حقيقة علم الناسخ والمنسوخ - الجزء الأول - تاريخ نشوء علم الناسخ والمنسوخ وأسبابه

حقيقة علم الناسخ والمنسوخ - الجزء الأول - تاريخ نشوء علم الناسخ والمنسوخ وأسبابه

حقيقة علم الناسخ والمنسوخ

الجزء الأول

تاريخ نشوء علم الناسخ والمنسوخ وأسبابه

هشام كمال عبد الحميد

 

تاريخ نشوء علم الناسخ والمنسوخ فى الإسلام :

بدأ علماء المسلمين فى تأسيس علم الناسخ والمنسوخ والخوض فيه أوائل القرن الثانى الهجرى ، وقبل بداية هذا القرن لم يكن لهذا العلم أى وجود ، فهذا العلم ظهر على الساحة الإسلامية مع ظهور الحركات والمذاهب الإسلامية المختلفة التى حاول أصحابها من خلال الناسخ والمنسوخ فى القرآن أن يدعموا أفكارهم ومعتقداتهم وآرائهم التى قد تختلف فى بعض الأحيان أو تتعارض مع الشريعة الإسلامية والآيات الصريحة فى القرآن ، بالقول : إن هذه الآيات قد نسخت بآيات أخرى قد يكون بعضها ثابتاً ومدوناً فى القرآن ، أو لا وجود لها ، فزعم أصحاب هذه المذاهب والمدارس الفكرية أن هناك آيات منسوخة غير مثبتة بالقرآن ، ولكن العمل بها ساريا وهى جزء من الشريعة الإسلامية ، وابتدعوا لذلك أحاديث وروايات .

وهذا إدعاد خطير وأمر جلل فتح المجال للكثير من هذه المدارس لتأسيس معتقدات وأحكام مخالفة تماماً لأحكام القرآن الكريم الواضحة والشريعة .

ومن ثم ظهرت أحكام فقهية معارضة ومناقضة لأحكام القرآن الكريم ، وهو موضوع لا مجال للخوض فيه هنا ، فقد فصلت له فى كتاب « الأحكام الفقهية المناقضة لأحكام القرآن الكريم عند الشيعة والسنة »

وسنكتفى هنا بذكر إيجاز لتاريخ التأليف فى علم الناسخ والمنسوخ .

فمن الأوائل الذين اشتهروا بالخوض فى علم الناسخ والمنسوخ والكتابة فيه : مجاهد المتوفى سنة 103 هـ ، وعكرمة المتوفى سنة 107 هـ ، وقتادة بن دعامة السدوسي المتوفى سنة 117 هـ وله كتاب « الناسخ المنسوخ فى كتاب الله تعالى » ، وابن أبى عروبة المتوفى سنة 133 هـ ، والزهري المتوفى سنة 124 هـ وله كتاب « الناسخ والمنسوخ » وعطاء بن مسلم الخراساني المتوفى سنة 135 هـ ، والكلبى المتوفى سنة 146 هـ وهو متروك عند أهل الرواية ، ثم مقاتل بن سليمان بن بشر البلخى المتوفى سنة 150 هـ وروايته غير محمودة عند المحدثين لتعمده الكذب ، وأبو على الحسين بن واقد المروزى المتوفى سنة 159هـ ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم المتوفى سنة 182 هـ .

وفى القرن الثالث الهجرى كتب كثيرون فى الناسخ والمنسوخ استناداً على ما كتبه أسلافهم ، ومن أشهرهم :

·           الشافعى المتوفى سنة 204 هـ وله كتاب « أحكام القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ .

·           العجلى الخفاف المتوفى سنة 204 هـ .

·           الهروى المتوفى سنة 224 هـ .

·           أبو الحارث سريح بن يونس المروزى المتوفى سنة 236 هـ .

·           أحمد بن محمد بن حنبل المتوفى سنة 241 هـ .

·           أبو داود السجستانى المتوفى سنة 275هـ .

وغيرهم كثيرون ، ولم تهدأ حركة الكتابة فى علم الناسخ والمنسوخ فى القرن الرابع الهجرى فكتب فيه الكثيرون نذكر منهم :

·         الحسين بن منصور الحلاج المتوفى سنة 309 هـ .

·         عبد الله بن سليمان بن الأشعث السجستانى المتوفى سنة 316 هـ .

·         ابن الأنبارى المتوفى سنة 328 هـ .

·         ابن المنادى أبو الحسن أحمد بن جعفر المتوفى سنة 336 هـ .

·         ابن النحاس أبو جعفر بن محمد المتوفى سنة 338 هـ وله كتاب « الناسخ والمنسوخ فى القرآن » .

·         أبو الحسين محمد بن محمد النيسابورى المتوفى سنة 368 هـ .

·         محمد بن على بن بابويه القمى المتوفى سنة 381 هـ وهو من علماء الشيعة .

وكثرة هذه الكتابات أصَّلت وجزَّرت هذا العلم الذى لا أصل له وما زالت المؤلفات تكتب فيه حتى يومنا هذا ، وأصبح هناك متخصصون فيه يدافعون عنه ويروجون له رغم كل الانتقادات التى وجهت لهذا العلم والأسس التى قام عليها .

وفى القرن الخامس الهجرى ألف أبو القاسم هبة الله بن سلامة الضرير المتوفى سنة 410 هـ كتابه « الناسخ والمنسوخ » وألف عبد القاهر بن طاهر الإسفرايينى المتوفى سنة 429 هـ كتاب « الناسخ والمنسوخ » .

ووضع مكى بن أبى طالب القيس المتوفى سنة 437 هـ كتاب « الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه « وكتاب » الإيجاز فى ناسخ القرآن ومنسوخه » .

وكتب أبو عبد الله محمد بن بركات بن هلال السعيدى المتوفى سنة 520 هـ كتاب « الإيجاز فى معرفة ما فى القرآن من ناسخ ومنسوخ » .

وتوالت الكتابة فى هذا العلم المنحول فألف أبو القاسم محمود بن أبى الحسن النيسابورى الغزنوى المتوفى بعد سنة 550 هـ كتاب « الموجز فى الناسخ والمنسوخ » .

وكتب ابن الجوزى المتوفى سنة 597 هـ كتاب « نواسخ القرآن » المطبوع باسم «أخبار الرسوخ بمقدار الناسخ والمنسوخ» أو باسم « المصفى بأكف أهل الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ » .

وألف السخاوى المتوفى سنة 642 هـ كتاب «الطود الراسخ فى المنسوخ والناسخ» .

وفى كتابه « الإتقان فى علوم القرآن » تعرض السيوطى المتوفى سنة 911 هـ لعلم الناسخ والمنسوخ وخصص له باباً بالكتاب .

وأصبحت كل كتب التفسير وعلوم القرآن لا تخلو من الحديث عن الناسخ والمنسوخ .

فخصص الزركشى المتوفى سنة 794 هـ باباً لهذا العلم فى كتابه « البرهان فى علوم القرآن » .

وكذلك الزرقانى فى كتابه « مناهل العرفان فى علوم القرآن » والدهلوى المتوفى سنة 1179 هـ فى كتابه « الفوز الكبير فى أصول الدين » .

وقال الأئمة بعد ذلك لا يجوز لأحد أن يفسر كتاب الله إلا بعد أن يعرف منه الناسخ والمنسوخ ، هذا رغم عدم وجود حديث واحد صحيح منسوب للنبى ﷺ يقر فيه بوجود النسخ فى القرآن ، فالقرآن وحى من الله ونسخ أية آية منه لابد أن تكون بوحي من الله أيضا ، وكان مفروضاً لو صح هذا العلم أن يطلعنا عليه رسول الله ﷺ لا أحد سواه ، وأن يحدد لنا من البداية الآيات المنسوخة بلا أى لبس ، وأن يحذف من القرآن ما تم نسخه عند آخر جمع تم للقرآن قبل وفاته ، وأن يسلم صحابته قائمة معتمدة منه بالآيات المنسوخة ويطلب منهم إرفاقها بالقرآن عند جمعه لتصبح جزءاً لا يتجزأ من القرآن ، أما أن يمكث المسلمون ما يقرب من مائة عام لا يعلمون شيئا عن الناسخ والمنسوخ ، ثم فجأة يبدأ المحدثون والفقهاء والمفسرون الخوض فى هذا العلم ، ونسخ آيات من القرآن وإثبات أخرى محلها بروايات لا تصح ولا أساس منهجى أو علمى أو شرعى لها ، فهذا أمر خطير وافتراء على الله ورسوله وكتابه العزيز وشريعته كما سنوضح فى حينه .

الآيات والروايات التى أُسس عليها الناسخ والمنسوخ :

قال تعالى :

(مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:106) .

وقال جل شأنه : (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) (الرعد:39) .

وقال : (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (النحل:101) .

هذه هى الآيات التى استند إليها القائلون بالنسخ وأقروا من خلالها أنها تنص على أن الله إذا أراد نسخ حكم أتى بحكم أفضل منه أو مثله .

أما الروايات التى استند عليها القوم فى القول بالنسخ ووضع أسس هذا العلم على أساسها ، فهى الروايات التى ذكرناها بالفصل الأول من هذا الكتاب المتعلقة بضياع آيات أو سور من القرآن ، كضياع أكثر من ثلثى سورة الأحزاب كما صرحت هذه الروايات ، وسقوط آيات من سورة البينة ، وفقدان سورتين أحدهما تعدل التوبة والأخرى المسبحات ، وآية الرجم ، وآخر آيتين من سورة التوبة وآية من سورة الأحزاب ، واللتين لم يجدهما زيد بن ثابت عند جمع القرآن سوى عند أبى خزيمة الأنصارى .

هذا بخلاف الروايات الشيعية التى تصرح بحذف سورتى الولاية والنورين من القرآن وغيرها من روايات تشير إلى ضياع آيات أو عدم إثباتها فى القرآن الذى جمعه عثمان بن عفان .

وهى جميعها روايات كما سبق وأن شرحنا مكذوبة ولا يخلو سندها من الطعن على أكثر من راوي من رواتها وانتقدها الكثير من علماء الجرح والتعديل وعلماء المسلمين .

لكن مؤسسو علم الناسخ والمنسوخ ، وضعوا هذا العلم للتوفيق بين ما صرحت به هذه الروايات ( التى لم يشغلوا بالهم بالتحقق من صحتها واعتمدوها كما هى ) من ضياع آيات أو سور أو وجود آيات ما زالت محفوظة فى أذهان بعض المسلمين ولم يتضمنها القرآن حسب زعم الرواية .

وهو ما وضعهم فى مأزق كان لابد من الخروج منه حتى لا يقولوا بتحريف القرآن أو ضياع آيات وسور منه وفى نفس الوقت لا يقروا بكذب هذه الروايات .

ولو أنهم أضاعوا وقتهم الذى أضاعوه فى الحديث عن الناسخ والمنسوخ فى التحقق من صدق هذه الروايات لأراحوا أنفسهم وأراحونا .

* أقسام الناسخ والمنسوخ :

على ضوء ما جاء بالروايات المختلفة لآيات غير مدونة بالقرآن ، قسم أصحاب علم الناسخ والمنسوخ الآيات المنسوخة إلى ثلاثة أقسام رئيسية :

1- ما نسخ حكمه ونسخ رسمه أو حرفه أو تلاوته .

ويعنون بذلك نسخ سور أو آيات بما فيها من أحكام ونسخ حروفها أو رسمها من المصحف ، أى حذفها منه، ووضعوا فى هذا القسم على سبيل المثال سورتي الحفد والخلع وسورة الولاية أو النورين ، وكآية الجهاد ، وآية الطمع وغير ذلك .

2- ما نسخ حكمه وبقى رسمه أو حرفه أو تلاوته .

ويعنون بذلك بقاء النص القرآني فى المصحف ، أى بقاء رسمه أو حرفه أو تلاوته مع إلغاء الحكم الوارد بهذه  الآية بحكم آية أخرى لاحقة عليها .

وقد دفعهم إلى ذلك عدم فهمهم للآيات التى يشتبه ظاهرها عليهم ، فيظنون وجود تناقض بينهما ، ومن ثم لجأوا إلى تنحية بعض هذه الآيات وتثبيت حكم البعض الآخر ، استناداً على ما عندهم من روايات صحيحة السند من وجهة نظرهم ، وعلى الآيات التى فسروها بأنها تشير إلى وجود النسخ فى القرآن والسابق ذكرها .

3 - ما نسخ رسمه أو تلاوته وبقى حكمه .

وعنوا بذلك وجود آيات مثل آيات القرآن بين أيدى الناس واردة بالروايات الصحيحة عند كل مذهب ، لكنها محذوفة أو مرفوعة من القرآن ، ولم تعد تتلى ولكن حكمها أو العمل بها ما زال ساريا ، وذلك مثل آية الرجم للزاني ، وآية رضاع الكبير عشر رضعات وغيرها .

واعتبروا هذه الآيات غير مقدسة مثل آيات القرآن ، ولا يتعبد بتلاوتها ، ولا شىء على الجنب أو الحائض فى مسها أو تلاوتها ، ولكن قدسيتها فى حكمها ؛ لأنها تنسخ أحكام آيات الزنى المدونة فى المصحف .

وهذه كانت الطامة الكبرى حيث تم بموجبها إلغاء حكم آيات صريحة ثابتة فى القرآن كآيات جلد الزاني والزانية ، وآيات عدم التعرض للمرتد سواء بقتله أو غيره طالما لم يعلن الحرب على المسلمين ، والآيات التى لم تضع عقوبة لشارب الخمر وغيرها من آيات الأحكام ، بروايات ضعيفة وموضوعة ومطعون عليها تشير أو تصرح بوجود أحكام أخرى معارضة ومناقضة لأحكام القرآن الصريحة كحكم رجم الزاني والزانية المحصنين ، وحكم قتل المرتد ، وحد شارب الخمر ، فهذه كلها حدود وأحكام شرعية غير منصوص عليها فى القرآن ، والمصدر الوحيد للشريعة الإسلامية هو الخالق سبحانه وتعالى ولا أحد سواه ، كما صرحت بذلك آيات كثيرة لا مجال لذكرها وشرحها هنا .

ومن ثم فأي حكم شرعي لابد وأن يكون منصوصاً عليه فى القرآن الذى هو كتاب الله ، فإذا لم ينص عليه فيه فلا أساس ولا وجود له ، وإذا كان هناك حكم مخالف لحكم صريح فى القرآن فهذا كذب وافتراء على الله وتغيير لشريعته وأحكامه .

كما قسم أصحاب الناسخ والمنسوخ النسخ من حيث الناسخ إلى أنواع أهمها :

1 - النسخ بالقرآن : ويعنى أن يكون القرآن ناسخاً لغيره مثل أن ينسخ القرآن قرآناً مثله ، أو ينسخ القرآن سنة .

2 - النسخ بالسنة : ويعنى أن تكون السنة ناسخة للقرآن . وهو عندهم ضربين :

أ - أن تنسخ السنة الآحادية القرآن .

ب - أن تنسخ السنة المتواترة القرآن .

وهذه أيضا طامة كبرى ؛ لأن السنة الآحادية أى الأحاديث والروايات المروية بطريق الآحاد ؛ لأنها غير متواترة ، وغير مقطوع بصحتها ، وهى لا تفيد علماً ولا تجبر على عمل ، فكلها أحاديث وروايات ظنية ولا يعلم إن كان النبى ﷺ قالها أو عمل بها أم لا، أى أن نسب الحديث إلى النبى مشكوك فى صحته ، فكيف يتم إلغاء آيات وكلام الله الثابت والذى وصل إلينا بطريق التواتر القطعى من خلال القرآن عبر التاريخ الإسلامي على مدار أكثر من 1400 سنة بروايات وأحاديث لم تثبت لنا صحتها ؟

وكيف نلغى أحكام الله بأحكام الرواة المطعون عليهم ؟ ولا ننسى أن الأحاديث المتواترة تُعد على أصابع اليد بكل كتب الصحاح . ولا يجوز القول أيضاً بنسخ القرآن بالأحاديث المتواترة فهذا جرم عظيم أيضاً لأن آيات القرآن لا يلغيها إلا الخالق سبحانه وتعالى وحده بآيات أخرى .

وقسموا النسخ من حيث المنسوخ إلى أنواع منها :

1 - نسخ الحكم الثابت بعد مجيء زمن العمل به .

2 - نسخ الحكم الثابت قبل مجيء زمن العمل به .

وقسموا السور من حيث الناسخ والمنسوخ إلى :

·      سور ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وقد وصل عددها إلى أكثر من 40 سورة .

·      سور فيها منسوخ وليس فيها ناسخ وصل عددها لحوالى 40 سورة أيضا .

·      سور فيها ناسخ ومنسوخ وهى حوالى 25 سورة .

·      سور فيها ناسخ وليس فيها منسوخ ([1]).

اختلاف علماء السلف والخلف فى الناسخ والمنسوخ :

اختلف علماء السلف والخلف فى الناسخ والمنسوخ ، ووجه إلى هذا العلم الكثير من الانتقادات والطعون ، ففي البداية اختلف القائلون بالنسخ على نسخ الأحاديث لآيات القرآن فقال الشافعي : « لا ينسخ القرآن إلا بقرآن » ، وقال آخرون « بل ينسخ القرآن بالسنة » ؛ لأنها بزعمهم من عند الله متأولين قوله تعالى « وما ينطق عن الهوى » ومتناسين أن الأحاديث التى بين أيديهم أحاديث آحاد غير متواترة وغير مقطوع بصحتها ونسبها إلى رسول الله وصحابته ، واختلف القائلون بنسخ السنة للقرآن ، فقال بعضهم كالإمام أبو حنيفة ومالك ورواية عن أحمد « ينسخ القرآن المتواتر من الروايات » وقال البعض الآخر « بل ينسخه روايات الآحاد أيضا » .

فهل هناك مصيبة أصابت الأمة أعظم من هذه ؟، وهل هناك تجرؤ على الله وعلى كتابه وأحكامه أفدح من هذا ؟ إن فتح باب نسخ القرآن بالروايات فتح الباب واسعاً أمام ضعاف النفوس وأصحاب الهوى لوضع روايات وأحاديث مكذوبة تحوى أحكاماً مخالفة لأحكام القرآن الكريم ، والترويج لهذه الروايات حتى ترسخ فى أذهان المسلمين ، لتصبح سنداً وحجة بعد ذلك فى نسخ آيات من القرآن بها .

وهذا ما حذر منه الشافعي بقوله : إن الحديث كله آحاد ، فمتى قلنا بنسخ الحديث للقرآن فيعنى ذلك نسخ الآحاد له كما اعترض الحنفية على نسخ روايات الآحاد مطلقاً للقرآن وخصوصاً المشهور منها فأجازوه إضافة للمتواتر ، وعلتهم فى ذلك أن المتواتر قطعي الثبوت كالقرآن ، والمشهور اكتسب قوة ؛ لاشتهاره وعمل الفقهاء به مما يلحقه بالمتواتر .

وهكذا نجد أن موضوع النسخ شأنه شأن سائر الموضوعات الإسلامية المختلفة ، حدث فيه التأليف والاختلاف فى وجهات النظر ومعالجة القضايا المتعلقة به .

وفى العصر الحديث بعد انتشار وسائل النشر ، والإنترنت مؤخراً كتب العديد من الباحثين والعلماء من أصحاب الفكر المستنير ، العديد من الكتب والأبحاث المنشورة على الإنترنت ، التى تنتقد علم الناسخ والمنسوخ وتهدم أركانه التى بُنى عليها ، ونذكر من هذه الكتب والأبحاث على سبيل المثال :

1- كتاب الناسخ والمنسوخ بين الإثبات والنفي - عبد المتعال الجبري وكان هذا الكتاب تتمة لرسالة الماجستير المقدمة منه لكلية دار العلوم بجامعة القاهرة عام 1949م ، ثم كتب كتاباً آخر باسم « لا نسخ فى القرآن ... لماذا ؟ » .

2- لا نسخ فى القرآن - د. / أحمد حجازي السقا - سنة 1978م .

3- بحث قيم من 24 صفحة للدكتور أحمد صبحي منصور ضمن كتابه « مع القرآن الكريم « طبعة ثانية سنة 1999 م .

4- كتاب « النسخ فى القرآن بين المؤيدين والمعارضين » الشيخ محمد محمود ندا - والذى كذب فيه دعاوى النسخ القائمة على الجهل المطبق بالقرآن فى سنة 1996م .

5- كتاب « استحالة وجود النسخ بالقرآن - إيهاب حسن عبده عام 2004 م طبعة أولى.

6 - انتقد الشيخ محمد الغزالي فى كتابه « نظرات فى القرآن » ومحمد أبو زهرة فى كتابه « مصادر الفقه الإسلامي » الناسخ والمنسوخ فى القرآن .

هذا بالإضافة إلى مئات الأبحاث المنشورة على الإنترنت فى نقد الناسخ والمنسوخ ونفيه تماماً .

* التفسير الصحيح لآيات النسخ والمحو فى القرآن :

 

القول بوجود نسخ لآيات فى القرآن افتراء عظيم على الله ؛ لأن هذا النسخ أو الإبدال معناه أن الله تعالى يعطى حكماً ثم يبدو له خطأوه أو عدم مناسبته للظروف الحالية فيقوم بإلغائه بحكم آخر .

وهذا بهتان عظيم ؛ لأن الله تعالى هو عالم الغيب والشهادة العليم الخبير ، فما من أمر فى الماضي أو الحاضر أو المستقبل إلا ويعلمه ، وتشريعاته وأحكامه تأتى وفق هذا العلم ، فإذا أعطى حكماً فى وقت معين وكان هذا الحكم خاصًّا بهذا الزمن فقط لا يفوته ذلك وينوه فى قرآنه إلى هذه الخصوصية . وإذا أراد تشريعا وكان الوقت غير مناسب لتطبيقه يؤجل الحكم ولا يصدره لرسوله ﷺ إلا فى الوقت المناسب لتطبيقه .

وهذه الفرية العظيمة كان أول من أطلقها اليهود لعنهم الله ، وبدأت عندهم بالقول بالبداء ، أى أن الله تعالى يبدو له الشيء بعد الشيء فيقوم بتغيير الأمور وإصدار الأحكام مخالفة للأولى .

وتطور الأمر عندهم إلى القول بالنسخ فزعموا أن الله فى التوراة نسخ بعض أحكامه السابقة مثل تحريمه للعمل والشغل فى يوم السبت بعد أن كان أباحه من قبل ذلك ، ومثل آخر تحريم زواج الأخ بأخته من أبيه بعد أن كان أباح ذلك من قبل زاعمين أن إبراهيم كان متزوجاً من سارة وكانت أخته من أبيه حسب افتراءهم ورواياتهم المكذوبة على الله ورسله .

ومن ذلك أيضا قولهم : إن الله أمر بني إسرائيل بقتل بعضهم البعض كعقاب لهم على عبادتهم العجل ثم غير حكمه ورفع هذا العقاب عنهم .

وجاء أصحاب الإنجيل فزعموا أن الله نسخ بعض أحكام التوراة بالإنجيل ، مستندين فى ذلك على نصوص وروايات واردة بأناجيلهم وظاهر التحريف فيها واضح ولا مجال لتفصيله هنا ، وهذه النصوص منسوبة لعيسى أو لأصحاب هذه الأناجيل وبها أحكام شرعية مخالفة لأحكام التوراة المحرف فى شريعتها أجزاء كبيرة أيضا ، ومن أمثلة ما قالوه فى هذا الشأن :

1- إباحة الله لبنى إسرائيل الطلاق على ما جاء بالإصحاح الرابع والعشرين من سفر التثنية الأعداد من 1 - 3 ، ثم نسخ هذا الحكم فى الإنجيل جزئيا بما ورد فى الإصحاح الخامس من إنجيل متى العددين 31 - 32 ، وكذالك ما جاء بالإصحاح العاشر من إنجيل مرقس الأعداد 11 ، 12 ، والإصحاح السادس عشر من إنجيل لوقا العدد 18 .

ففي هذه النصوص المنسوبة لعيسى عليه السلام بهذه الأناجيل يأمرهم عيسى بعدم طلاق الزوجة إلا إذا زنت ، ويحثهم على عدم الزواج من المطلقة ويعتبر من يتزوج من مطلقة زانيا ، والله ورسوله عيسى براء من هذا الافتراء بالقطع ، ومن هذا التشريع الذى لا ينسجم مع العقل أو الفطرة أو المنطق ، أو الحرية فى الخلاص من الزواج غير الموفق .

2- شرع الله لليهود القصاص بسفر الخروج ، الإصحاح الحادي والعشرين الأعداد 23 - 25 بقوله :

« وإن حصلت أذية تعطى نفساً بنفس وعىناً بعين وسنًّا بسنٍّ ويدا بيد ورجلاً برجل ، وكيا بكىٍّ ، وجرحاً بجرح ، ورضا برضي » .

ثم نسخ الله ذلك فى إنجيل متى الإصحاح الخامس العدد 38 وفيه على لسان عيسى :

« سمعتم أنه قيل عين بعين وسن بسن ، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشر ، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الآخر أيضا » .

فهل سيأمر الله الناس بعدم مقاومة الشر ، وبالاستسلام والخنوع للأشرار حتى إذا ضربونا على خدنا الأيمن ، نُدر لهم الخد الأيسر ونقول لهم : الطمونا عليه أيضا ..؟

أى تشريع هذا ، وهل يروج مثل هذه التشريعات سوى الأشرار والمستبدين والظلمة والفاسدين فى الأرض ؟

3 - حرم الله العمل يوم السبت بالعهد القديم بسفر الخروج الإصحاح 31 العدد 15 وفيه « وأما اليوم السابع ففيه سبت عطلة مقدس للربِّ ، كل من صنع عملاً فى يوم السبت يقتل قتلاً » .

ونُسخ ذلك بإنجيل مرقص الإصحاح العاشر العدد 11 . حيث لم ينه عيسى تلاميذه الذين قطفوا السنابل وهم سائرون بين الزروع فى يوم السبت ، وقد اعترض على فعلهم هذا الفريسيون ؛ لأنهم فعلوا ما لا يحل فى هذا اليوم ، فأقر عيسى صحة ما فعله تلاميذه ؛ لأن السبت جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت .

والقصة هنا مبهمة وغير واضحة ؛ لكن القوم اعتبروها تحليل للعمل يوم السبت ، هذا فضلاً عن أن تحريم العمل يوم السبت بالتوراة هو فرية يهودية ، كما يتضح من النص الذى ليس فيه أى تحريم للعمل فى هذا اليوم ، فهو تشريع منهم وليس من الله ، فتحريم العمل يوم السبت فرية يهودية ، وإباحة العمل يوم السبت فرية مسيحية ، وكلها تحريمات وتحليلات على روايات ونصوص مكذوبة ومختلقة مثلها مثل الأحاديث والرواي

يتبع بقية البحث بالجزء الثاني علي الرابط التالي :

 

http://heshamkamal.3abber.com/post/132822



التعليقات

  1. صلاح مجاهد علق :

    لا يسعني الا ان اجمع الطامات الكبري .... التي شوهت الاسلام ..بأيدي المحسوبين

    علي الاسلام من اصحاب اللحي .... واصحاب العمائم .... واصحاب المسابح ..

    واعطت فرصة لأعداء الاسلام ....ان يطعنوا فيه .... وهم .... لا يفهمون .... وكأنهم

    ...اتخذوا عهدا عند الله

    ....سبحانه وتعالي ... ليتكلموا بإسم الاسلام .... :-

    قسم أصحاب الناسخ والمنسوخ النسخ من حيث الناسخ إلى أنواع أهمها :

    1 - النسخ بالقرآن : ويعنى أن يكون القرآن ناسخاً لغيره مثل أن ينسخ القرآن قرآناً مثله ، أو ينسخ القرآن سنة .

    2 - النسخ بالسنة : ويعنى أن تكون السنة ناسخة للقرآن . وهو عندهم ضربين :

    أ - أن تنسخ السنة الآحادية القرآن .

    ب - أن تنسخ السنة المتواترة القرآن .

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل