقة بالإعجاز العددي للقرآن الكريم ، وقد عارضه جبريل فى هذا العام الأخير مرتين، أى راجع معه الترتيب النهائي للقرآن مرتين .

فهذا هو المقصود من تبديل آية مكان آية بالقرآن ، فهذه العملية كانت تتم قبل اكتمال نزول القرآن أثناء عملية جمعه وترتيبه الأوَّلى ، وكان المسلمون يحفظون السور حسب ترتيبها المعمول به كل عام ، والذى قد يطرأ عليه تغير فى الأعوام اللاحقة ، بعد نزول آيات جديدة ، وهناك روايات كثيرة سبق أن ذكرناها بالفصل الأول ، تفيد أن النبى كان إذا نزل عليه آية استدعى الكتبة وأمرهم بوضعها فى مكان معين من القرآن ، ومن الطبيعي أنه كان يأمرهم فى بعض الأحيان برفع آية أو مجموعة آيات من سورة معينة ووضع الآيات الجديدة مكانها ، وإلحاق الآيات المرفوعة فى سورة أخرى ، أو فتح سورة جديدة باسم جديد وإدراج هذه الآيات بها ، وهذا هو ما يعرف بعملية البدل للآيات .

وقد استنكر المشركون والكافرون هذا العمل لعدم علمهم بمراميه وأهدافه الإلهية ، واعتبروه تخبطاً ولهواً وعدم تركيز واتزان من محمد ﷺ ؛ لأنهم لا يؤمنون من الأساس بأن هذا الكلام كلام الله ويعتبرون القرآن من تأليف محمد ﷺ ، فأكد الخالق سبحانه وتعالى من خلال هذه الآيات ، أن عملية الإبدال وليس النسخ داخل القرآن الكريم الغير مكتمل التى كان يقوم بها محمد ﷺ سنويا كانت بأمر ووحي من الله ، وذم قول الكافرين والمشركين ووصفهم بالجهل وعدم العلم ببواطن الأمور ومجريات الأحداث

فالآيات هنا لا تتحدث عن نسخ آية لآية فى القرآن ، أو نسخ الله حكماً بحكم آخر أفضل منه أو مماثل له ، وإنما تتحدث عن عملية الإبدال داخل منظومة ترتيب القرآن غير المكتمل ، والتى هى إحدى مراحل عملية جمع وترتيب القرآن فى شكله النهائي . فالترتيب الحالي لسور وآيات القرآن مختلف تماماً كل الاختلاف عن ترتيب نزول السور والآيات ؛ لأن هذه الآيات كانت تنزل حسب مجريات الأحداث ووفق مناسبات معينة .

ومن ثم لا يجوز الاحتجاج بهذه الآية على وجود النسخ فى القرآن أو النسخ لبعض أحكام القرآن .


يتبع بقية البحث بالجزء الثالث علي الرابط التالي :

http://heshamkamal.3abber.com/post/132824




 

1 التعليقات | "لا ناسخ ولا منسوخ فى القرآن - هشام كمال عبد الحميد - الجزء الثاني"

 
  1. كعادتي اقدم تلخيصا لما فهمت من المقال :-

    أمر عدم القتال والمهادنة للكفار وتوقيع معاهدات معهم سارية المفعول كلما كانت شوكتهم أضعف ونفوذهم مضمحل ، وآيات القتال والجهاد وعدم التفريط فى حقوقهم أيضا سارية المفعول فى الأوقات التى تقوى فيها شوكتهم ويصبح فى إمكانهم تحرير أراضيهم التى اغتصبت منهم دون وجه حق ، فلكل مقام مقال

    يقولون الآية الخاصة بتوجيه القبلة تجاه المسجد الحرام ناسخة لآية أخرى وهى آية توجيه القبلة تجاه المسجد الأقصى ؛ أين هذه الآية ؟؟؟ لا وجود لها فى القرآن.

    تفسير آية هنا بمعنى معجزة يستقيم أكثر مع سياق الآية والآيات السابقة واللاحقة لها ، ليصبح معناها ما ننسخ أى نمحو من معجزة من المعجزات التى آتىناها الأنبياء والأمم السابقة كبني إسرائيل ، أو ننسها على مر الأزمنة الطويلة ، نأت بمعجزة وآيات تثبت قدرة الخالق خير منها ، أو مثل المعجزات السابقة ؛ لأن الله على كل شىء قدير ولا يعجزه شىء .

    الله يمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء من هذه المعجزات فى الأرض وفى أذهان الناس

    المقصود من تبديل آية مكان آية بالقرآن ، فهذه العملية كانت تتم قبل اكتمال نزول

    القرآن أثناء عملية جمعه وترتيبه الأوَّلى ، وكان المسلمون يحفظون السور حسب

    ترتيبها المعمول به كل عام ، والذى قد يطرأ عليه تغير فى الأعوام اللاحقة

    ومع ذلك يرفض ... عض الشيوخ .... المغرورين .... التحدث مع المفكرين الاسلامين

    ويأتوا ببرهانم ان كانوا صادقين .... يستكبرون .... في الارض .... ويتعالون علي خلق الله ....

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 259
  • مجموع التعليقات » 723
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة