أسرار الأقدار الإلهية في قصة موسي والخضر -- هشام كمال عبد الحميد

أسرار الأقدار الإلهية في قصة موسى والخضر

هل الخضر هو الملاك القدر أو كان تجسيداً للقدر الإلهي في صورة بشرية أو بشر منظر مسئول عن الأقدار الإلهية بالأرض؟؟؟؟؟

 

هشام كمال عبد الحميد

 


قال تعالى:

وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً (60) فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَباً (62) قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً (64) فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً (66) قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً (70) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (73) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَاماً فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً (74) قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْراً (75) قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً (76) فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً (77) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحاً فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً (82) (الكهف)

من الآيات السابقة يتلاحظ لنا أن القرآن الكريم لم يحدد لنا الطلب السبب الذي من أجله ذهب موسي لمقابلة هذا العبد الصالح، ولم يحدد المكان الذي وقعت فيه هذه الحوادث، كما أنه لم يصرح باسم هذا العبد. ولم يبين ماهيته، هل هو نبي أو رسول؟ أم عالم؟ أم ولي؟ أم ملاك؟.

والذي يمكن أن نستنبطه من الآيات السابقة الواردة بسورة الكهف وهي سورة الأسرار في القرآن وسورة تقي من فتن وشر الدجال ومعظم قصصها مرتبط بالدجال علي ما شرحت بكتاب "أسرار سورة الكهف"، هو الآتي:

أن موسي طلب من الله شيئ معين فأمره الله بالذهاب لموقع صخرة أو جزيرة في بحر عندها مجمع بحرين، وعند هذه الصخرة أو الجزيرة سيرسل له الله عبد من عباده آتاه رحمة وعلمه علماً لم يعلمه لأحد من البشر، وتصرفات هذا العبد معه ستفسر له سر رحمة الله في كثير من المواقف التي تحصل لعباده فيعتقدوا أنها شر من الله لهم ثم تثبت لهم الأيام بعد ذلك أنها كانت تحمل لهم الكثير من الخير وليس الشر.

إذن موسي طلب من الله أن يوضح له كيف يقع بالناس أمراً يرونه شر في بعض الأحيان ويحمل هذا الشر لهم في المستقبل خير كثير، فهنا أمره الله بالذهاب لهذا العبد ليري بعينه بعضاً من هذه الأمور ثم يفسر له هذا العبد سرها بعد ذلك، أي يعطيه أسرار المقادير الإلهية مع البشر. وأمره أن يكون صبوراً معه لأنه قد لا يتحمل كثيراً من تصرفاته.

فعزم موسي على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة، ومهما يكن الزمن الذي يستغرقه في الوصول إليه ولو كلفه ذلك السفر في البحر حقباً، أي أزمنة طويلة يمضيها سيراً في البحر.

واختلف المفسرون في تحديد المكان الذي التقي فيه بهذا العبد الصالح، فقيل إنه بحر فارس والروم، وقيل بل بحر الأردن أو القلزم، وقيل عند طنجة، وقيل في أفريقيا، وقيل هو بحر الأندلس.. ولا يوجد أي دليل على صحة مكان من هذه الأمكنة.

ولا يهمنا تحديد المكان في شيئ ولنركز في تفاصيل القصة التي ركز عليها القرآن لنخرج منها بالحكم والمواعظ والأسرار الإلهية التي يكشفها الله لنا من خلال هذه القصة.

إن القصة تتعلق بعِل‍م ليس هو علمنا القائم على الأسباب. وليس هو علم الأنبياء القائم على الوحي. إنما نحن أمام علم من طبيعة غامضة أشد الغموض.. علم القدر الأعلى، وذلك علم أسدلت عليه الأستار الكثيفة.

لقد خص الله تعالى نبيه الكريم موسى عليه السلام بأمور كثيرة، فهو كليم الله عز وجل، وأحد أولي العزم من الرسل، وصاحب معجزة العصا واليد، وصاحب الضربات العشر التي ضرب الله بها فرعون وقومه، والنبي الذي أنزلت عليه التوراة دون واسطة لأن الله كلمه الله تكليما.

هذا النبي العظيم يتحول في القصة إلى طالب علم متواضع يحتمل أستاذه ليتعلم. ومن يكون معلمه غير هذا العبد الذي يتجاوز السياق القرآني اسمه، وإن حدثتنا السنة المطهرة أنه هو الخضر عليه السلام كما حدثتنا أن الفتى هو يوشع بن نون، ويسير موسى مع العبد الذي يتلقى علمه من الله بغير أسباب التلقي الني نعرفها.

ومع منزلة موسى العظيمة إلا أن الخضر يرفض صحبة موسى. ويفهمه أنه لن يستطيع معه صبرا. ثم يوافق على صحبته بشرط.. ألا يسأله موسى عن شيء حتى يحدثه الخضر عن حكمته.

والخضر هو الصمت المبهم ذاته، إنه لا يتحدث، وتصرفاته تثير دهشة موسى العميقة. أن هناك تصرفات يأتيها الخضر وترتفع أمام عيني موسى حتى لتصل إلى مرتبة الجرائم والكوارث. وهناك تصرفات تبدو لموسى بلا معنى. وتثير تصرفات الخضر دهشة موسى ومعارضته. ورغم علم موسى ومرتبته فإنه يجد نفسه في حيرة عميقة من تصرفات هذا العبد الذي آتاه الله من لدنه علما.

وقد اختلف العلماء في الخضر: فالصوفية وكثير غيرهم اعتبروه وليا من أولياء الله، وفيهم من اعتبره نبيا. وقد نسجت الأساطير نفسها حول حياته ووجوده، فقيل إنه لا يزال حيا إلى يوم القيامة، وهي قضية لم ترد بها نصوص أو آثار يوثق فيها، ولننظر في قصته كما أوردها القرآن الكريم.

والآن من يكون صاحب هذا العلم إذن..؟ أهو ولي أم نبي أم ملاك ..؟

يرى كثير من الصوفية أن هذا العبد الرباني ولي من أولياء الله تعالى أطلعه الله على جزء من علمه اللدني بغير أسباب انتقال العلم المعروفة.. ويرى آخرون أن هذا العبد الصالح كان نبيا.. واحتج أصحاب هذا الرأي بأن سياق القصة يدل على نبوته من قوله لموسي في نهاية القصة وما فعلته عن أمري أي كل ما فعلته كان بوحي إلهي، وأيضاً من قوله تعالي وعلمناه من لدنا علماً.

وأرى أن اسم الخضر الذي ورد في الروايات الإسلامية قد يحل بعض ألغاز شخصية الخضر، فحرف الخاء يتبادل مع الكاف والكاف تتبادل مع القاف، وحرف الضاد يتبادل مع الدال، فاسم خالد يكتب وينطق في الإنجليزية كالد (kaled) لعدم وجود حرف الخاء عندهم وتبادل حرف الخاء مع الكاف، واسم ضياء يكتب وينطق عندهم دياء (dyaa  أو diaa) لعدم وجود حرف الضاد وتبادل الضاد مع الدال وهكذا.

وعلي ذلك يمكن نطق اسمه الكدر أو القدر، وينطق اسمه في الإنجليزية ( alkedr الكدر – القدر). فهل هي لفظٌة آخري لكلمة القدر في لغة أخرى ونقلت إلي العربية بهذه اللفظة بعد دخول حروف التبادل اللغوي إليها؟؟؟؟.

هل الخضر هو الملاك القدر أو رجل الأقدار الإلهية أرسله الله لموسي ليعلمه شيئاً من حكم وخبايا وأسرار المشيئة والقدر الإلهي، ومن ثم فإن موسي كان علي موعد مع الأقدار أو القدر الإلهي؟؟؟؟، وبالتالي فما قيل عن اغترار وفتنة موسي في علمه عندما قال أنه أعلم الناس علي وجه الأرض طبقاً لما جاء بالروايات الإسلامية فهو مجرد افتراءات عليه وقصص خرافية مثل الكثير من القصص والإسرائيليات التي تمتلئ بها كتب التفسير والروايات؟؟؟؟؟.

هذا ما أرجحه.

ولنعد الآن لما تقوله الروايات التي يدرجها المفسرون في كتبهم حول هذه القصة (وسنذكرها بدون تعليق منا فهي روايات عليها كثير من الملاحظات ولكن سنركز في المضمون حتي لا نضيع وقتنا في هذه التفصيلات الغير هامة):

أن موسي قام خطيبا في بني إسرائيل يدعوهم إلى الله ويحدثهم عن الحق، ويبدو أن حديثه جاء جامعا مانعا رائعا.. وبعد أن انتهى من خطابه سأله أحد المستمعين من بني إسرائيل: هل على وجه الأرض أحد اعلم منك يا نبي الله؟

قال موسى مندفعا: لا..وساق الله تعالى عتابه لموسى حين لم يَرُد‍َّ العلم إليه، فبعث إليه جبريل يسأله: يا موسى ما يدريك أين يضع الله علمه؟

أدرك موسى أنه تسرع.. وعاد جبريل، عليه السلام، يقول له: إن لله عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك.

تاقت نفس موسى الكريمة إلى زيادة العلم، وانعقدت نيته على الرحيل لمصاحبة هذا العبد العالم، سأل كيف السبيل إليه فأمر أن يرحل، وأن يحمل معه حوتا  في مكتل، أي سمكة كبيرة في سلة، وفي المكان الذي يضيع فيه الحوت منه ويتسرب في البحر سيجد العبد الصالح الأعلم منه.

انطلق موسى -طالب العلم- ومعه فتاه.. وقد حمل الفتى حوتا في سلة. انطلقا بحثا عن العبد الصالح العالم. وليست لديهم أي علامة على المكان الذي يوجد فيه إلا معجزة ارتداد الحياة للسمكة القابعة في السلة وقفزها في البحر.

ويظهر عزم موسى عليه السلام على العثور على هذا العبد العالم ولو اضطره الأمر إلى أن يسير أحقابا وأحقابا. قيل أن الحقب عام، وقيل ثمانون عاما. على أية حال فهو تعبير عن التصميم لا عن المدة على وجه التحديد.

وصل موسي وفتاه إلى صخرة جوار البحر. رقد موسى واستسلم للنعاس وبقي الفتى ساهرا. وألقت الرياح إحدى الأمواج على الشاطئ فأصابت الحوت وجذبته الأمواج معها إلى البحر. (فاتخذ سبيله في البحر سربا).. وكان تسرب الحوت إلى البحر علامة أعلم الله بها موسى لتحديد مكان لقائه بالرجل الحكيم الذي جاء موسى يتعلم منه.

نهض موسى من نومه فلم يلاحظ أن الحوت تسرب إلى البحر. ونسي فتاه الذي يصحبه أن يحدثه عما وقع للحوت. وسار موسى مع فتاه بقية يومهما وليلتهما وقد نسيا حوتهما.. ثم تذكر موسى غداءه وحل عليه التعب. (قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا). ولمع في ذهن الفتى ما وقع.

عند ذلك تذكر الفتى كيف تسرب الحوت إلى البحر هناك. وأخبر موسى بما وقع، واعتذر إليه بأن الشيطان أنساه أن يذكر له ما وقع، رغم غرابة ما وقع، فقد اتخذ الحوت (سبيله في البحر عجبا).. كان أمرا عجيبا ما رآه يوشع بن نون، لقد رأى الحوت يشق الماء فيترك علامة وكأنه طير يتلوى على الرمال.

سعد موسى من مروق الحوت إلى البحر و(قال ذلك ما كنا نبغ).. أي هذا هو المكان الذي كنا نريده.. إن تسرب الحوت يحدد المكان الذي سنلتقي فيه بالرجل العالم.. ويرتد موسى وفتاه يقصان أثرهما عائدين.. وأخيرا وصل موسى إلى المكان الذي تسرب منه الحوت.. وصلا إلى الصخرة التي ناما عندها، وتسرب عندها الحوت من السلة إلى البحر.. وهناك وجدا رجلا.

وهنا لنا ملاحظة علي ما قاله المفسرون حول قصة هروب الحوت بالبحربعد أن أحياه الله لأنه  كان حوت مشوي حسب قولهم، والملاحظة أن كلمة الحوت كانت تطلق عند بعض شعوب الشرق الأدنى القديم علي السفينة الكبيرة وعلي السمكة الكبيرة أيضا كالقرش والدولفين والحوت، وسياق القصة في القرآن يمكن أن يحمل كلمة الحوت علي المعنيين.

فإذا اعتبرنا الحوت هو السمكة فهذا منسجم مع طلب موسي من فتاه أن يأتيه بغدائهما فكان رد فتاه أنه نسي الحوت واتخذ الحوت طريقه في البحر عجباً وسرباً، لأنه كان حوت حي وليس مشوي وضعه موسي في حوض كبير به ماء بالسفينة، وعندما وصلوا للصخرة قفز الحوت من الحوض للماء أثناء فترة نوم موسي واتخذ سبيله في البحر سرباً ، وأنسي الشيطان فتاه أن يخبره بما حدث للحوت، ثم تجولوا بالجزيرة التي بها الصخرة، ولما أرهقهم الجوع والتعب طلب موسي الغذاء من فتاه.

كما يمكن أن نحمل القصة علي أن الحوت السفينة وكان بها الطعام والشراب الذي سيأكلوا ويشربوا منه، وعندما وصلوا للصخرة أنسي الشيطان فتاه أن يربط السفينة بالصخرة فاتخذت السفينة طريقها في البحر وضلت عنهم، وبعد تجولهم في الجزيرة طلب موسي الغذاء فتذكر فتاه أنه لم يربطها وبالتالي فلا بد أنها سارت في البحر وضاعت منهم، فارتدوا علي آثار أقدامهما برمال الجزيرة ليعودوا للمكان الذي تركوا عنده السفينة لأنه المكان الذي سيلتقون عنده بالخضر. وهذا هو التفسير الأقرب من وجهة نظري.

يقول البخاري إن موسى وفتاه وجدا الخضر مسجى بثوبه.. وقد جعل طرفه تحت رجليه وطرف تحت رأسه.

فسلم عليه موسى، فكشف عن وجهه وقال: هل بأرضك سلام..؟ من أنت؟

قال موسى: أنا موسى.  قال الخضر: موسى بني إسرائيل. وعليك السلام يا نبي إسرائيل.

قال موسى: وما أدراك بي.؟   قال الخضر: الذي أدراك بي ودلك علي.. ماذا تريد يا موسى..؟

قال موسى ملاطفا مبالغا في التوقير: (هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا).

قال الخضر: أما يكفيك أن التوراة بيديك.. وإن الوحي يأتيك..؟ يا موسى (إنك لن تستطيع معي صبرا).

يقول المفسرون إن الخضر قال لموسى: إن علمي أنت تجهله.. ولن تطيق عليه صبرا، لأن الظواهر التي ستحكم بها على علمي لن تشفي قلبك ولن تعطيك تفسيرا، وربما رأيت في تصرفاتي ما لا تفهم له سببا أو تدري له علة.. وإذن لن تصبر على علمي يا موسى.

احتمل موسى كلمات الصد القاسية من الخضر وعاد يرجوه أن يسمح له بمصاحبته والتعلم منه.. وقال له موسى فيما قال إنه سيجده إن شاء الله صابرا ولا يعصي له أمرا.

تأمل كيف يتواضع كليم الله ويؤكد للعبد المدثر بالخفاء أنه لن يعصي له أمرا.

قال الخضر لموسى -عليهما السلام- إن هناك شرطا يشترطه لقبول أن يصاحبه موسى ويتعلم منه هو ألا يسأله عن شيء حتى يحدثه هو عنه.. فوافق موسى على الشرط وانطلقا..

انطلق موسى مع الخضر يسيران على ساحل البحر.. مرت سفينة، فطلب الخضر وموسى من أصحابها أن يحملوهما، وعرف أصحاب السفينة الخضر فحملوه وحملوا موسى بدون أجر إكراما للخضر، وفوجئ أثناء تواجدهم بالسفينة أن الخضر اقتلع لوحا من ألواحها وألقاه في البحر فحملته الأمواج بعيدا.

استنكر موسى فعلة الخضر. لقد حملنا أصحاب السفينة بغير أجر.. أكرمونا.. وها هو ذا يخرق سفينتهم ويفسدها.. كان التصرف من وجهة نظر موسى معيبا.. وغلبت طبيعة موسى المندفعة عليه، كما حركته غيرته على الحق، فاندفع يحدث أستاذه ومعلمه وقد نسي شرطه الذي اشترطه عليه: (قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا).

وهنا يلفت العبد الرباني نظر موسى إلى عبث محاولة التعلم منه لأنه لن يستطيع الصبر عليه (قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا)، ويعتذر موسى بالنسيان ويرجوه ألا يؤاخذه وألا يرهقه (قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا).

سارا معا فمرا على حديقة يلعب فيها الصبيان.. حتى إذا تعبوا من اللعب انتحى كل واحد منهم ناحية واستسلم للنعاس.. فوجئ موسى بأن العبد الرباني يأخذ غلاماً منهم ويقوم بقتله .. ويثور موسى سائلا عن الجريمة التي ارتكبها هذا الصبي ليقتله هكذا.. يعاود العبد الرباني تذكيره بأنه أفهمه أنه لن يستطيع الصبر عليه (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا).. ويعتذر موسى له للمرة الثانية ويعده أنه لن ينسي ولن يعاود الأسئلة وإذا سأله مرة أخرى سيكون من حقه أن يفارقه (قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا).

ومضى موسى مع الخضر.. فدخلا قرية أهلها يغلب عليهم الشح والبخل .. لا يعرف موسى لماذا ذهبا إلى القرية ولا يعرف لماذا يبيتان فيها، نفذ ما معهما من الطعام، فاستطعما أهل القرية فأبوا أن يضيفوهما.. وجاء عليهما المساء وأوى الاثنان إلى خلاء فيه جدار يريد أن ينقض.. جدار يتهاوى ويكاد يهم بالسقوط.. وفوجئ موسى بأن الرجل العابد ينهض ليقضي الليل كله في إصلاح الجدار وبنائه من جديد.. ويندهش موسى من تصرف رفيقه ومعلمه، إن القرية بخيلة لا يستحق من فيها هذا العمل المجاني (قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا).. انتهى الأمر بهذه العبارة.. قال عبد الله لموسى: (هذا فراق بيني وبينك).

لقد حذر العبد الرباني موسى من مغبة السؤال. وجاء دور التفسير الآن..

أن كل تصرفات العبد الرباني التي أثارت موسى وحيرته لم يكن حين فعلها تصدر عن أمره.. كان ينفذ إرادة إلهية عليا.. وكانت لهذه الإرادة العليا حكمتها الخافية، وكانت التصرفات تشي بالقسوة الظاهرة أو الشر تخفي في جوهرها وحقيقتها رحمة ربانية مؤجلة.. وهكذا تخفي الكوارث أحيانا في الدنيا جوهر الرحمة، وترتدي النعم ثياب المصائب، وهكذا يتناقض ظاهر الأمر وباطنه، ولا يعلم موسى رغم علمه الهائل غير قطرة من علم العبد الرباني، ولا يعلم العبد الرباني من علم الله إلا بمقدار ما يأخذ العصفور الذي يبلل منقاره في البحر من ماء البحر..

كشف العبد الرباني لموسى شيئين في الوقت نفسه.. كشف له أن علمه -أي علم موسى- محدود.. كما كشف له أن كثيرا من المصائب التي تقع على الأرض قد تخفي في ردائها الأسود الكئيب رحمة عظمى في بعض الأحيان وفق المقادير الإلهية.

إن أصحاب السفينة سيعتبرون خرق سفينتهم مصيبة جاءتهم، بينما هي نعمة تتخفى في زى المصيبة.. نعمة لن يكشف النقاب عن وجهها إلا بعد أن تنشب الحرب ويصادر الملك كل السفن الموجودة غصبا، ثم يترك هذه السفينة التالفة المعيبة.. وبذلك يبقى مصدر رزق أصحاب السفينة الصالحين عندهم كما هو فلا يموتون جوعا.

أيضا سيعتبر والد الطفل المقتول وأمه أن كارثة قد دهمتهما لقتل وحيدهما الصغير البريء علي يد رجل مجهول .. غير أن موته يمثل بالنسبة لهما رحمة عظمى، فإن الله سيعطيهما بدلا منه غلاما يرعاهما في شيخوختهما ولا يرهقهما بمطالبه وعقائده وأخلاقه الفاسدة طغيانا وكفرا كالغلام المقتول.

أما الجدار الذي أتعب نفسه بإقامته من غير أن يطلب أجرا من أهل القرية عليه، كان يخبئ تحته كنزا لغلامين يتيمين ضعيفين في المدينة ولو ترك الجدار ينقض وهما في هذا السن الصغير لظهر من تحته الكنز ولن يستطع الصغيران أن يدافعا عنه عندما يحاول أهل هذه القرية البخلاء الطماعين الاستيلاء عليه والنيل منه.. ولما كان أبوهما صالحا فقد نفعهما الله بصلاحه في طفولتهما وضعفهما فأرسل لهما الخضر ليبني لهما هذا الجدار ويحفظ لهما الكنز إلي وقت رشدهما الذي يكونا فيه قادرين علي استخراج هذا الكنز وحمايته بأنفسهما .

ثم ينفض العبد الصالح يده من الأمر. فهي رحمة الله التي اقتضت هذا التصرف. وهو أمر الله لا أمره. فقد أطلعه على الغيب في هذه المسألة وفيما قبلها، ووجهه إلى التصرف فيها وفق ما أطلعه عليه من غيبه.

وهكذا تختفي النعمة في ثياب المحنة وترتدي الرحمة قناع الكارثة، ويختلف ظاهر الأشياء عن باطنها، فيحتج نبي الله موسى علي تصرف يجري أمامه ويستنكره كما نستنكر ونحتج علي كثير من الأقدار الإلهية التي تقع معنا ثم نكتشف بعد ذلك ورحمة الله الكلية التي تخفي نفسها وراء أقنعة عديدة.

والقصة تعلمنا الآتي:

1 - أن هناك قدر من الله نحسبه وقت وقوعه شر لنا، ثم يكشف الله لنا حكمته بعد ذلك فندرك أنه كان خيراً لنا، كما في قصة خرق السفينة. فقد أدرك أصحابها بعد ذلك أن خرقها حفظها من أخذها بيد الملك القرصان الغاصب للسفن.

2 - هناك قدر ومصيبة نحسبها شر لنا، وهي في الحقيقة قدر خفي يحمل لنا الخير ولا يكشفه الله لما فلا ندرك خيره طوال حياتنا كما في قصة قتل الغلام، أن الخضر أو القدر الإلهي فعل ذلك لأن هذا الغلام كان سيكون سيئا مع أمه وأبيه المؤمنين.

فهل عرفت أم الفتى بذلك؟؟؟ هل أخبرها الخضر أو القدر بذلك؟؟؟ الجواب لا.

بالتأكيد قلبها انفطر وأمضت الليالي الطويلة حزنا على هذا الفتى الذي ربته سنينا في حجرها ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي.. وبالتأكيد.. هي لم تستطع أبدا أن تعرف أن الطفل الثاني كان تعويضا عن الأول.. وأن الأول كان سيكون سيئا.. فهنا نحن أمام شر مستطير حدث للأم.. ولم تستطع تفسيره ابداً بأنه يحمل الخير لها ولزوجها المؤمن.

3 - هناك قدر فيه لطف ورحمة خفية من الله لنا إكراماً لوالدينا المؤمنين أو لأعمالنا الخيرة وقد ندركها أو لا ندركها طوال عمرنا كما في قصة إقامة الجدار للطفلين.

فهل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم؟ لا..

هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه؟ لا..

هل شاهدوا لطف الله الخفي.. الجواب قطعا لا.. هل فهم موسى السر من بناء الجدار؟ لا..

واختفى هذا العبد الصالح أو القدر الإلهي.. ومضى إلى المجهول كما خرج من المجهول.. إلا أن موسى تعلم من صحبته عدة دروس مهمة فيها عبرة وموعظة من الله لنا:

تعلم ألا يغتر أو يفتن بعلمه في الشريعة فهناك علم الباطن والحقيقة. وتعلم ألا يُحزن قلبه لمصائب البشر فربما تكون يد الرحمة الخالقة تخفي في سرها الرحمة واللطف والإنقاذ والإيناس وراء أقنعة الحزن والآلام والموت، وتعلم أن الله لا يترك الصالحين والمؤمنين وأبنائهم دون رعاية وحفظ وحماية لهما أثناء حياتهم وبعد مماتهم وأنه دائماً يبدلهما ما هو شر لهم بخير ونعمة عظيمة بعد أحداث كانوا يظنون بعلمهم الظاهر أنها شر لهم، وتعلم أن الأقدار الإلهية دائماً تحمل الكثير من المفاجآت والأمور التي لا تخطر علي قلب بشر، وتعلم أن تحصيل العلم يحتاج إلي الصبر والطاعة للمتعلم وعدم التسرع في الحكم علي الأشياء حتى يتضح له الكثير من ألغازها وأمورها الباطنة والحكمة منها.

هذه هي الدروس التي تعلمها موسى كليم الله عز وجل ورسوله من هذا العبد الصالح، وهي نفس الدروس التي أراد الله أن يعلمها لنا من سرد هذه القصة في سورة الكهف التي قيل أنها تقي من شر فتن الدجال، وكما علمنا من قصة أصحاب الكهف أنه لم يتخلي عن حماية ونجاة هؤلاء الفتية المؤمنين من حاكمهم الطاغية الوثني وأتباعه من قريتهم، فقد علمنا هنا أيضاً أنه لا يتخلي عن المؤمنين ويلطف ويترحم بهم (والمؤمن غير المسلم كما أخبرنا الله)، وكذلك لن يتخلي الله عن المؤمنين في زمن الدجال وسينجيهم من فتنه وطغيانه وشره هو وإبليس وسيجعل النصر حليفهم ويمكن لهم في الأرض ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين مصداقاً لقوله تعالي:

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (القصص:5)

هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ. (التوبة:33)


منقول من كتابنا "أسرار سورة الكهف ومشروع ناسا للشعاع الأزرق" الصادر طبعته الأولي عن دار الكتاب العربي عام 2012م

 

 

 

 


التعليقات

التعليقات تحتاج لموافقة صاحب المدونة لنشرها.


استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل