“أخطر أسرار الإستراتيجية الأمريكية في العراق والشرق الأوسط ”

سليم مطر

هذا هو رابط مقال الجزءان الأول والثاني .

http://iraqibeacon.wordpress.com/2010/12/20/%D9%82%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%83%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D8%AE%D8%B7%D8%B1-%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3/

الزميل الكاتب : سليم مطر - جنيف
كتب: سليم مطر - جنيف - خاص - -

هذا هو الجزء الثالث الاخير من اسرار الإستراتيجية الامريكية في منطقةالشرق الاوسط ، التي كشفها لي صاحبي الحكيم الامريكي احد زعماء( فدراليةالاخوة العالمية IFB ) وهو على فراش الموت .

سياسة الراية الخداعة

طبعا اننا ما بلغنا هذه النجاحات الكبرى في تدمير العراق خصوصا كنموذجلبلدان الشرق الاوسط ، الا لاننا استعنا بخلاصة تجاربنا السابقة التينفذناها في العالم، والتي اطلقنا عليها تسمية ( سياسة الراية الخداعةـ False Flag ) والتي تعني قيامنا نحن انفسنا بعمليات ارهابية ضد مصالحبلادنا وننسبها الى خصومنا لكي نعطي التبرير لاعلان الحرب عليهم. وقدانجزنا عمليات ناجحة كثيرة في هذا الخصوص ، من ابرزها هجومنا نحن ضداسطولنا( Pearl Harbor ) عام 1941 الذي منحنا الحجة لمهاجمة اليابانوالقاء القنبلتين الذرتين عليها ثم احتلالها. كذلك التخطيط لعملية( opération Northwoods ) عام 1962 بتكوين ميليشيات كوبية تقوم بعملياتارهابية ضد قاعدتنا في كوبا من اجل اعطاء الحجة لمهاجمة كوبا واحتلالها. لكن الرئيس كندي اعترض ، ثم اعترض كذلك على مشروع مهاجمة فيتنام، فاضطررناللتخلص منه ونسبنا اغتياله الى شخص معتوه.

كذلك تجربتنا بتنظيم ميليشيات سرية في انحاء اوربا بعد الحرب العالميةالثانية تحت اسم( Stay- Behind ) من اجل مكافحة النفوذ الشيوعي وتنفيذعمليات ارهابية تنسب الى اليسار المتطرف، فتمنح حجة لتدخلنا وتجبرالحكومات الاوربية للاعتماد علينا. وضمن هذا السياق في اعوام الستيناتوالسبعينات طبقنا خصوصا في ايطاليا وتركيا سياسية اسميناها ( ستراتيجيةالاضطراب ـ Strategy of Tension ) خلقت التوتر والعنف من خلال العملياتالسرية ودعمت انصار امريكا وبررت تدخل العسكر لتحجيم اليسار وقمعه .

وكانت ذروة نجاحاتنا في تطبيق سياسة (الراية الخداعة) في الشرق الاوسط، هي عملية تدمير برجي نيويورك عام 2001 وخلق اسطورة( بن لادن والقاعدة )،ثم نجاحنا الفائق في العراق بتأجيج الحرب الطائفية ونشر العنف والاحقاد،من خلال فرضنا سياسة (اجتثاث البعث) التي كانت لأجتثاث الدولة العراقيةنفسها. بالحقيقة نحن ليس لدينا أي مشكلة مع البعث، فهو كان حليفنا السريلسنوات طويلة، وكان من السهل جدا الابقاء عليه مع بعض التغييرات الشكليةبالاسم والشعارات، ليلعب دورا ايجابيا ضمن الدولة الجديدة، كما حصل فيالانظمة الاشتراكية السابقة حيث ابقي على الشيوعيين ضمن الخارطة الجديدة. لكننا كنا ندرك ان الابقاء على البعث يعني الابقاء على الدولة وعلى البلدقويا مستقرا، وهذا خطر علينا لانه يعني سهولة تمكن العراقيين من توجيهحقدهم علينا وتخريب مشروعنا. لهذا اقنعنا عملائنا وحلفائنا بتبني سياسةالاقصاء والاجتثاث، ثم تنفيذ عمليات الاغتيال للكوادر والعلماء والقادةالعسكريين والحزبيين من خلال ( فرق الموت الشيعية ) المدعومة من قبلنا،بذلك تهيأت الاجواء الكاملة لـ( الميليشيات السلفية السنية ) لكي تلعبدورها الارهابي المطلوب. وقد ساعدنا حلفائنا القوميين الاكراد كثيرا فيتنفيذ سياستنا هذه لقاء فرضنا على ( الارهابيين )عدم شمول المنطقة الكرديةبعملياتهم التخريبية.

الاعلام اخطر اسلحتنا الحديثة

كما قال رئيسنا (ريغان) (ان فشلنا بحرب فيتنام كان بسبب فشلنا بأستخدام الاعلام )! لهذا فأنناشرعنا منذ اعوام الثمانينات ، ثم مع الثورة التكنلوجية العظمى في مجالالاعلام في اعوام التسعينات دخلنا بقوة بأستخدام وسائل الاعلام في التأثيرالحاسم على الحكومات والتحكم بمواقف الشعوب. وقد نجحنا الى حد كبير فيالمزج العلمي الفائق الدقة بين ( فن الاعلام ) و( فن المخابرات )، إذخلقنا شبكات سرية واسعة من العملاء والمنتفعين في معظم بلدان العالم،وخصوصا في الشرق الاوسط، تتكون من الصحفيين والمثقفين المرتبطين بالاعلامبما فيهم الكتاب والسينمائيين وغيرهم. وخصصنا ميزانيات كبرى في تشييدالمؤسسسات الاعلامية المرتبطة سريا بنا: ( صحف وفضائيات ومواقع انترنتووكالات انباء ومراكز دراسات، وغيرها )، ودعم وشراء الكوادر النشطة فيالاعلام من اجل تنفيذ سياستنا الاعلامية ـ الثقافية ونشرها على اوسع نطاق.

ان اعظم الخدمات التي لم تكن محسوبة، قدمتها لنا تلك الفضائياتالتلفزيونية التي دعمنا اقامتها في منطقة الخليج، والتي بحجة تفعيلالديمقراطية وحرية الرأي ، تمكنت من تأجيج الصراعات من خلال التركيز علىالعناصر المتطرفة من كل التيارات، وخلق الجدالات الفضائحية العنفية وبثاخبار الحركات السلفية والطائفية والبرامج ذات (الاتجاهات المعاكسة ) المبتذلة المحرضة المؤججة للتطرف والأحقاد بكل انواعها. فمثلا، اننا بفضلهذه الفضائيات تمكنا من اقناع العالم كله بحقيقة دور(القاعدة) واسطورة( بنلادن ) من خلال نشرها تلك البيانات والتسجيلات الصوتية والصور المفبركة. كذلك فضائياتنا هي التي جعلت من ( نصر الله وحزبه ) اسطورة بطولية عربيةاسلامية بوجه اسرائيل ، لكي نبرز رموزا شيعية قوية تابعة لايران تخيفوتحفز القوى السلفية السنية التابعة للسعودية . كذلك تمكنا من تهيأةوتغذية اجواء الحقد والصراع الطائفي في العراق من خلال تسليط الاضواء علىالشخصيات المتطرفة من كلا الجهتين، وخلق الجدالات العنيفة وابراز الاخباروالمشاهد المؤججة للمشاعر.

التيار التدميري والتيار السلمي

هنالك حقيقة مخفية مزعجة لنا لا يدركها الا قادتنا، وهي ان هنالكتياران مختلفان في داخل فدراليتنا كما في عموم النخب الامريكية والغربيةالسياسية والثقافية، اقواهما (التيار المتعصب ) الواضع والمدافع عن هذهالستراتيجية التدميرية، وهو الغالب والمتحكم بالدول والمؤسسات العسكريةوالمخابراتية والاعلامية، ثم (التيار السلمي المعتدل) وهو الاضعف، لكنهالاكثر شبابية وحيوية وطموح.

لقد نجح (التيار المتعصب ) ان يفرض ستراتيجيته التدميرية الخاصةبالشرق الاوسط، بالاعتماد على الحجة التالية: ((ان شعوب الشرق الاوسطبطبعها وتاريخها عنفية حقودة متصارعة، ولا يمكن تجنب شرها ضد نفسها وضدالعالم وضد المصالح الغربية، الا باضعافها من داخلها ومنعها من التوحدوالاستقواء))!

والمشكلة ان هذا التيار المتعصب، نجح باستمرار ان يغذي حجته هذه، منخلال تشجيعه لروح وثقافة الاحقاد والعنف والارهاب في الشرق الاوسط. فكلماحاول (التيار السلمي) ان يطالب بالانسانية والتعقل مع شعوب الشرق، صرخالمتعصبون بحجة الاحقاد السائدة والعمليات الارهابية المنتشرة.

لكن ( التيار السلمي ) لا يكل عن محاولة الدفاع عن اطروحته بضروةمساعدة الشرق الاوسط على تحقيق السلام والاستقرار، بناء على المبرراتالتالية:

لنفترض حقا ان شعوب الشرق الاوسط حقودة ومتصارعة وعنفية ، لكنها مهمابالغت فأن تاريخها يثبت بأنها اقل عنفا وتطرفا وحقدا من شعوب اورباالغربية { أخيراَ إعترفتم } التي ، فقط خلال الحربين العالميتين ، قتلتحوالي ستين مليون انسان اوربي بأيادي اوربية مع تدمير مدن واوطان اوربيةبكاملها واقتراف عمليات ابادة منظمة لملايين اليهود والغجر، ناهيك عنالتاريخ الاستعماري والعبودي الطويل ضد الشعوب الضعيفة. لكن مع كل هذا فأنامريكا، ومن اجل ضمان سلامة مصالحها وابقاء اوربا بجانبها، جهدت من اجلمساعدتها وبنائها وتحقيق الوحدة السلمية الانسانية بين هذه الاوطان التيظلت على مدى التاريخ متصارعة الى حد الابادة: المانيا وفرنسا وانكلترا! اذن لماذا لا تستحق شعوب الشرق الاوسط مثل هذه الجهود لكي تبني اوطانهاوتحقق وحدتها وتتحالف انسانيا وسلميا مع جارتها اوربا وكذلك امريكا؟!

من اجل إ ستراتيجية شرق اوسطية جديدة

بعد هذه الاعترافات والكشوفات الخطيرة لصاحبي الحكيم الامريكي، من الطبيعي ان يطرح ابناء الشرق الاوسط السؤال المشروع التالي:

ـ اذن، ما العمل، امام هذه الإستراتيجية الجهنمية التي نعيشها ونعانيمنها منذ سنوات طويلة. هل هي قدر خارق ومحتوم علينا الخضوع له، ام ماذا؟

بعد مداولات وجدالات طويلة وعميقة مع هذا الحكيم، يمكنني بكل ثقة وقناعة ان اخبركم بالخلاصة التالية:

لا ابدا، ان هذه الإستراتيجية الشيطانية ليست قدر محتم ، بل هي بكلبساطة لعبة خطيرة يقوم بها بشر مثلنا { هل أنتم فعلاً بشر } ؟ !!!، لهممصالحهم وعقيدتهم ونقاط قوتهم وضعفهم، مثل كل البشر. ونستطيع نحن الضحاياان نجد الإستراتيجية المضادة التي تساعدنا على الخلاص .

يمكن اختصار وتحديد هذه الإستراتيجية المقترحة على الاصعدة التالية:

اولا، على الصعيد العالمي ، اقامة تحالف وحوار شعبي ونخبوي شرقي ـ غربي

ان اشد ما يخشاه( التيار المتعصب ) الماسك بالـ ( IFB ) ان تدرك شعوبونخب الشرق الاوسط حقيقة هذه الإستراتيجية الخفية. لهذا يتوجب على النخبوالقيادات والحكومات الشرق اوسطية ان تعمل كل مستطاعها لكشف وفضح خفاياهذا المخطط الجهنمي الذي يقوده (التيار الغربي المتعصب )، والتقربوالتحالف مع (التيار الغربي السلمي ) ومع جميع القوى والنخب السلميةوالانسانية الامريكية والاوربية، الثق

الإعلام أخطر أسلحتنا الحديثة 

الثقافية والحزبية والحكومية والدينية والاجتماعية. أي التخلص من تلك السذاجة والثقة الخنوعية التي تمارسها حكوماتنا ونخبنا بتصديق الخطاب الامريكي - الاوربي الدبلوماسي الذي يدَّعي جلب الديمقراطية والتحضر للشرق الأوسط. كذلك العمل على كشف كل المخططات السرية الجارية وفضح جميع المؤسسات والاحزاب والشخصيات والحكومات المتورطة فيها. وبنفس الوقت، العمل على اقامة شبكة واسعة من العلاقات مع كل الاطراف والمؤسسات واللوبيات والشخصيات الامريكية والاوربية التي تؤمن بصدق بضرورة اقامة علاقة سلم وتعاون وتحالف بين الشرق والغرب.

على القوى العلمانية الليبرالية واليسارية في الشرق الاوسط أن تدعم علاقاتها مع القوى الليبرالية واليسارية الغربية التي تحترم خصوصية المجتمعات الشرقية ولا تبرر التدخل السياسي والهيمنة الثقافية الغربية على الشرق.

كذلك أن تشرع القوى والنخب الدينية الاسلامية الى الانفتاح على جميع القوى والنخب الدينية الغربية، مسيحية ويهودية وغيرها. من أكبر الخطايا التي ترتكبها المؤسسات والنخب الدينية الاسلامية انها لم تنتبه الى القيمة الحاسمة للتحالف مع النخب والكنائس المسيحية في اوربا وأمريكا. لأن هذه النخب المسيحية، وخصوصاً الكنيسة الكاثوليكية، تعاني كثيراً من الحروب الاعلامية والثقافية التي تشنها ضدها القوى الشيطانية المتطرفة المتحكمة بالغرب التي تدَّعي العلمانية والعلم والالحاد، لكي تحرم المجتمعات الغربية من بقايا الروحانية وسلطة الله، وبالتالي تسَّهل عملية إخضاعها بشكل كامل لسلطة المال وثقافة النهم والتفسخ النفسي والاجتماعي وتقديس الاستهلاك الوحشي. لقد نجح المتعصبون في الشرق والغرب حتى الآن من منع أي تقارب (مسيحي – اسلامي - يهودي) عالمي من خلال دعم القوى السلفية الاسلامية المعادية للمسيحية وبنفس الوقت تعزيز مخاوف المسيحيين واليهود من الاسلام والمسلمين من خلال التشديد على معاناة المسيحيين (واليهود) في الشرق الأوسط، وعلى الخطر الارهابي الاسلامي ضد شعوب الغرب.

ثانيا: على الصعيد الشرق أوسطي، العمل على اقامة سوق ووحدة شرق أوسطية مشابهة للوحدة الاوربية

على شعوب ونخب الشرق الأوسط أن تتخلص من تعصبها القومي الانعزالي وتحتذي بتجربة الوحدة الاوربية، التي رغم كل الاحقاد والحروب العالمية المدمرة بينها، واجهت الحقيقة التالية: أما أن تستمر بخضوعها للمنافسة التاريخية القومية وشن الحروب المدمرة بينها، أو أن تتوحد! وقد اضطرت أن تختار الحل الثاني. ان الوحدة العربية قد فشلت وستفشل دائماً لأنها قائمة على أساس قومي عرقي يعزل ويخيف أهم دول الشرق الأوسط غير العربية: ايران وتركيا واسرائيل، كذلك الجماعات القومية الأخرى التي تعيش مع العرب: أكراد وتركمان وسريان وأقباط وبربر وأفارقة، وغيرهم..

لقد نجح المتعصبون في الشرق والغرب، بمنع أي توحد شرق أوسطي من خلال الإبقاء على الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني

سياسة الراية الخادعة

 وجعله العقبة الكبرى أمام أي سلام وتقارب . وتمكنوا من فرض العقيدتين التاليتين: جعل غالبية النخب العربية ترفض بصورة مطلقة أي حوار وانفتاح وتقارب مع المجتمع والنخب الاسرائيلية واليهودية. وبنفس الوقت، تقديم الدعم بكل الوسائل السرية للتيار اليهودي المتعصب الذي يبتغي طرد جميع الفلسطينيين وبناء المستوطنات في كل مكان. ونجحوا خصوصاً بجعل الفلسطينيين والاسرائيليين يرفضون ذلك الشعار الواقعي والوحيد القادر على حل المشكلة: (دولة واحدة لشعبين، يهودي وفلسطيني). ثم اعتبار الوسيلة الوحيدة للحوار العقيم بين اليهود والعرب هي الحكومات وحدها، مع الاشراف الكامل من قبل أمريكا لضمان عدم نجاح الحوار.

لهذا، فأن الحوار الشعبي والنخبوي المباشر بين العرب واليهود عموماً، والفلسطينيين والاسرائيليين خصوصاً، وحده القادر على تحقيق السلام الحقيقي. حوار شعبي ونخبوي مباشر على كل الأصعدة الثقافية والسياسية والدينية والاقتصادية والسكانية، من دون تدخل ولا إشراف الدول الغربية. ان هذا الحوار والسلام هو الذي سيكون أساس تحقيق الحل الوحيد الممكن: (دولة واحدة لشعبين)، ثم استقرار وتوحد بلدان الشرق الأوسط، على الطريقة الاوربية.

ومن المهم جداً ضمان الموقف الايجابي للغرب من هذا المشروع. ان التجربة التركية أفضل نموذج ناجح لبلدان الشرق الاوسط. فهي تتميز بخصال عديدة تمنحها قوة وشمولية نادرة: مركز عسكري علماني ماسك بالدولة ويلعب دور الضامن لحسن سير العملية الديمقراطية، مع حزب اسلامي تجديدي ومعتدل يجمع بحذاقة بين الاصلاح الديني والتعددية الديمقراطية، مع سياسة وطنية توحيدية واستقلالية تتوافق بحنكة مع انتماء تركيا لحلف الاطلسي!

ثالثا: على الصعيد العراقي، ليكن العراق مركزاً للسلام والحوار والتقارب الشرق الاوسطي والعالمي، وليس مركزاً للمؤامرات والحروب والآيديولوجيات التوسعية والامبراطورية! 

 إن طبيعة العراق، تاريخياً وجغرافياً، فرضت عليه دائماً أما أن يكون محتلاً من قبل الجيران أو هو الذي يحتلهم. لهذا فأن الروح والحضارة العراقية، (عكس الروح المصرية الوطنية الانغلاقية)، ظلت دائماً توسعية خارجية من جميع النواحي: ثقافياً وسياسياً وسكانياً وعسكرياً. وهذه الطبيعة الانفتاحية الخارجية، هي سر العبقرية العراقية وسر الخراب أيضاً. فهي التي منحت العراق والعراقيين هذا الخصب الأبداعي والدور الحضاري الحاسم في التاريخ، ولكن هي أيضاً التي جلبت على العراق والعراقيين هذه التبعية للقوى الخارجية وسهولة التخلي عن الهوية الوطنية والانقسام والتصارع بتأثير هذه التبعية. ان هذه الروح الخارجية العراقية سليقة لا يمكن أبداً التخلص منها. لكنها طاقة، مثل أي طاقة، يمكن استخدامها للتدمير أو للبناء، حسب وعي النخب وقدرتها. ومشكلة العراق منذ تأسيس الدولة في العصر الحديث هي أن نخبه لم تنتبه لهذه الخاصية التوسعية التاريخية، بل خضعت لها بصورة سلبية وغير واعية، من خلال رفض مفهوم (الهوية الوطنية والامة العراقية) وتبني آيديولوجيات قومية ودينية وأممية توسعية امبراطورية تدعو للحروب والتعصب والسيطرة على دول الجوار. فليس صدفة أبداً، ان جميع القوميات العراقية تبنَّت بشكل صريح دعوة الغاء الحدود العراقية الحالية وبناء دول قومية كبرى على حساب دول الجوار: الوطن العربي الأكبر، كردستان الكبرى، الخ. كذلك الاسلاميين الشيعة والسنة، كل منهم يدعوا الى دولته الاسلامية الكبرى. ناهيك عن الشيوعيين الذين قدسوا الاممية العالمية بصورة خنوعية وتبعية كاملة لعواصمهم المقدسة، مثل موسكو وبكين والبانيا وكوبا، وهلم جرا. بالأضافة الى عقائد تقديس العنف المسلح وشن الحروب الصبيانية بأسم تحرير كردستان وفلسطين والجولان والاحواز والاسكندرونة والكويت والصومال وزنجبار، وهكذا دواليك. حتى بدى العراق في العصر الحديث وكأنه سوق شعبية كبرى لبيع وشراء العقائد والشعارات الثورية الامبراطورية العنفية والمؤامرات الداخلية والاقليمية!

آن أوان النخب العراقية أن تدرك هذه الحقيقة: إن آيديولوجيات التوسع والامبراطوريات القومية والاسلامية والاممية، هي التي جلبت كل هذه الكوارث الى بلادنا، وهي التي تخيف جيراننا الايرانيين والاتراك والسعوديين والكويتيين والسوريين والاردنيين، كذلك اسرائيل وباقي القوى الغربية، وتدفعها لعمل المستحيل من أجل التدخل في العراق وشراء ذمم قادته ونخبه وتدبير المؤامرات وتأليب بعضهم ضد البعض وتوريطهم بحروب داخلية وخارجية.

آن أوان النخب العراقية أن تجعل من (ثقافة الهوية الوطنية) محور كل برامجها وأفكارها، وبنفس الوقت تعمل على تحويل الطاقة التوسعية الخارجية العراقية الى طاقة إيجابية للتوسع السلمي الانساني الصداقي والمصالحي. لنجعل من شعار: (السلام والحوار مع اسرائيل)، و (الوحدة السلمية الديمقراطية لشعوب الشرق الاوسط) شعاراتنا الكبرى المقدسة الثابتة التي نكتبها بكل صراحة في برامجنا الحزبية ودستورنا، ونتبناها رسمياً وشعبياً ونجهد بكل صدق لتحقيقها. نعم ان سلام ووحدة الشرق الأوسط وحده فقط الكفيل بتحقيق السلام والاستقرار في بلادنا. لتكن ثقافة السلام واحترام حدود الوطن والسلم مع الجيران ثقافة سائدة في المدارس ووسائل الاعلام. وأن يصبح من العار والخيانة لأي حزب يتبني شعارات قومية ودينية توسعية تحتقر حدود الوطن وتبرر الحروب مع الجيران، كشعار (كردستان الكبرى) و (حق تقرير المصير) الذي يعني بكل بساطة وصراحة حق تقسيم العراق ودول الجوار وشن الحروب القومية الانفصالية ضدها، وبالتالي تغذية المخاوف والتوترات والأحقاد بين شعوب الشرق الأوسط!

خـاتمـة

إن الاعلان عن مقتل بن لادن، بداية استراتيجية أمريكية جديدة قائمة على دعم السلام والديمقراطية بدل العنف والحروب!

بالحقيقة ان هذا الكشف الجديد لم يبح لي به صاحبي (الحكيم الامريكي)، فكما أخبرتكم انه قد توفى منذ زمن. لكني بالأمس (بعد الاعلان عن مقتل بن لادن بيومين، في 3ـ 5ـ 2011) تلقيت هذه الرسالة ـ التقرير من أحد المقربين منه. ولطولها فقد اقتطعت منها المعلومات المهمة التالية :

كما كشف لك أخينا الراحل (H.M) في اعترافاته، بأن هنالك (تيار سلمي) في داخل فيدراليتنا الاخوية يكافح من اجل الحد من جموح التيار المتشدد المسيطر الذي يصر على فرض سياسة القمع والحرب على بلدان الشرق الاوسط بحجة مكافحة خطر القاعدة والتطرف الاسلامي، المدعوم سراً من قبل امريكا نفسها!

منذ فترة بدأ هذا التيار المتشدد الغالب على منظمتنا يفقد حججه أو ربما بدأ يتعب من سياسة التهييج والتدمير والحروب هذه. وبدأ يتقبل بالتدريج مشروعنا نحن التيار السلمي الداعي الى اتباع ستراتيجية مغايرة تعتمد تشجيع التيارات السلمية والديمقراطية في منطقتكم. ان الازمة الاقتصادية التي تعاني منها امريكا، وتنامي الخطر الصيني - الروسي، اقتصادياً وعسكرياً، كان سبباً مهماً لموافقة الغالبية في فيدراليتنا على تبني هذه السياسة السلمية الجديدة، من اجل كسب الشعوب والبلدان العربية والاسلامية وجعلها بجانب مصالحنا.

ان انتخاب (اوباما) لم يكن صدفة أبداً. ما كانت إلاّ الخطوة الاولى من اجل وضع سياسة جديدة بمسحة انسانية عالم ثالثية، اسلامية عربية. فكما تعرفون ان اوباما نصفه افريقي ومن أصول اسلامية ويحمل إسماً عربياً (باراك حسين). ان خطابه الشهير في القاهرة (6- 4- 2009) كان بمثابة الاعلان عن البدأ بسياستنا الجديدة في العالم العربي والشرق الاوسط.

نموذج بلدان المعسكر الاشتراكي السابق

ان جوهر سياستنا الجديدة، يمكن إيجازه بالعبارة التالية: تطبيق ما نجحنا بتطبيقه في بلدان اوربا الشرقية بعد نهاية الاتحاد السوفيتي. أي تحويلها الى دول ديمقراطية ليبرالية تدور في معسكرنا بصورة أو أخرى. وقد استفدنا خصوصاً من النموذج التركي، حيث هنالك حكومة يقودها اسلاميون ديمقراطيون مع عسكر متحالفين معنا وفي عضوية الحلف الاطلسي.

أي التقليل الى حد كبير من استخدام الجيوش وعمليات التدمير العنفي، والاعتماد على القوات الامنية والعمليات السرية والكسب الثقافي والشعبي. لهذا فأن النقطة المحورية التي يعتمد عليها مشروعنا، تتمثل بسحب الدعم السري عن منظمة القاعدة والحركات المسلحة الاسلامية، وتشجيع التيارات السلمية والمطالبة بالديمقراطية. بالتنسيق مع حلفائنا في الخليج والسعودية وتركيا تم التفاهم مع الاخوان المسلمين لتقبل الديمقراطية وتشجيع الميول الاسلامية الانفتاحية.

ضمان امن اسرائيل والحكومات الحليفة شرط أساسي

من المهم جداً التوضيح، بأن التيار المتشدد الغالب على منظمتنا، لم يوافق على تبني هذه السياسة الجديدة إلاّ بعد الاتفاق على توفير الضمانات التالية:

1ـ ان الانظمة الديمقراطية الجديدة هذه يجب ان توافق على السلام الدائم مع اسرائيل وإدخالها في سوق مشتركة عربية ـ شرق أوسطية. طبعاً تم الضغط على اسرائيل من قبلنا لكي توافق على التعاون أو على الاقل الصمت عن هذه التغييرات الديمقراطية الجارية في العالم العربي. فمن المعلوم ان هنالك في النخب الاسرائيلية اتجاهات عنفية متعصبة ترفض تماماً أي استقرار وسلام وديمقراطية في المنطقة، فهي تريد أن تبقى واحة الديمقراطية الوحيدة في صحراء الدكتاتورية والعنف العربي الاسلامي.

2ـ ضمان سلامة الحكومات المتحالفة معنا والداعمة لهذا المشروع، مثل العربية السعودية وإمارات الخليج والمملكة المغربية. وقد وافقنا على قمع أية محاولة من شعوب هذه البلدان بالتمرد على هذه الحكومات الحليفة، كما حصل مثلاً في البحرين. أما بالنسبة لمملكة المغرب فإننا سكتنا عن تمثيلية التفجير الذي قامت به الحكومة والذي نسب الى القاعدة، بعد أيام من المظاهرات الشعبية الكبرى.

3ـ ضمان وجود قواعد عسكرية امريكية ثابتة في بعض بلدان المنطقة لتكون قريبة من الوضع وتقف بوجه أي محاولة لأبعاد هذه الانظمة عن معسكرنا وخصوصاً بوجه أي نفوذ روسي - صيني. إننا نجهد لاقناع القادة العراقيين بالابقاء على وجودنا، وكذلك نجحنا بتأجيج الاوضاع في ليبيا بطريقة تسمح لنا بخلق وجود عسكري مقبول من قبل النظام القادم.

التخلص من القاعدة وتعاون العسكر

لقد تم اختيار (روبرت غيتس) وزيراً للدفاع، قبل وصول اوباما ببضعة أشهر ثم استمر معه، من اجل الاشراف على المهمتين التاليتين:

أولاً ـ الاشراف المباشر على التخلص من ملف القاعدة، لأن (غيتس) هو الذي يعرفه جيداً حيث أشرف شخصياً على تأسيس القاعدة بالتعاون مع بن لادن، من خلال عمله في أوائل التسعينات كمدير لوكالة المخابرات الامريكية. وقد نجح في مهمته هذه، إذ تم في العامين الاخيرين تفكيك الشبكة الرئيسية وسحب الدعم المالي والعسكري والمخابراتي الذي كنّا نقدمه لها بصورة سرية. إن تدبيرنا منذ يومين لتمثيلية مقتل (بن لادن) ماهو إلاّ اعلان عن غلق ملف القاعدة. فكما يعلم الكثيرون ان (بن لادن) ليس له أي وجود سياسي منذ سنوات عدة، وكنّا نحن نغذي الاعلام بين حين وآخر ببياناته وخطاباته المزيفة، بالتنسيق مع بعض قادة القاعدة وفضائية الجزيرة.

ثانياً - الاشراف المباشر على عملية التنسيق مع القيادات العسكرية والامنية في الدول العربية الحليفة لنا، مثل مصر وتونس واليمن من اجل المساعدة على تغيير الحكام وتقبل التغيير الديمقراطي الجماهيري.

أما الناحية السياسية والحزبية والدعائية فقد جهدنا في العامين الأخيرين من أجل التفاهم مع الكثير من قادة النخب العربية من قادة حزبيين ودينيين ومثقفين واعلاميين، بصورة مباشرة أو غير مباشرة عبر مؤسسات امريكية واوربية مختلفة، لدفعهم ودعمهم الاعلامي والسياسي والمادي للقيام بهذه النهضة الشعبية الديمقراطية في البلدان العربية والشرق أوسطية. وقد اتفقنا مع محطة الجزيرة لكي تقوم بهذه المهمة على أكمل وجه، بالاضافة الى الدعم الكبير والحاسم من قبل اعلامنا الامريكي والعالمي.

ما العلاقة بين غيتس وبانيتا وبترايوس، والقذافي وبن لادن؟

يتوجب الاعتراف، بأن تمثيلية مقتل (بن لادن) لم تكن متقنة وفيها الكثير من النواقص الاعلامية المفضوحة، بسبب الاستعجال الذي تمت به. والحقيقة إننا اضطررنا لهذه العجلة بسبب ظرف طارئ فوجئنا به. إن القذافي بعد مقتل ابنه وأحفاده في قصفنا لطرابلس (قبل يوم واحد من مقتل بن لادن)، خرج عن طوره وشرع بتنفيذ خطوة لم نكن نتوقعها: بالتعاون مع عناصر من المخابرات الباكستانية والسعودية العليمة بأسرار علاقتنا بالقاعدة، أراد الاتصال بقادة القاعدة الميدانيين الذين يجهلون تماماً ارتباط قادتهم بنا، ليعطيهم الدليل القاطع بأن (بن لادن) ليس له أي وجود حالي، وإن (الزعيم الظواهري) الذي يدَّعي انه يلتقي به، ما هو إلاّ كاذب وعميل تابع لنا. وهذا يعني بكل بساطة تمرد الفروع الميدانية وخروجها عن سيطرتنا بصورة تامة. لهذا اضطرننا للاستعجال بتنفيذ تمثيلة مقتل (بن لادن) لكي نتمكن بسرعة من غلق ملفه، مع الابقاء على إمساكنا بالخيوط الرئيسية والاستمرار بعملية تفكيكها بصورة سليمة دون خطر تمرد بعض فروعها.

لهذا فأن (غيتس) ترك منصبه بالدفاع قبل أيام من مقتل (بن لادن)، بسبب عدم قناعته بأمكانية نجاح التمثيلية. وقد حل محله (بانيتا) رئيس المخابرات المركزية، تعبيراً عن البدء بالمرحلة الجديدة القاضية بمنح الجيش الامريكي دوراً مخابراتياً يتلائم مع السياسة الجديدة. كذلك تم تعيين الجنرال (بترايوس) القائد السابق للقوات في العراق ثم في أفغانستان، رئيساً للمخابرات المركزية، لأنه يمتلك خبرة طويلة بالتعامل مع شعوب الشرق الاوسط، ثم انه سبق وأن نجح  بأمتياز بدفع جيوشه الى مزاولة النشاط المخابراتي (الشعبي والسياسي) بتأسيس الصحوات العشائرية والمحلية المناصرة للوضع القائم في البلدين.

الوضـع العراقـي

بالحقيقة ان الوضع العراقي لا زال يواجه بعض المصاعب لضمه الى مشروعنا الديمقراطي الجديد. فهنالك أطراف عديدة علينا اقناعها أو إجبارها لتتفق مع سياستنا الجديدة. والمشكلة اننا خلال السنوات السابقة قد خلقنا على أرض الواقع العراقي الكثير من المؤسسات الحزبية والميليشيات والعصابات السرية (من ضمنها القاعدة)، لكي تساهم كلها بتنفيذ مهمة واحدة: إتمام المرحلة الاخيرة من مشروع تخريب العراق، والتي بدأت منذ أعوام الثمانينات مع اقناع صدام بالحرب ضد ايران، ثم حرب الكويت وفرض الحصار، ثم الاحتلال وتدمير الدولة ونهب الثروات واطلاق الحرب الطائفية. وقد جهدت ادارتنا المتحكمة في العراق لاختيار أسوء العناصر السياسية والحزبية لتتسلم قيادات الدولة والجيش والبرلمان والاحزاب والاعلام وقيادات الاقليم الكردي. وقد ركزنا خصوصاً على مؤسسات استثمارات النفط.

هكذا خلال أعوام نجحنا بخلق طبقة عراقية واسعة تضم مختلف التيارات والاتجاهات والفئات والمرجعيات الدينية الخاضعة تماماً لنا وتتقبل سياستنا لقاء سماحنا لها بممارسة كل أنواع الفساد والسرقة والشذوذ. بل حتى قادة المعارضة بأنواعها البعثية والسنية تمكنّا من شراء ذمم الكثير منهم لكي يمارسوا دورهم التخريبي المطلوب بأسم المقاومة.

خلاصة القول لقد نجحنا بإفساد غالبية قيادات العراق ونخبه بأموال العراق نفسه، حتى أصبحوا يتنافسون بينهم مثل البغايا الرخيصة من اجل إرضائنا وتنفيذ أوامرنا. والآن نكتشف كم من الصعب علينا أن ندجن هذه القوى الفاسدة المتوحشة التي خلقناها نحن ومنحناها السلطان المطلق على شؤون العراق، وأن نقنعها بأن تغير سياستها الفاسدة القديمة وتتبنى سياستنا الاصلاحية الجديدة.




 

0 التعليقات | "اسرار الإستراتيجية الامريكية في منطقة الشرق الاوسط -- الجزء 3 -- سليم مطر"

 

إضافة تعليق

\/ More Options ...
heshamkamal
تغيير القالب...
  • [مسجل الدخول]]
  •  
  • صاحب المدونة» heshamkamal
  • مجموع التدوينات » 259
  • مجموع التعليقات » 723
تغيير القالب
  • Void « الإفتراضي
  • Lifeالطبيعة
  • Earthالأرض
  • Windالريح
  • Waterالماء
  • Fireالنار
  • Lightخفيف

الرئيسية

    الذهاب إلى رئيسية الموقع

الأرشيف

    الذهاب إلى أرشيف تدوينات الموقع مصنفة حسب الشهور

الألبومات

    ألبومات صور و ملفات الموقع حيث يمكنك معاينتها و تحميلها
.

الروابط

    الذهاب إلى تصنيفات الروابط

الإدارة

    كل ما يتعلق بإدارة المدونة