تساؤلات مشروعة حول قصة الإسراء والمعراج -- الجزء الأول -- بقلم / هشام كمال عبد الحميد

تساؤلات مشروعة حول قصة الإسراء والمعراج -- الجزء الأول -- بقلم / هشام كمال عبد الحميد

تساؤلات مشروعة حول قصة الإسراء والمعراج

 الجزء الأول

بقلم / هشام كمال عبد الحميد

 

قصة الإسراء والمعراج المروية علي لسان رسول الله صلي الله عليه وسلم بروايات الرواة بكتب السيرة النبوية وكتب الصحاح والتفسير لا تخلو من تناقضات ومليئة بالغرائب والعجائب والأشياء المنكرة والغير منطقية أو عقلية ، هذا بالإضافة إلي ما تحتويه هذه الروايات من نصوص وعقائد تخالف أشياء ثابتة بالقرآن تثير الكثير من علامات الاستفهام حول مغزى هذه الروايات وتثير الكثير من الشكوك حول تدخل الأيادي الصهيونية بعد العصر النبوي لسرد القصة بهذه التحريفات التي أدخلت عليها لتأصيل عقائد وأفكار مغلوطة في أذهان المسلمين تخالف عقائد وأمور واضحة وراسخة في القرآن وتضفي نوع من البلاهة أو عدم الفطنة علي نبي المسلمين محمد صلي الله عليه وسلم ، ولولا تدخل نبي اليهود موسي عليه السلام لإنقاذ محمد وأمته لحمل الله الأمة الإسلامية فرائض تشق عليهم دينهم ولا يمكنهم القيام بها بسهولة ، ومن هذا المنطلق نجد هذه الروايات تسيء للخالق سبحانه وتعالي بصورة غير مباشرة فتصوره في صورة الخالق القاسي غير الرحيم الذي يفرض علي عباده فروضاً يعلم مسبقاً أنها فوق قدراتهم وطاقاتهم ، ولم تغفل هذه الروايات أن تصور الخالق بالصورة التي رسمها له فسقة وعصاة وكفرة بني إسرائيل في بعض نصوص توراتهم المحرفة فوضعوا بهذه الروايات ما يوشي بأن الله يخطئ في قراراته وأحكامه ثم يتراجع عنها بعد أن يظهر له خطأوه عند مراجعة البشر أو رسله أو ملائكته له وهي العقيدة المشهورة عندهم بقضية البداء أي أن الله يبدو له شيء فيصدر بشأنه حكماً ثم يبدو له عدم صلاحيته فيتراجع عنه وينسخه بحكم آخر ، تعالي الخالق سبحانه وتعالي عما يصفون علواً كبيراً.

فهذه الروايات لا تعدو كونها إسرائيليات تكيد بالإسلام ، واندست هذه الروايات في الإسلام من خلال الرواة في عصور الخلافة الإسلامية عن عمد من بعض الرواة المأجورين من اليهود وأعداء الإسلام أو عن جهل وعدم تدبر وتفكر في معانيها وأهدافها من البعض الآخر ومن أصحاب كتب الصحاح والسيرة النبوية والتاريخ الإسلامي ، ومع تكرار تداولها وإصرار بعد علماء المسلمين علي صحتها بدأ المسلمون يضفون علي هذه الروايات نوع من القداسة والتعظيم حتى أصبحت من المعلوم من الدين بالضرورة ومن العقائد الثابتة في القرآن .

وقبل التعليق علي الأمور المثارة حول هذه الروايات نورد أولاً بعضاً من هذه الروايات الواردة بالبخاري ومسلم  :

 فقد أورد البخاري في صحيحه الحديث الذي رواه سليمان عن شريك بن عبد الله، أنه قال: «سمعت ابن مالك يقول ليلة أسري برسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مسجد الكعبة: أنه جاءه ثلاثة نفر - قبل أن يوحى إليه - وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ فقال أوسطهم: هو خيرهم، فقال أحدهم: خذوا خيرهم، فكانت تلك الليلة، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه، وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم، فتولاه منهم جبريل، فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه، فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه، ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب، محشوا إيمانا وحكمة، فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه، ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء: من هذا؟ فقال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: معي محمد، قال: وقد بعث؟ قال: نعم، قالوا: فمرحبا به وأهلا، فيستبشر به أهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، فوجد في السماء الدنيا آدم، فقال له جبريل: هذا أبوك فسلم عليه، فسلم عليه ورد عليه آدم، وقال: مرحبا وأهلا يا بني، نعم الابن أنت، فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان، فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟ قال: هذان النيل والفرات عنصرهما، ثم مضى به في السماء، فإذا بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، فضرب يده فإذا هو مسك أذفر، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك، ثم عرج إلى السماء الثانية، فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الأولى، من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبا به وأهلا، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، وقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية، ثم عرج به إلى الرابعة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء الخامسة، فقالوا مثل ذلك، ثم عرج به إلى السادسة، فقالوا له مثل ذلك، ثم عرج به إلى السماء السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء قد سماهم، فوعيت منهم إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بفضل كلامه لله، فقال موسى: رب، لم أظن أن ترفع على أحدا، ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله، حتى جاء سدرة المنتهى، ودنا الجبار رب العزة فتدلى، حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى، فأوحى الله فيما أوحى خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة، ثم هبط حتى بلغ موسى، فاحتبسه موسى، فقال يا محمد: ماذا عهد إليك ربك؟ قال: عهد إلى خمسين صلاة كل يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع ذلك، فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم، فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك، فأشار إليه جبريل أن نعم، إن شئت، فعلا به إلى الجبار، فقال وهو مكانه: يارب خفف عنا، فإن أمتي لا تستطيع هذا، فوضع عنه عشر صلوات، ثم رجع إلى موسى فاحتبسه، فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات، ثم احتبسه موسى عند الخمس، فقال: يا محمد، والله لقد راودت بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه، فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا، فارجع فليخفف عنك ربك، كل ذلك يلتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل، فرفعه عند الخامسة، فقال: يارب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبدانهم فخفف عنا، فقال الجبار: يا محمد، قال: لبيك وسعديك، قال: إنه لا يبدل القول لدي، كما فرضت عليك في أم الكتاب، قال: فكل حسنة بعشر أمثالها، فهي خمسون في أم الكتاب، وهي خمس عليك، فرجع إلى موسى، فقال: كيف فعلت؟ فقال: خفف عنا، أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها، فقال موسى: قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه، ارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا موسى قد والله استحييت من ربي مما اختلفت إليه، قال: فاهبط باسم الله، قال: واستيقظ وهو في مسجد الحرام» صحيح البخاري (بشرح فتح الباري)، كتاب: التوحيد، باب: ما جاء في قوله عز وجل: ) وكلم الله موسى تكليما (، (13/ 486)، رقم (7517).

 وروي مسلم في صحيحه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أ تيت بالبراق، وهو دابة، أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل، يضع حافره عند منتهى طرفه، قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل - عليه السلام - بإناء من خمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل عليه السلام: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل - عليه السلام - فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى ابن مريم ويحيى بن زكرياء - صلوات الله عليهما، فرحبا ودعوا لي بخير، ثم عرج بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف - صلى الله عليه وسلم - إذا هو قد أعطي شطر الحسن، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل - عليه السلام - قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قال: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، قال: ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب ودعا لي بخير، قال الله عز وجل: )ورفعناه مكانا عليا (57)( (مريم)، ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون - صلى الله عليه وسلم - فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل عليه السلام، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى - صلى الله عليه وسلم - فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد - صلى الله عليه وسلم - قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بإبراهيم - صلى الله عليه وسلم - مسندا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى، وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى الله إلى ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف؛ فإن أمتك لا يطيقون ذلك؛ فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يارب خفف على أمتي، فحط عني خمسا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسا، قال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي - تبارك وتعالى - وبين موسى - عليه السلام - حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب شيئا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت حتى انتهيت إلى موسى - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه»

صحيح مسلم (بشرح النووي)، كتاب: الإيمان، باب: الإسراء برسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السماوات وفرض الصلوات، (2/ 602)، رقم (404).

وأخطر وأهم هذه الأسئلة المثارة حول روايات قصة الإسراء والمعراج ما يلي :

أولاً : إقرار القصة أن الصلاة لم تفرض علي المسلمين إلا في ليلة الإسراء والمعراج بالمخالفة لما جاء بالقرآن في شأن الصلاة ، فالمشهور عن حادثة الإسراء والمعراج أنها وقعت في السنة السابقة للهجرة مباشرة وأختلف في تعين هذه السنة علي أقوال كثيرة أشهرها وقوعها سنة 10 أو 12 أو 13 من تاريخ النبوة ( أي تاريخ البعثة بنزول جبريل والقرآن علي محمد صلي الله عليه وسلم ) .

وإذا راجعنا القرآن فسنجد أن فرض الصلاة تم في الأيام الأولي من البعثة في السور والآيات القرآنية التي نزلت علي محمد في بداية الدعوة .

فمن المعروف أن سورة اقرأ (العلق) وسورتي المدثر والمزمل من أوائل السور التي أنزلت علي النبي في بداية الوحي ، وسياق الآيات في هذه السور والموضوعات والأحداث المذكورة بها تؤكد ذلك ، وسنجد بهذه السور وغيرها من السور المكية التي نزلت قبل حادثة الإسراء والمعراج ما يؤكد فرض الصلاة والزكاة علي النبي والمؤمنين معه في بداية البعثة . 

قال تعالي :

إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل:20) .

 فسورة المزمل من السور المكية وهي من أوائل ما نزل من القرآن ، وسنعلم من الآية السابقة أن النبي والذين معه كانوا يصلون بالليل ، وفي ختام الآية أمرهم الله بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ، وهو نص صريح بفرض الصلاة المفروضة حالياً علي النبي والمسلمون في هذه الليلة التي نزلت بها هذه الآية وهي من الليالي الأولي للبعثة كما يتضح من سورة المزمل .

وإذا راجعنا القرآن فسنجد بالسور المكية التي نزلت بمكة قبل الهجرة وقبل حادثة الإسراء والمعراج آيات كثيرة تقر فرض الصلاة علي المسلمين .

ولهروب المولعين والمؤمنين بصحة الروايات المروية بكتب السيرة والصحاح من هذه الإشكالية زعموا بناء علي أحاديث أخري أيضاً أن الصلاة في بداية الدعوة كانت قيام ليل فقط وقال آخرون كانت الصلوات المفروضة بالغداة والعشي فقط ركعتين في كل صلاة زيدت لأربعة ركعات وخمس صلوات ليلة الإسراء والمعراج وقال غيرهم أقوال أخري تدل جميعها علي التخبط والتضارب في المسالة وكل منهم يستند علي رواية أو حديث مشكوك في صحتهما ولا يقدم أياً منهم لنا حجة من القرآن ، فما جاء بالقرآن واضح وصريح ولا لبس فيه فلم يحدد القرآن في أي آية عدد ركعات الصلاة أو عدد الصلوات المفروضة بصورة صريحة ولكنه تحدث عن الصلاة بصورة عامة وفرضها علي النبي والمسلمين في بداية الدعوة ، ولكن المولعين بهذه الروايات لا يهتمون بالقرآن قدر اهتمامهم بهذه الروايات والأحاديث الضعيف أو موضوع الكثير منها ، ودائماً ما يلجأون للتلفيق أو ما يسمي عندهم التوفيق بينها ويخرجون بنتائج مخالفة تماماً لصريح آيات القرآن ، وليتهم أراحوا أنفسهم وأراحونا وركزوا جهدهم علي التحقق من متن وسند هذه الأحاديث قبل الأخذ بها .

ومن الأحاديث والأقوال التي يستندون عليها في هذا الشأن نذكر الآتي :

روى البخاري (522) ومسلم (611) عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا وَهُوَ بِالْكُوفَةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ أَبُو مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ : مَا هَذَا يَا مُغِيرَةُ ؟ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ فَصَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ صَلَّى فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : ( بِهَذَا أُمِرْت ) فَقَالَ عُمَرُ لِعُرْوَةَ : انْظُرْ مَا تُحَدِّثُ يَا عُرْوَةُ ؟ أَوَ إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَام هُوَ أَقَامَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقْتَ الصَّلَاةِ ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ : كَذَلِكَ كَانَ بَشِيرُ بْنُ أَبِي مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ .

روى النسائي (526) عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ : جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ زَالَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ : قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الظُّهْرَ حِينَ مَالَتْ الشَّمْسُ . ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا كَانَ فَيْءُ الرَّجُلِ مِثْلَهُ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ فَقَالَ : قُمْ يَا مُحَمَّدُ فَصَلِّ الْعَصْرَ . ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ جَاءَهُ فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْمَغْرِبَ . فَقَامَ فَصَلَّاهَا حِينَ غَابَتْ الشَّمْسُ سَوَاءً ، ثُمَّ مَكَثَ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ الشَّفَقُ جَاءَهُ فَقَالَ : قُمْ فَصَلِّ الْعِشَاءَ . فَقَامَ فَصَلَّاهَا … الحديث ، وفيه : فَقَالَ – يعني جبريل - : ( مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ كُلُّهُ ) . وصححه الألباني في " صحيح النسائي" .

وروى عبد الرزاق في "مصنفه" ( 1773) وابن إسحاق في سيرته ، كما في فتح الباري (2 / 285 ) أن ذلك كان صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة .

قال القرطبي : ولم يختلفوا في أن جبريل عليه السلام هبط صبيحة ليلة الإسراء عند الزوال فعلم النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ومواقيتها " انتهى ملخصا .

وجاء بكتاب "شرح العمدة" (4 / 148) :- وكان أول فرض الصلوات الخمس ركعتان ، ثم بعد الهجرة أقرت في السفر ، وزيدت في الحضر ركعتين ، إلا المغرب فعلى حالها . فروى البخاري (3935) ومسلم (685) عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : ( فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا ، وَتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الْأُولَى ) .

وجاء في "الموسوعة الفقهية" (27 / 52-53) : " أَصْل وُجُوبِ الصَّلاَةِ كَانَ فِي مَكَّةَ فِي أَوَّل الإْسْلاَمِ ؛ لِوُجُودِ الآْيَاتِ الْمَكِّيَّةِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي بِدَايَةِ الرِّسَالَةِ تَحُثُّ عَلَيْهَا . وَأَمَّا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ بِالصُّورَةِ الْمَعْهُودَةِ فَإِنَّهَا فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإْسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ " انتهى .

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح : " ذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَبْل الْإِسْرَاء صَلَاة مَفْرُوضَة إِلَّا مَا كَانَ وَقَعَ الْأَمْر بِهِ مِنْ صَلَاة اللَّيْل مِنْ غَيْر تَحْدِيد , وَذَهَبَ الْحَرْبِيُّ إِلَى أَنَّ الصَّلَاة كَانَتْ مَفْرُوضَة رَكْعَتَيْنِ بِالْغَدَاةِ وَرَكْعَتَيْنِ بِالْعَشِيِّ , وَذَكَرَ الشَّافِعِيّ عَنْ بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ صَلَاة اللَّيْل كَانَتْ مَفْرُوضَة ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ ) فَصَارَ الْفَرْض قِيَام بَعْض اللَّيْل , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالصَّلَوَاتِ الْخَمْس " انتهى .

وقال أيضا : " كَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل الْإِسْرَاء يُصَلِّي قَطْعًا , وَكَذَلِكَ أَصْحَابه لَكِنْ اُخْتُلِفَ هَلْ اُفْتُرِضَ قَبْل الْخَمْس شَيْء مِنْ الصَّلَاة أَمْ لَا ؟ فقيل : إِنَّ الْفَرْض أَوَّلًا كَانَ صَلَاة قَبْل طُلُوع الشَّمْس وَصَلَاة قَبْل غُرُوبهَا , وَالْحُجَّة فِيهِ قَوْله تَعَالَى ( وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا ) وَنَحْوهَا مِنْ الْآيَات " انتهى بتصرف يسير .

هل شاهدتم كيف تسببت هذه الروايات في إثارة الكثير من الشكوك واللغط حول ركن هام من أركان الإسلام وهو الصلاة ، فاختُلف في موعد فرضها وكيفية فرضها وعدد ركعاتها ومواقيت الصلاة في اليوم وعددها في بداية الدعوة وهل تم نسخ صلاة الليل أم لا ………الخ .

هذا بخلاف الأمور التي ما زالت مثارة حول حادثة الإسراء والمعراج في ذاتها وهل كانت بالروح أم بالروح والجسد معاً ، وهناك من ينفي الحادثة بالكلية ويؤكد أن العبد الذي أسري به من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى والوارد ذكره في أول سورة الإسراء هو موسي عليه السلام وليس محمد فحادثة الإسراء المذكورة في سورة الإسراء خاصة بمسري موسي من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصى بعد أن أتم الحجة العاشرة بالبيت الحرام وفاء للدين الذي قطعه علي نفسه للنبي شعيب بأرض مدين بالحجاز كمهر لزواجه من أبنته ، حيث تقص هذه الآيات اللقاء الأول لموسي بربه عند الجبل الذي تجلي عليه بأرض الجزيرة العربية أثناء عودته من مكة إلي مصر طبقاً لما جاء بكتب ومقالات هؤلاء الباحثين ، ولا مجال للخوض فيما جاء بهذه الأبحاث هنا فهي أمور معقدة ويطول شرحها وسوف نتعرض لها في بحث آخر علي هذه المدونة إن شاء الله .

ثانياً : أخطر ما في هذه الروايات ما جاء بها من قيام الخالق بفرض خمسين صلاة علي أمة محمد في اليوم وعندما علم موسي بذلك من محمد بعد عودته من لقاء ربه تناقش معه في هذه المسالة وطلب منه العودة لربه ومراجعته في هذا الأمر ، فعاد محمد لربه وراجعه في هذا الشأن فخفف له الصلاة بحذف عشرة منها لتصبح أربعين في اليوم ، ورجع لموسي وأخبره بما حدث فطالب منه العودة مرة أخري لربه لتخفيف الصلاة عن أمته فرجع محمد لله وراجعه في الأمر فأسقط عن أمته عشرة أخري لتصبح الصلاة المفروضة ثلاثين صلاة في اليوم ، وظل محمد متردداً بين موسي والخالق حتى وصلت الصلاة إلي خمس في اليوم فلم يعجب موسي الأمر أيضاً وطلب من محمد العودة لربه مرة أخري فاستحي النبي وأكتفي بهذه العملية من الضغط والمفاوضات والفصال والمساومات بينه وبين الخالق سبحانه وتعالي .

فأي إله وأي موسي وأي محمد المذكورين في هذه الروايات ؟ .

بالقطع الإله المذكور في هذه الروايات هو الإله الصهيوني الذي وصفه اليهود بالبداء وليس الله الذي نعرفه الذي أكد في أكثر من موضع بالقرآن أنه لا يراجع ولا راد لحكمه وإذا قضي أمراً كان مفعولاً وإذا قضي بحكم لا يرده وأنه ليس بظلام للعبيد ولا يكلف شخص أو أمة إلا علي قدر استطاعتهم وطاقاتهم .

قال تعالي :

·  مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (قّ:29)

·   وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً (الأحزاب:36)

·  وَلا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (المؤمنون:62)

أما النبي محمد وموسي عليهما الصلاة والسلام فهما بريئان مما نسب إليهما في هذه الروايات المكذوبة ، فما كان لأحدهم أن يجرأ علي مراجعة ومساومة وفصال الخالق سبحانه وتعالي فيما قضي وأمر به وكأنهم يساومون ويفاصلون بقال أو تاجر مستغل طبقاً لما جاء بوصف الخالق في هذه الروايات تعالي عما يصفون علواً كبيراً .

وطبعاً الرواية تؤكد أنه لولا موسي نبي اليهود في هذه الرواية لدبس الله محمد وأمته في خمسين صلاة ، فالفضل في تخفيضهم إلي خمس صلوات يرجع إلي اليهود أو نبي اليهود كما تلغز بذلك هذه الرواية المشمومة ؟؟؟.

ولم تغفل الرواية التقليل من شأن الخالق ومكانته أو عرشه في السماء والذي لا يستطيع أي مخلوق بشري أن يصل إليه بكل سهولة ، فجاء بهذه الروايات أن محمد كان يصعد لعرش الله وينزل منه بمنتهي البساطة وكأن عرش الخالق فوق سطح بيته ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ .

لمتابعة باقي المقال أقرأ الجزء الثاني :

يتبع الجزء الثاني علي الرابط التالي :

http://heshamkamal.3abber.com/post/132755



التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل